رؤى ومقالات

هاني بسيوني يكتب ….شُكرًا نبي الله يوسف

فمن قصتك تعلمتُ أن المناصب تكليف لا تشريف ، وما طلبتَ خزائن الأرض لتملكها وإنما لتوزعها ، ولوعلمتَ أقدر منك على هذا ما طلبتها !
ومن قصتك تعلمتُ أن للحب رائحة لا يعرفها إلا المحبون ، لذلك وجدَ أبوك ريحك قبل أن يصله قميصكَ !
وتعلمتُ أن النبيل يعفو عند المقدرة ، وأن الصفح أدب وأن المسامح لا يكسر من جاءه معتذرًا ، فرغم أنهم تآمروا لقتلك ، لكنك قلتَ: “نزع الشيطان بيني وبين إخوتي” وذلك من فرط نبلك ، فلم تنسب لهم السوء الذي صدر منهم …
ومن قصتك تعلمتُ أن بعض الناس يكرهوننا لمزايانا وليس لعيوبنا ، فقد كرهوك لأنك جميل وطيّب ولا تشبههم والناس لا يريدون من يذكرهم بنقصهم!
ومن قصتك تعلمتُ أن الطعنة تأتي أحيانًا من حيث لا نحتسب وأنكَ حين سلمتَ من الذئب لم تسلم من إخوتك !!
ومن قصتك تعلمتُ أن لا أقصص على الجميع كلَّ خيرٍ وهبني الله إيّاهُ لأن البعض عيونهم ضيّقة وقلوبهم أضيق ينظرون إلى ما في أيدي الآخرين أكثر مما ينظرون إلى ما في أيديهم .

شُكرًا نبي الله يوسف …
فمن قصتك تعلمتُ أن المجرمين يلبسون أحيانًا ثياب الناصحين ، فقد قال إبليسُ لأبيكَ آدم “هل أدلك على شجرة الخلد” وقال إخوتك لأبيكَ يعقوب “إنِّا له لناصحون” “وإنا له لحافظون”!
ومن قصتك تعلمتُ أن بعض الشر أهون من بَعْض وأن الناس كما يتفاوتون في صلاحهم يتفاوتون في شرهم وقد أنجاك أقل إخوتك شرًا إذ قال: “لا تقتلوا يوسف”!

شُكرًا نبي الله يوسف …
فمن قصتك تعلمتُ أن لا أبوح بمخاوفي كي لا يحاربني الناس بها ، أباك قال: “أخاف أن يأكله الذئب” فقال له إخوتك كذبا إنّ الذئب قد أكلك .!
وتعلمتُ أن حلاوة الإيمان تغلب مرارة الحَيَاة فحلاوة إيمانك أنستكَ مرارة السجن وأنك لو خنتَ – ومعاذ الله أن تفعل – لصار القصرعلى اتساعه ضيقًا عليك.

شُكرًا نبي الله يوسف …
فمن قصتك تعلمتُ أنه لا يوجد جريمة كاملة وأن المجرم تُوقع به تفاصيل صغيرة فاته أن ينتبه لها فقد نسي إخوتك أن يمزقوا قميصك فأي ذئب هذا الذي يفترس صبيًا ويبقى قميصه سالمًا !؟! .. وتعلمت أن الخير والشر ليس في الأشياء وإنما في طريقة استخدامنا لها ، فقميصكَ كان مرةً أداة كذب … ومرةً دليل براءة … ومرة دواءً ..!!!

شُكرًا نبي الله يوسف …
فمن قصتك تعلمتُ أن هذه الدنيا لا خير فيها ، بئس دار تُباع وتُشترى فيها أنتَ بدراهم معدودة !!!
وتعلمتُ أنّ المدارس والجامعات والكتب ليست إلا أسبابًا وأن المعلم الحقّ هو الله “لنعلمه من تأويل الأحاديث” .. آتيناه حكمًا وعلمًا” .. وأن الله يهب العلم على قدر التقوى “واتقوا الله ويعلمكم الله” … وأن المسألة لم تكن يومًا مسألة عقول بل مسألة قلوب!

شُكرًا نبي الله يوسف …
فمن قصتك تعلمتُ أن الكريم لا يغدر … وأن الحر لا يقابل الإحسان بالإساءة … وأن النبيل لا يبصق في بئر شرب منه ..

شُكرًا نبي الله يوسف …
فمن قصتك تعلمتُ ان الموت ليس له عنوان …

شُكرًا نبي الله يوسف …
فمن قصتك تعلمتُ أن المعصوم من عصمه الله وأن المفتون من تركه الله لشهواته وأن من كان مع الله في يسره كان الله معه في شدّته ، أن العالم كله لا يمكنه أن يجبرني على فعل ما لا أريد أن أفعل ، فتوقفتُ عن التعلل بالظروف والأوضاع ، وتعلمتُ أن الله إذا أراد أن يُظهر أمرًا ، لا يستطيع كل الناس ستره ، وعندما خاف الجميع أن يشهدوا لكَ أنطق الله رضيعًا لينصفك ..!!

شُكرًا نبي الله يوسف …
فمن قصتك تعلمتُ أنّ في السجن مظاليم كُثر وأن الناس قد يدخلون السجن عقابًا على عدم ارتكابهم الذنب وأن الظلم قديم في الناس ، وأن في كل مكان متسع للدعوة ، مملوكًا في القصر تدعو إلى الله وسجينًا في السجن تدعو إلى الله وعزيزًا على كرسي الملك تدعو إلى الله …
وتعلمتُ أن المعدن الأصيل لا تُغيره الأماكن ففي السجن قيل لك “إنا نراك من المحسنين” ، وعلى كرسي الملك طلبوا منك العفو لأنهم رأوك من المحسنين ! ..

شُكرًا نبي الله يوسف …
فمن قصتك تعلمتُ أن الله دومًا يختار سلاحًا للمعركة لا يخطر على بال أحد ، كان قادرًا أن يُرسل ملائكة ليحطم جدران السجن ويُخرجك ولكنه أرسل إلى الفرعون حُلُمًا ..!!
ومن قصتك تعلمتُ أن الحسد وراء كل شر، فهو أول ذنب عُصي الله به في السماء وما رفض إبليس السجود لآدم إلا حسدًا وهو أول ذنب عُصي الله به في الأرض فما قتل قابيل أخاه إلا حسدًا وما أُلقيتَ في الجب إلا حسدًا.

شُكرًا نبي الله يوسف …
فمن قصتك تعلمتُ أنّ الفساد يكون غالبًا من سوء الإدارة لا من قلة الموارد وأنك حين نجوتَ بأهل مصر من القحط لم تأتِ لهم بموارد جديدة وإنما بعقلية إدارية جديدة للموارد القديمة.
وتعلمتُ أن الدنيا حرب مستعرة بين الحق والباطل لا تهدأ إلى قيام الساعة والجنود فقط هم الذين يتغيرون ، وصراعك مع زليخة هو صراع العفة والشهوة في كل عصر ، وصراعك مع إخوتك هو صراع الحب والبغض في كل عصر.

شُكرًا نبي الله يوسف …
فمن قصتك تعلمتُ أن العدل بين الأبناء مطلب وأن الآباء يوغرون صدور أولادهم على بعضهم دون أن يشعروا وقد قدّر الله أن يفضّلك أبوك على إخوتك ليعلمنا أن نحذر حين نحب ولدًا أكثر من الآخر ، وأن نبقي هذا في قلوبنا ولا نحوله إلى سلوك.

شُكرًا نبي الله يوسف …
فمن قصتك تعلمتُ أن لا أشكو بثي وحزني إلا إلى الله ، فالناس إما محب وإما مبغض ، والمحب سيحزن لأجلي ، والمبغض سيشمت بي وكلاهما لا يملك من أمر حزني شيئًا ، فلماذا لا أشكو بثي إلى من بيده الأمر كله .. !؟؟!

أخبـــار ذات صلـــة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق