الرئيسية / بروفايل / دموع ملك .. يرصدها : فوزي خطاب

دموع ملك .. يرصدها : فوزي خطاب

(1)

بقدر ما بها من متعة، وأنت تقرأ سطورها، وتطالع أحداثها، لأنها مذكرات ملك، خطها بيده،وسطرها بدموعه، بقدر ما فيها من ظلم وألم وقسوة، لا تملك حيالها إلا أن تبكي معه، وإن شئت قل، تبكي عليه

إنها مذكرات الملك طلال، ملك الأردن في مطلع خمسينيات القرن الماضي، ابن الملك عبدالله، ووالد الملك حسين، واللذي أحدث اغتيال والده الملك عبدالله حليف بريطانيا الأكبر في مايو من عام واحد وخمسين، فراغاً كبيراً في السلطة، كان علي بريطانيا أن تملئه وبسرعة، وتختار واحداً من ابناء الملك، الراحل أهو طلال الإبن الأكبر، اللذي يبدو ساذجاً سهل القيادة أم نايف الأبن الأصغر، الأكثر نضجاً ودهاءاً وفهماً للسياسة؟ ، ولكن رجحت كفة طلال الإبن الأكبر، علي كل حال، ونودي به ملكاً علي المملكة الأردنية، في سبتمبر من عام اثنين وخمسين

لكنه بدا من اللحظة الأولي، عنيداً، مراوغاً عديم الفائدة لبريطانيا ، التي باتت تبحث عن حل سريع تصلح بها غلطتها، وتعيد الأمور الي نصابها وتتخلص من هذا الملك المزعج ، فكان الحل باختلاق قصة. جنونه. تمهيداً لعزله. عن العرش، وتولية العوبة جديدة بدلاً منه، واعلن بالفعل. عزل الملك في اغسطس من العام التالي وتولية ابنه الطفل، الملك حسين، بعد حصار قصر بسمان، وبعد عرض قرار العزل علي مجلس الأمة، لم يعارضه سوي اثنان، اعتقلا فيما بعد، لتصير بذلك { زين } زوجته هي الملكة، ورئيسة الوزراء، والوزراء، والمنفذة الأولي للسياسة البريطانية في الأردن، والمدبرة لعملية اقصاء الملك طلال عن العرش، بدعوي الجنون، وعدم الصلاحية للحكم، وبدأت الملكة تصدر أوامرها بمنع الملك المعزول من الإتصال بأي انسان، سوي من ثلاثة أشخاص، كحراسة شخصية. اختار منهم طلال المقدم {صبحي طوقان} سكرتيراً خاصاً ليصير فيما بعد، رفيق رحلته، وكاتم اسراره، وصديقه الأوحد، في منفاه، ونافذته الوحيدة علي العالم، ويصبح طلال سجيناً في قصره، غير مسموح له بمغادرة مطلقاً، فساءت حالته، واعتلت صحته، إلا أن جاءه بتدبير من الملكة ذات يوم عوني عبد الهادي سفير الاردن بالقاهرة ، ومعه خطاب ، يفيد أن الحكومة المصرية، وافقت علي السماح للملك بالإقامة علي أراضيها، وأنها خصصت له قصراً في حلوان، فوافق الملك علي الفور، هروباً من هذا السجن الذي يعيش فيه، واستقل الملك طلال الطائرة إلي القاهرة، ومنها إلي سيارة كانت بانتظاره، أخذت مسرعة تقطع شوارعها المزدحمة حتي وصلت إلي حلوان، ليفاجئ الملك أن السيارة تدخل إلي مبني كبير، مكتوب علي بابه، مستشفي {بهمان }للأمراض العقلية،!
يقول طلال :حينها وضحت المؤامرة، أوهموني أني سأقيم في قصر!! في القاهرة وها هم يضعونني رغماً عني في مستشفي للأمراض العقلية }

نزل الملك من سيارته ونظر إلي عوني عبد الهادي وكأنه يبصق في وجهه، قائلاً بغضب كبير وثورة عارمة…. أنا لست مريضاً .. ! عملوها فيً الكلاب !

زين زوجتي. وحسين ابني ثم انفجر يبكي بصوت مسموع!

 (2)

دخل الملك طلال إلي المستشفي محاطاً بجوقة من الأطباء يتقدمهم د. بهمان. مدير المستشفي. وهم يهدئون من روعه قائلين لتطمئن جلالتكم فنحن جميعاً في خدمتكم. ونتمنى لكم الشفاء. لكنه في الحقيقة بدا. مصيراً مجهولاً كان علي الملك أن يواجهه وسط كل العيون والجواسيس. اللذين ارسلتهم. زين. لمراقبته ر .والتلصص عليه في سكناته وحركاته التي لم يكن يشعر بأي قيمة لها إلا وسط المرضي اللذين كانوا يتجمعون حوله كلما رأوه ويحيونه وسط جو من الود. والرحمة. والحب والمشاعر الرقيقة التي افتقدها حتي من أقرب الناس إليه.رفعت من روحه المعنوية وتحسنت صحته رفع بعدها الأطباء المصريون تقريراً يفيد أن الملك لم يعد بحاجة الي البقاء في المستشفي. !! الأمر الذي أزعج زين كثيرا. ً فقررت نقل الملك إلي تركيا. البلد الذي شهد مولدها وسنوات صباها. والتي تربطها علاقة ود كبير بعدنان مندريس رئيس وزرائها. ليلقي نفس المصير في مستشفى للأمراض العقلية ولكن برقابة أكبر وحراسة أشد، مانعة عنه كل شيئ إلا ما يبقيه حياً فصار حبيساً وحيداً مفلساً مراقباً معزولاً نزعت عنه ملابسه واستبدلت بملابس المجانين. لتكتمل الصورة القاسية في ايهام العالم ان الرجل بات مجنونا ولا أمل له في الشفاء!! غير أن الملك انتصر علي نفسه وقرر أن لا يستسلم لهذا الموت البطيئ فقرر الهرب. عن طريق أمير كويتي كان علي علم بوضع الملك فوضع خطة لتهريب الملك عن طريق سكرتيره الخاص وبجواز سفر مزور الي بيروت ومنها الي اي عاصمة يريد وبات الملك يمني النفس بتلك اللحظة التي تبددت في الخامسة من صباح يوم الهروب. حين اقتحم البوليس التركي حجرة الملك بإيعاز من موظف فلسطيني كان علي علم بأمر جواز السفر مقابل مبلغ من المال. وهكذا فشلت الخطة وتبدد أمل الملك في النجاة وعاد الي المستشفي ولكن هذة المرة أشد يأساً وإحباطاً وايضاً أشد رقابة وعزلة حتي من سكرتيره وصديقه وكاتم اسرارة ونافذته علي العالم. فمنعوه من لقاءه حتي كاد الملك طلال ان يجن فعلا… فسمحوا له بالتقاء سكرتيره بعد فترة… وما كاد يلتقي الرجلان حتي تعانقا طويلاً وأخذا في البكاء. في مشهد درامي حزين يأسي له القلب وتدمع له العين. يصوره لنا {طوقان }سكرتير الملك بألم وحسره فيقول :تعانقنا طويلاً نظر إليً الملك بعدها. وعيناه تغمرهما الدموع قائلا :كفاك كل ما لحق بك بسببي ما ذنبك في كل هذا البؤس آن الأوان أن تعود لبيتك وأولادك. حاولت أن أتكلم لكن منعتني يده التي وضعها علي فمي قائلا لم اعد اريد ان اسبب لك مشاكل اخري أرجوك هذا أمر. وانعقد لساني. ومد يده مصافحاً ومددت يدي في بطئ وتلاقت أيدينا يده الضعيفة التي تحولت من فرط ضعفه الي يد تشبه يد الأطفال ويدي الحائرة التي لا تقوي علي الضغط علي يده وتعانقنا ثانية وأنا لا أريد أن أفارقه فقد شعرت حينها أنه أقرب إلي من أبي وابني وزوجتي. وقال لي مودعاً أراك علي خير. وأتمني لك التوفيق وفتح لي باب الغرفة بنفسه فوقفت وأديت له التحية العسكرية واستدرت منصرفاً وأغلق باب الحجرة من جديد ليبقى الملك وحيدا وبدأت أخطو في بطئ نحو باب المستشفي الخارجي والتفت للمرة الأخيرة الي نافذة الحجرة التي يقيم بها الملك وسقطت دمعة كبيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *