الجمعة , يوليو 10 2020
الرئيسية / ثقافة وفنون / “العنقود” .. قصة قصيرة لـ : سعيد عثمان

“العنقود” .. قصة قصيرة لـ : سعيد عثمان

” من واقع حيرته ولياليه الطويلة الساهدة .. يغشاه الغضب من جديد ويستبد به الغيظ لا يغادره .. ما أكثر المرات التى رد فيها على منطقها المتكور ودفاعها المتكرر.. يحدق فى وجهها بحدقتين مهتزتين متأرجحتين كبندول لا يتوقف .. يفتح فمه لبرهة لكن لسانه يخذله .. ” ماذا يفيد منطق لمن كبَّل هَواهُ عقله ؟”..
يصمت حزينا يائسا .. لكن الكلمات المكبوته تتصارع داخل نفسه المنهزمة ..
” ماذا لو مَسَّنا مثل هكذا ظلمٌ .. أكانت ترتضى ممن حولنا الصمت ؟ ” ..
تحتضن رأسه فى صدرها .. يلتصق بها كطفلٍ لا يغادره الحنين أبدا الى الرحم .. يدفن أحزانه فى قلبها المتسارع بالنبضات .. ويبدأ عاليا بالبكاء .. تدرك قسوةَ ما يعانيه .. الرجل العراقي ليس من طباعه البكاء أمام النساء .. والزوج الذى وجد نفسه فجأة فى قلب دوامة واعصار لم يعد لديه المزيد من المقاومة .. قد أفلت منه كل تماسكٍ وانحلَّ منه كلُ انتماء ..
تحزن لحال زوجها وعُنقود انتمائهِ الذي انفرط .. تتساقط دموعُها غزيرة على شعره .. تهمس فى أذنه ..
” هون عليك يا عزيزى .. إنه مجرد صديق “.
يشيح بوجههِ بعيدا عنها .. يستشعر الخيانة فى كلماتها .. فلا يرد فهو يعرف أنها لا تتخلى أبدا عن العناد ..
تستطرد فى استجداء ..
“الزعيم مخلصٌ شَريف .. والوطن تحيط به المخاطر والمحن ”
هي تدرك أنها لن تغير رأيها مثلما تدرك أنه لن يغير موقفه ..
لطالما عرفت عنه كم أحب مثلها القائد والزعيم ..
لكنه استشعر حوله الظلم .. والظلم ينشر في شباكهِ مخالبَه فيُدمى بها القلوبَ المرهفة .. وزوجها شاعرٌ أديب .. أنَّى تأتيه القدرة على التجاوز أو القوة على الاحتمال ..
” فى الصمتِ عونٌ ومشاركة .. وخيانةٌ وطنٍ وصديق ”
هكذا اعتاد أن يرد قبل أن يلزم الصمت فى الفترة الاخيرة ..
تنساب دموعها من جديد .. ما عاد لديها ما تبديه سوى الصمت ..
بعد دقائق اعتدل فى جلسته .. ما الذى تغير فيه كى يستشعر الغربة ؟ .. ما الذى يعتصره كى يستشعر الضيق والاختناق ؟ .. أخذ يحدق فيما حوله صامتا .. الجدران هى الجدران .. والأثاث هو الأثاث .. والحال ميسور والحمد لله .. أتنقلبُ حياته فجأة رأسا على عقب لمجرد مظلمة أحاطت بصديق ؟ ..
فى منتصف الغرفة توقفت نظراته عند الطاولة الصغيرة .. لمعت عيناه وهو يحدق فى طبقٍ يرقد بداخلهِ عنقودٌ كبيرٌ من العنب .. استغرقه النظرُ وكأنما يحصى حباتهِ المتجاورة .. يتأملُ شكلَها الهرمىُّ الذى لا يكاد يوحى أيهم يختلف عما جاوره .. صفن وصمت .. أيكون العنقودُ قد أوحى له بالفكرة ؟ .. سرت قشعريرةٌ خاطفةٌ بجسدهِ لتنفرج بعدها أساريرُه قليلا قليلا .. انفرجت أساريرها أيضا وهى ترقبه وقد سرَّها أن شهيته قد بدأت أخيرا تعود .. ابتسمت .. هى تعرف حبَهُ الشديدُ للعنب ..
” أبو الفواكه العنب ”
هكذا اعتاد أن يقول ..
على طاولة البائع اعتادت دائما أن تبحث عن اكبر عنقود .. وفى الامسيات الدافئة لأيام الصفاء والحب المتوهج تُسدل الستائر وتُوقد الشموع .. تضع العنقودَ الأحمرَ برفقٍ على الطاولةِ الصغيرة فى الغرفةِ الخافتةِ الدافئة .. كان وجودُ العنقود فى هذا المكان تحديدا إشارةً ما ورسالةً ترسلها عاشقةٌ إلى زوجها .. قبل أن تذوب الشموع يبدأ العاشقان الغزل ويتماهيا فى الحب .. يقطف هو الحبةَ الأولى .. يدسها بين شفتيها المكتنزتين .. فتتناول أخرى لتضعها فى فمه .. وهكذا يتناوبان .. وهكذا يبدأ الأمر ..
ظل العنقود دائما بينهما رمزا للحب ..
وهاهى الليلة تعرض الاغواء الأخير ..
تركزت نظراته وهو يحدق طويلا فى العنقود ..
للمرة الأولى منذ شهور ارتجف منها الجسد وتلاحقت لديها الأنفاس ..
هى تعرف تلك الرجفة الدافئة جيدا ..
بلهجةٍ حزينةٍ لا يغادرها الانكسار همست فى أذنه تستجديه ..
“أما آن الاوان للكابوس أن يرتحل ؟..
“أما آن للحب أن يعودنا من جديد ؟ “..
بعيون دامعة محمرة من طول السهر نظر إليها .. أدرك ما تعنيه وأشفق مما تعانيه .. حاول أن يبتسم .. مال ناحيتها .. شعر بأنفاسِها المتلاحقة الدافئة تلفح وجهه .. اقترب .. بجوارح مرتجفة مترددة كاد أن يبدأ القصيد .. فى دلال امتدت يدها نحو المنضدة القريبة .. أمسكت برأس العنقود وبأطراف أناملها المرتعشة بدأت تقتطف الحبة الاولى .. لكن العنقود انفلت فجأة من بين أصابعها ووقع علي الارض .. انفرط عقد حباته فتناثرت متفرقةً علي أرضيهِ الغرفة .. حدق ذاهلا ببصرهِ في الحبات المتناثرة .. عاودته القشعريرة من جديد .. بسرعةٍ انسَلَّ بجسدهِ مبتعدا عنها .. لم يعد العنقود بعد مُشعلا لفتيل .. بل لم يعد للحب فى هذا الزمن وجود أو للمتحابين قدرة ومقدرة ..
قبل أن ينتفض ليغادر المكان إلى غير رجعة .. حدق فى عينيها طوبلا .. صاح بلهجة بغداديةٍ غاضبةٍ موغلةٍ فى القِدَم ..
” لماذا يجمع (الراعى الشريف) حوله لئام البرية وذئاب الجبل؟ ”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: