الرئيسية / بروفايل / ثمانون عاما على مولده في 11 أبريل 1938: عبد الرحمن الأبنودي يتنزه في البستان

ثمانون عاما على مولده في 11 أبريل 1938: عبد الرحمن الأبنودي يتنزه في البستان

كتب:السمّاح عبد الله
أمسكت الأوراق وطويتها وهبطت من مجلة “القاهرة” الكائنة على سطوح هيئة الكتاب متجها إلى مكتب الدكتور سمير سرحان لأعرض الأوراق عليه، في البهو الذي يقع فيه مكتب رئيس الهيئة قابلته، يبدو أنني كنت متعجلا وأمشي بسرعة، لأنه استوقفني بلهجته الصعيدية المحببة وصاح في وجهي :
لماذا هذه العجلة .. هل ستقابل رئيس مباحث سوهاج؟
سلمت عليه ووصفت له دورة المياه التي سألني عنها، كنت أعرف أنه لم يكن يريد توبيخي لاستعجالي، ولكني كرجل صعيدي أعرف هذه الطريقة السيمية التي يتبادلها الصعيديون، إن رآك صديقك وأنت ممسك قرطاس طعمية يقول لك :
هل ستعزم العمدة على الغداء؟، يريد أن يقول لك صباح الخير، وهذه هي طريقة الصعيدي في التحية والسلام، أو في الترحيب بالصحاب، لسبب ما لا ينبغي أن يكون الكلام واضحا ومباشرا، دائما له مدلولات ورموز، عليك أن تكون صعيديا لتتعامل معها .
وهكذا، عليك أن تكون صعيديا لتستطيع أن تدرك المغزى الحقيقي لكلام عبد الرحمن الأبنودي، وتقبض على جوهر الحدوتة، وهو حكاء من طراز فريد، لا يستطيع أحد في حضرته إلا أن يكون مستمعا، ومهما طالت الجلسة معه لا تتمنى لها أن تنتهي، فحكاياته تتوالد، ما إن يمسك خيطا حتى يتركه ليمسك خيطا آخر، تكون غير عارف بأصول اللعبة إن حاولت أن تعيده للخيط الأول وتقول له:
يا خال، فماذا قالت فاطمة قنديل لبائع البطاطا عندما أصر أن يأخذ منها القروش الثلاثة؟
ساعتها سيصبح طعم البطاطا في فمك ماسخا، وتصبح القروش الثلاثة بلا قيمة، هو نفسه لن يسمح لك بذلك بل سيجرك جرا إلى هذه الفدادين اللانهائية في حنجرة جابر أبوحسين الذي سيكون وقتها قد عدّل من وضع ربابته وأخذ سمت العاشق الإخميمي وهو يصف جمال الجازية الذي يتموج كسفينة تائهة في عرض البحر فلا هو عارف طريقه للشط ولا هو استمتع بملامسة حنين الماء.
ظل عبد الرحمن الأبنودي يخدعنا لأكثر من نصف قرن كامل، أنا فقط من استطاع أن يفلت من خداعه، لم أره أبدا بهذه البدلة الافرنجية على جسمه النحيل، لا يصلح لهذا الجسد غير الجلابية الفضفاضة، والتي تسمح للهواء بالمرور في كافة أنحاء الجسد يلا غواية ولا خوف، فتحتها مباشرة الفانلة البيضاء المحبوكة على قد الصدر، والتي تظهر أكمامها ناصعة البياض من بين الأكمام المتسعة للجلباب الفضفاض، هكذا ينبغي أن يكون الأبنودي، لكنه أراد أن يجالس الوزراء والرؤساء فارتدى ما يسمح له بالجلوس إليهم، وكان جلوسه إليهم يضايق كثيرا من محبيه، فالجلوس إلى مثلهم له عاداته وتقاليده وأغراضه وهواه، وشعره أكبر من أن يصحبه في هذه الجلسات، كنا نقول له :
يا خال أنت أهم وأجمل من هذه الصالونات، أنت ابن المصطبة وربيبها الحميم فمالك وهذه الوسائد الوثيرة ؟
كان يتهمنا بأننا لا نريد له أن يزوق حلاوة النعمة وقد جرب مرارة الفقر، سامحك الله يا خال لم نكن نعرف أننا نحبك كما عرفنا الآن.
عبد الرحمن الأبنودي يحب ديواني “الواحدون” وأنا مدين له بقصيدتين في هذا الديوان، قصيدة “لامبو” وقصيدة “عبد الله النديم”، أكبر الظن أن لامبو شخصية من تأليفه هو، كنت أقول له :
ومن لامبو هذا؟
فيقول لي:
هو ثائر إسباني، ومناضل فقير، وشاعر عازف وسكير عظيم.
فأظل أياما وشهورا أبحث في دوريات دار الكتب عن أي شيء يؤكد كلامه فلا أجد، لا أجد إلا ما قاله الأبنودي :
( الخواجة لامبو مات / الضباب كان بات ليلتها ع القزاز / كانت القرية اللى مات فيها الخواجة لامبو نايمة ع الجليد / عم لامبو قضّى عمره فى الحارات والخمارات / كان يغنّى للعيال المقروضين / كان يغنى للأرامل والغلابة والسكارى / السكارى اللى يعودوا من جحيم الحر فى المنجم / السكارى اللى المحاجر حوّلتهم زيّها / أزمة وحجارة )
وعبد الله النديم الشاعر الجواب الذي ظل يتخفى في القرى والنجوع متخفيا في جلابيب وقفاطين وبدل كثيرة، كان الأبنودي هو الذي دلني عليه وحببني فيه:
( يا لولا دقة إيديكي ما انطرق بابي / طول عمري عاري البدن وإنتي جلبابي / ياللي سهرتي الليالي يونسك صوتي / متونسة بحس مين يا مصر في غيابي / أدباتي أراجوز ما بين صحبي وخلاني / زجال مهرج مركب صوتي في لساني )
يضحك ويقول : تسرق مني قصيدتين ولا تكتب عني قصيدة كما كتبت عن عفيفي مطر وعدلي رزق الله لأنك تجلس معهما على مقهى البستان؟
فيما بعد، وبعد صدور ديواني بأعوام وأعوام، وفي جلسة ما، أخبرني الأبنودي أن لامبو مجرد مواطن إسباني فقير، التجأ إلى قنا هربا من الحرب الأهلية، وبنى فيها فندقا، ليعزف في الليالي الشتائية على جيتاره بألحان غربية لا يفهمها القناويون، لكنها تثير فيهم الشجن والحنين.
خلت الأماكن منك يا صديقي الكبير.
وسبقتنا إلى المقام الأعلى، استرح فقد تعبت كثيرا، وعانيت كثيرا، وعركت هذه الحياة، وأنهكتك حاجات الدنيا، استرح وانتظرنا، واذكرنا أيها البهيج، اذكرنا حتى نلقاك.
منشور في جريدة الأهرام الأحد 8 أبريل 2018

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *