الرئيسية / رؤى ومقالات / مصطفي الفيتوري يكتب ….عندما غرّد بوزيد في سرب شلقم

مصطفي الفيتوري يكتب ….عندما غرّد بوزيد في سرب شلقم

المكالمة الهاتفية التي أجراها بوزيد دورده بصفته رئيس جهاز الأمن الخارجي مع عبدالرحم شلقم بصفته مندوب ليبيا لدي الأمم المتحدة ــ المستقيل لتوه ــ يوم 14 مارس 2011 تستحق أعادة القراءة لأهميتها كوثيقة تاريخية اولا وللأثر الذي تركته على مواقف أخرين كثر أختاروا الإنشقاق ثانيا، وثالثا لأنها أتت في لحظة تاريخية عصيبة في تاريخ ليبيا وما حدث فيها وشكلت سابقة على المتسوى العالمي اذ لم يسبق أن طلب ممثل دولة التدخل ضدها وهو يمثلها!
جرت المكالمة ثلاثة أيام قبل صدرو القرار 1973 وبعد أعلان شلقم أستقالته في جلسة متوترة وحائرة في مجلس الأمن قبل ذلك بيوم. ولا شك عندي أن بوزيد أجرى المكالمة بأمر مباشر ــ وهو يعلن ذلك في المكالمة ــ من الراحل القذافي ولا أظن أن بوزيد (وأقر هنا أنني لا اعرف الرجل لأحكم علي سلوكه!) كان سيتصل لولا هذا ولا شك عندي أيضا ان المكالمة تم تسجيلها وبثها لهذا السبب من أسباب أخرى ليس أقلها ان توقيت المكالمة وطرفيها ليس مجرد موظفين عاديين في الدولة ومن يريد نتيجتها هو رأس الدولة نفسه ولا أحد غيره. ولا أظن أن أحدا يشكك اليوم في حقيقة المكالمة وحقيقة أطرافها وأن كان كثيرون قد شككوا فيها حين تم بثها في ابريل (تقريبا) عام 2011 والسبب في ذلك التشكيك ــ يا للمفارقة ــ ان بثها تم عبر تلفزيون الجماهيرية يومها وهذا خطأ أعلامي كبير لأن تلفزيون الجماهيرية جهاز مطموس الصوت علاوة على فقدانه للمصداقية لدى العالم ولدى أغلبية الليبيين وكان معروفا بـ(جعيره) الكثير وكلامه القليل!
بوزيد كان واضحا من البداية وكان يريد ان ينقل ما طٌلب منه بأمانة بعد أن يضعه في أطاره الصحيح من حيث الخلفيات وما جرى ولماذا معززا كلامه بسرد بعض الأحداث. كان الرجل يؤدي عمله على أكمل وجه ويبرئ نفسه أجتماعيا (ولهذا حرص على حضور الدكتور مفتاح [ يذكره في الدقيقة 7 وهو شقيق شلقم حسب مصادري الخاصة]) من زميل ــ شلقم في هذه الحالة ــ اراد لنفسه ان يكون في سربا أخر أختاره هو ولم يختره بوزيد مع أن بوزيد أختار أن يغرد في نفس السرب عسى زميله المغرّد ضمن الفوج الأول منه أن يستمع اليه ولكنه أبى مستنكرا لا مستوضحا ولا متبينا ولا سائلا.
الملفت في المكالمة ان شلقم ومنذ البداية لم يكن مُتهيَّأءا للإستماع بنية صافية لتصحيح ما وصله من اخبار وربما أستيضاح الأمور من رجل مطلع يشهد له هو قبل غيره بوطنيته وحرصه ودقته. على العكس كان شلقم يقارع بوزيد بلا حجة بل بترديد ما سمعه من الإعلام ــ وهذا سبب البلاء الأول ــ ولهذا لم يتورع بوزيد عن سؤاله شاكيا: لماذا تصدق الاخرين ولا تصدقني أنا” (الدقيقة 16) وعلاوة على انتقاذاته لأوضاع هو غير مطلع عليها من مصادرها ــ أطلاعه كان عبر الإعلام ــ لم يبدي شلقم اية أشارة جادة تشير الي رغبته في ايجاد مخرج حقيقي للأزمة في بداياتها رغم أنه أشارالي ضرورة أيجاد حل أكثر من مرة وأشار [الدقيقة 14] الي أستعداده المشروط للعودة عن أستقالته.
كلام شلقم لم يكن متسقا مع طبيعة منطق من يريد حل ومن يبحث عن الحقيقة. فمن يريد حل يستمع ومن يبحث عن الحقيقة يستمع أكثر ويسأل أكثر عن وقائع بعينها وهذا ما لم يفعله الرجل بل مضى يعدد ما يعتبره حقائق. وهذا ربما مبرره بسيط وهو ان شلقم أراد ــ هو أيضا ــ ان يبرئ نفسه سياسيا بالقول أنا قلت لكم ولم تسمعوني وأجتماعيا وأمام زميله بأن عبر له عن أنزعاجه من وجوده ــ اي بوزيد ــ في صف أخرين أقل منه مستوى ومكانة حين قال له ” والله انا أتأسف أن يكون بوزيد دورده يكون صاف الآن مع خالد كعيم ومع يوسف شاكير ومع ميلاد الفقهي [الدقيقة 11] ” وأراد أيضا بهذا الرد على كلام بوزيد له [الدقيقة 11 وبضع ثواني] حين قال”… هذا كلام لا يليق بعبد الرحمن شلقم ..الآخرين شي وانت شي أخر… ”
ومما يعزز الشك بأن شلقم لم يكن صافي النوايا في المكالمة قوله [الدقيقة 23] “… تبوني نساعدكم في خروج آمن والله لن يحاسبكم أحد…” وهذا عرض مباشر وصريح لبوزيد ومن وراءه القذافي نفسه للفرار من ليبيا في أقرب فرصة وهو كفيل بضمانة امنهم وعدم محاسبتهم! فلا يمكن ان يكون هذا منطق من يبحث عن حل ومن يتكلم بنوايا صادقة تهدف للحل وليس لغيره.
ويمضي بوزيد في محاولته ثني شلقم عن تغريده وهو يراه يبتعد في سرب غريب لا يجب أن يكون فيه ناهيك أن يكون في فوجه الأول فيعطيه أمثلة لتحديره ممن يمارسون النفاق ولديهم أزدواجية المواقف من قبيل زرتي فيقول له “… وراسك أنت امال هو [زرتي] اللي حل مشاكل مالية معينة لم يحلها الا هو …[الدقيقة 21]” وهنا يشتظ شلقم غضبا يظهر في كلامه ولهجته وكأنه أكتشف نفاق المعني [زرتي] للمرة الأولى!
ويبدو شلقم في حديثه منطلقا من مسلمة يؤمن بها وهي أن النظام فقد شرعيته وهذا كلام علاوة على انه معيب من دبلوماسي وسياسي عريق مثله هو أيضا غير قانوني بمنطق القانون الدولي يومها اذ ان النظام حينها كان لايزال على رأس السلطة ولايزال يتمتع بشرعية أعتراف العالم ومنظمة الأمم المتحدة به ولكي يسبغ شلقم على قوله مسحة من المصداقية قال “… توا كنت في مجلس الأمن وفي الأمم المتحدة الآن النظام كله يعتبر غير شرعي…[الدقيقة 15]”
وهو عكس محدثه من طرابلس فبوزيد ينطلق من حقائق مؤمن بها وموثقة وتبث صدقها بعد ان أنتهى الأمر ــ ولازالت الوثائق التي تخرج في الغرب تؤكد هذا ــ في حين شلقم يردد كلاما مبهما ولم يتبث صدق الوقائع التي سردها من قبيل قوله بنبش القبور في الزاوية [الدقيقة14 ] وقوله بأن الصحفيين تم أعتقالهم وضربهم [الدقيقة15 ] وقوله بأستجلاب المرتزقة [بعد الدقيقة14 بقليل]. وأنا هنا أستغرب لماذا لم يذكر قصة الإغتصاب؟ وأعتقد أنه لم يكن يصدقها ولكنه صدق ما سلف!
وفي نهاية المكالمة يبدو بوزيد مرتاحا لما قال ومرتاحا للحقائق التي سردها ــ يبدو ذلك في خبو حماسته التي بداء بها المكالمة ــ وهو ما عزز أعتقاد ساد لديه ــ في لهجته على طول المكالمة ــ مفاده ان حالة شلقم ميئوس منها وأن سربه الذي غرّد فيه كان قد أبتعد وأبتعد كثيرا جدا ولم يعد أمام بوزيد الا ان يغادر السرب الغريب الي سرب يعرفه جيدا ويعرف أتجاهه. وبعدها آل الامر كله الي صاحب الأمر ــ القذافي نفسه ــ ليقرر ما يراه في شأن شلقم وهذا كان قد أتخد قراره ويعرف نتائجه مسبقا الا انه على عكس شلقم لم يقل فيه كلمة سيئة في حين قال شلقم الكثير من السوء في رجل كان سببا فيما وصل اليه بالرغم من تعهده في المكالمة بأن لا يتعرض لشخص ولي نعمته ولا لأسرته بسوء!
واخيرا فأن الملفت للنظر: أن اي من وسائل الإعلام التي ألتقت شلقم وهي كثيرة جدا ومختلفة ــ بما فيها الليبية ــ لم تسأله مرة واحدة عن المكالمة (حسب علمي) وما دار فيها وهذا طبعا وراءه سببين أثنين: ان بث المكالمة ــ كنا أسلفت في بداية المقال ــ جاء عبر تلفزيون لا يسمعه أحد (الجماهيرية) وأن سمعه أحد فهو لا يصدقه والسبب الثاني: قصور وفشل (الأعلاميين) ممن ألتقوا شلقم وحاوروه بمن فيهم أساطين الجزيرة صاحبة الفضل الأول في تغريد شلقم في سرب غريب!
اعادة قراءة المكالمة بهدوء تنبئ بحقيقة يصعب اتباتها الا بظروفها ولكن يستحيل نفيها وهي: شلقم لم يفعل ما فعل بوازع وطني مبدئي مهما جادل في ذلك وحاجج.
وختاما: لا يكفي أتهام شلقم بالخيانة ولا وصف بوزيد بالبطولة فهذا للتاريخ وللشعب ولكن لكي يحكم التاريخ ويعي الشعب لابد من الحياد في قراءة ما حدث وهذه قراءة جزئية للمكالمة الحاسمة وأن كانت لا تزال غنية بما يستحق القراءة المتأنية لمعرفة الحقيقة أو بعضها على الأقل وهو أضعف الإيمان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *