الإثنين , ديسمبر 10 2018
الرئيسية / ثقافة وفنون / حتى إشعار أخر ….قصة قصيرة بقلم: صلاح العربي

حتى إشعار أخر ….قصة قصيرة بقلم: صلاح العربي

 كان عبدالصمد يشاهد برنامج التوك شو كعادته كل مساء برفقة زوجته واطفاله الثلاثة، المذيع يلبس بذلته الأنيقة ويتحدث مع نفسه او مع بعض ضيوفه المختارين بعناية من رئيس تحرير البرنامج ومن اجهزة اخرى، فكل شخص يظهر في القناة سواءفي برنامجه او اي برنامج اخر يتم اختياره بعناية فائقة بعد ان يتم توجيهه الى ماذا سيقول، وفجأة تحولت الشاشة الى الأبيض والاسود فقط، ظن ان هناك عطل ما في القناة، أمسك بالريموت كنترول وأداره على قناة اخرى، وجدها ابيض وأسود، تجول بين القنوات كلها ابيض وأسود، سال زوجته المصون القابعة بجواره: هل تشاهدين ما ارى؟ ردت: ماذا ترى؟ قال: التلفزيون كل قنواته ابيض واسود. كانت مشغولة البال بشيء ما، والآن افاقت وردت: نعم، غير القناة الى قناة اخرى، ربما هناك خلل لديهم. اجاب: لقد تنقلت بين جميع القنوات، كلها ابيض واسود، لا توجد قناة بينها بالالوان. ردت: ربما يكون التلفزيون به عطل، طالما قلت لك ان الجهاز اصبح قديما جدا ويحتاج للتغيير. نظر حوله، تعمق في النظر في مكونات منزله، كل الأشياء من حوله تحولت الى الأبيض والاسود بدرجاته المختلفة، انتابه انفعال ما، وصرخ في وجهها: كل شيء تحول الى الأبيض والاسود وليس القنوات فقط، انظري حولك؟ نظرت السيدة فعلا كل شيء تحول الى الأبيض والاسود، لم يعد للألوان وجود، سالت اطفالها، هل ترون ما نرى؟ جاب الأطفال: نعم ليس هناك ألوان، أين ذهبت بقية الألوان، لماذا لم يبق سوى الأبيض والاسود فقط. قالت لزوجها: اتصل باي صديق واساله هل حدث له ما حدث لنا، وشرعتها في الاتصال بأمها: ماما هل رأيت ما جرى لنا، لقد تحول كل ما يحيط بِنَا الى الأبيض والاسود فقط، لم يعد لباقي الألوان وجود. ردت أمها: كنت أظن هذا ما حدث لنا فقط، ولم أرد ان أزعجك وزوجك، وكنا ذاهبين لطبيب العيون الان، احضري زوجك ونلتقي هناك، لان ابوك منزعج جدا من هذا الامر، ويقول انه ربما يكون مقدمة للعمى. اتصل زوجها بصديقة حافظ: الو، هل رأيت يا حافظ ما جرى لنا؟ حافظ: نحن في مصيبة كبيرة، لم نعد نرى غير الأبيض والأسود، هل حدث لكم ما حدث لنا؟ عبدالصمد: كنت اتصل بك لأن هذا ما حدث لنا بالضبط، نعم حدث فجأة ونحن نشاهد برنامج التوك شو، هل كنت ايضاتشاهد نفس البرنامج، يبدو انها مصيبة عامة، انا ذاهب الى الطبيب الان. عبدالصمد: نلتقي عند الطبيب إذن، هل تعرف وزارة الصحة بهذه المصيبة؟ حافظ: انا اسمع صراخ احد الجيران وهو يقول كل شيء ابيض واسود، أين ذهبت الألوان؟ عبدالصمد: هذا ما كان ينقصنا، انها مصيبة المصائب، كارثة، حتى الوردالاحمر تحول لونه الى الأسود. تناول عبدالصمد ملابسه ولبسها بسرعة وعلى غير العادة ارتدت زوجته واطفالهملابسهم بسرعة، وفي دقائق قليلة كانوا في الشارع، رواه مكتظا ببشر كثيرين، كل الجيران تقريبا في الشارع بعضهم يصرخ وبعضهم يندب حظه، لقد تحولت كل الأشياء الى الأبيض والأسود، بعضهم يريد الذهاب الى أطباء العيون، وكثيرون قصدوا المستشفيات العامة لعدم امتلاكهم للاموال. يبدو انها ليلة أطباء العيون، قال احد الجيران. بل قل انها الكارثة المنتظرة، ماذا كُنتُم تظنون ان يفعل بِنَا الله، رد اخر. يا رجل قل خيرا او اصمت، رد ثالث. ماذا سيفيدنا الأطباء، طالما انها كارثة عامة، ان الاطباء سيكونون مثلنا، لن يروا سوى الأبيض والأسود، قالها رجل يندب حظه في الشارع. نسال الله ان لا يكون هذا مقدمة للعمى الكلي، قالها امام المسجد القريب، لأننا وقتها سنرى الأسود فقط، كل هذا بسبب ذنوبكم وما ارتكبته ايديكم من خطايا؟ ردت عليه فتاة سيئة السمعة: اذا كان هذا بما ارتكبناه نحن من خطايا، فلماذا أصبحت انت مثلنا لا ترى سوى الأبيض والأسود، الست شيخا فاضلا لا ترتكب الذنوب مثلنا، او تدعي ذلك؟ رد طبيب الأسنان: هذه ظاهرة علمية ليس لها علاقة بالغيبيات او الذنوب، انها نوع من العمى، ربما تسمى عمى الألوان، لكن عمى الألوان يصيب بعض الناس وليس كل الناس، يجب ان نبلغ وزارة الصحة. وما ادراك ان المسؤلين لم يصابوا مثلنا بعمى الألوان، من المؤكد انهم اول من أصيب، بعمى الألوان لديهم مستفحل منذ زمن طويل، قالها رجل مثقف. صرخ صبي المقهى المجاور: اصمتوا فهناك بيان هام يذاع. قال صاحب الصوت الجهوري الذي يذيع البيان عبر كل القنوات: بيان هام الى شعبنا العظيم نظرا لحالة الهرج والمرج التي تسود البلاد الان، والشائعات المغرضة التي يروجها أعداء الوطن، والتي ستقف لها جميع اجهزة الدولة بالمرصاد، وسوف تحاسب كل من تخول له نفسه ترويج هذه الشائعات بان هناك نوع جديد من عمى الألوان قد اصاب جموع الشعب، وأنهم لم يعودوا يروا سوى الأبيض والاسود فقط، فان وزارة الصحة تكذب هذه الشائعات المغرضة التي تستهدف النيل من عزيمة اجهزة الدولة على السيطرة على مقاليد الامور، وأننا اذ نحذر كل من تسول له نفسه ارتكاب جريمة ترويج هذه الشائعات المغرضة، فإننا نعلن لجموع الشعب بان اجهزة الدولة ومؤسساتها ستضرببيد من حديد كل من تسول له نفسه ارتكاب هذه الجريمة النكراء في حق المجتمع، وانه يجب على الجميع التزام منازلهم وعدم الخروج منها حتى إشعار أخر، ونعلمكم ان اجهزة الشرطة وقوات التدخل السريع بدأت الانتشار في الميادين والشوارع للحفاظ على الأمن والارواح، وان كل من يتم ضبطه في الشارع لأي سبب كان سيتم تحويله للمحاكم المختصة وتطبيق القانون عليه، وان عقوبة هذه الجريمة هي السجن المؤبد، وهذا حتى إشعار اخر والله الموفق والمستعان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *