الرئيسية / رؤى ومقالات /  د .محمد حامد الغامدي يكتب …..عندما يصبح الماء أمانة والغذاء حاجة

 د .محمد حامد الغامدي يكتب …..عندما يصبح الماء أمانة والغذاء حاجة

 

▪▪استلمت ثلاثة أسئلة على صفحتي بـ(تويتر) من الأخ الكريم (صالح العساف)، لا أعرفه لكنه متابع ومهتم بما أكتب عن المياه. طرح أسئلة مهمّة، وتكررت من آخرين. ورغم ما أكتبه عن مواضيع هذه الأسئلة، إلا أنها تثار بين فترة وأخرى. الإجابات موجودة في كتبي الخمسة عن المياه. لكن تكرار الأسئلة مؤشر على الاهتمام، فهي ترسخ المعلومة وتنشرها. فشكرا للأخ العساف، وشكرا لكل القراء والمتابعين المهتمين بالحفاظ على الماء.

 

▪▪نص التغريدة تقول: (أنا من المتابعين والمؤيدين لتوجهك بالمحافظة على الماء، فهو بعد الله أساس الحياة، ولدي بعض الاستفسارات لو سمحت: أولا، إلى متى نستطيع تخزين المياه الجوفية؟؛ ثانيا، ألا تعوض الأمطار الكميات المستخدمة سنويا؟؛ ثالثا/ ماذا عن الأمن الغذائي وما هو الأهم وما هو المهم؟ كتبه بتاريخ 10/4/2018 الساعة 10:02 صباحا).

▪▪السؤال الأول له أكثر من احتمال، صياغته بهذا الشكل يأخذ أكثر من فهم. لا أعرف ماذا يقصد بقوله إلى متى؟ لكن وفقا لفهمي فإن المياه الجوفية العذبة مخزونة في التربة، وليس لها نهاية صلاحية الا في حال كونها راكدة. الإنسان لا يستطيع خزن الماء بطرق صناعية إلا في حدود ضيقة جدا، وقد يفسد مع طول مدة الخزن وركوده، بعكس الخزن الطبيعي للماء في الأرض حيث الماء في حركة مستمرة بين حبيبات التربة.

▪▪إن خزن الماء في الأرض بشكله الطبيعي تراكمي بفعل مواسم الأمطار، ويمكن للإنسان زيادة كفاءة هذا الخزن الطبيعي بطرق ومهارات معروفة. هذا الخزْن بمثابة إمدادات بكميات إضافية على المياه الجوفية السابقة، وهذه العملية تسمى تنمية المياه الجوفية. هذا يحدث بشكل طبيعي من خلال موجات المطر التي تتكرر. وكما هو معروف فإن المطر مصدر جميع المياه العذبة في العالم.

▪▪في حال ذهبنا أكثر في الإجابة نحو السؤال الثاني، فإن للمياه الجوفية شكلين، الأول مياه جوفية متجددة؛ الثاني مياه جوفية غير متجددة، أي لا يمكن تغذيتها بمياه الأمطار الحالية لندرتها في أماكن تواجد هذا النوع الأحفوري من المياه، وهي مياه عذبة مخزونة من العصور المطيرة التي مرّت على شبه الجزيرة العربية من آلاف السنين. هي مياه تتواجد على أعماق تزيد عن (50) متر من سطح الأرض، وقد تصل لأعماق تزيد عن (2000) متر. 

▪▪هذه المياه الاحفورية موجودة تحت ضغط هائل جدا، وعلى أعماق مختلفة، وتحتاج لحفر آبار ارتوازية لاستخراجها (معنى ارتواز يرجع الى أول مكان بئر حفرت في العالم لاستخراج هذا النوع من المياه، وكان في مدينة ارتواز بفرنسا، كنتيجة كان هذا الاسم). هذه المياه غير المتجددة مخزونة في طبقات العصور الجيولوجية المتخلفة على أبعاد أيضا متفاوتة. من المهم معرفة أنه لا يمكن تعويض المسحوب منها.

▪▪أمّا بخصوص المياه الجوفية المتجددة، وهي الشكل الأول، فهي موجودة ومتوفرة في أعماق قريبة من سطح التربة، لا تزيد عن عمق (50) متر. المخزون من مياه هذا الشكل يتجدد بفعل غزارة الأمطار وتكرارها. وهي مياه لا توجد تحت ضغط، لكنها تتجمع في الطبقات الصماء الحافظ للمياه تحت التربة. ويجب الحفر يدويا أو آليا للوصول اليها. ومنسوبها يقل ويرتفع وفقا لمدى تغذيتها بماء الأمطار.

▪▪هذا النوع من المياه يتعاظم في المناطق المطيرة من المملكة، وهي الجزء الذي يغذي المياه الجوفية المتجددة بالمياه. وهناك تراث مهاري محلي يحمل أنظمة تؤسس لعلم إدارة المطر في المناطق الجافة بكل فروعه من صيد وتجميع وخزن وبشكل طبيعي. حاليا يتعرض هذا التراث المائي المهاري للإهمال والتدمير والانهيار والتخريب، الأمر الذي يقلل من تغذية المياه الجوفية بالمياه. وقريبا سيصل بفعل الإهمال الى مرحلة تنذر بخطر التصحر والمزيد من الجفاف.

▪▪في التنمية الزراعية بالمملكة كان التوسع الافقي باستصلاح الأراضي البور في مناطق الصخور الرسوبية اي مناطق الشكل الثاني وهي المياه الجوفية غير المتجددة النادرة الأمطار، وقد تم استنزاف أكثر من (650) مليار متر مكعب خلال العقود الثلاثة الماضية، الأمر الذي تسبب في انخفاض مناسيب المياه، لمستوى حرج. وهذا ما كنت أدعو تلافيه خلال هذه العقود الثلاثة حيث حذرت وايضا دعوت لوقف الزراعات العشوائية التي سادت على حساب المخزون الاستراتيجي من مياه الأجيال القادمة. أما في مناطق المياه المتجددة فقد فاق السحب التعويض بمقدار عشر مرات.

▪▪بالنسبة للسؤال الثالث، المتعلق بالأمن الغذائي، والأمن المائي وأيهما أهم؟ إن أهم وزارة في أي بلد هي الوزارة المسئولة عن الماء والغذاء. لأنهما من الاحتياجات الضرورية والأساسية للبشرية. على الماء والغذاء تتوقف حياة البشر. إن الأهمية تأتي من الدور الذي يلعبه الشيء، كنتيجة تتضح أهميتهما.

▪▪أيهما أهم الماء أم الغذاء؟ يعود الأمر إلى تعريفات الأمن الغذائي وتعريفات الأمن المائي. وعليه فإن تأمين الغذاء أسهل من تأمين الماء. يمكن أن يصوم الفرد أيّاما عن الغذاء، لكن مع الماء الأمر يختلف. كنتيجة حدد الله أهمية الماء في القرآن الكريم وأعطاه الأولوية عندما قال سبحان: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ)الأنبياء/30. هذه الآية الكريمة تحدد الإجابة المثلى. ولأهميته ذكره الله في القرآن الكريم (23) مرّة. واستخدمه سبحانه أيضا كأداة ترغيب وترهيب لأنه أهم مورد على وجه الأرض.

▪▪في القرآن الكريم أيضا ما يشير إلى تعريف الأمن الغذائي بأحد مفاهيمه وهو توفره حتى وإن لم يزرعه الفرد. قال سبحانه: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ قريش/4بمعنى تأمين وتوفير الغذاء وليس بالضرورة زراعته في منطقة التأمين. أيضا في سورة إبراهيم الأية 37 ما يؤكد ذلك حيث قال تعالى: ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ).  

 

▪▪الخلاصة أنه في مناطقنا العربية الجافة والهشة والتي تعاني ندرة وشح الماء، يجب أن يكون هذا الماء خط أحمر. ويجب ألا تطغى التوسعات الزراعية الأفقية وتتجاوز الخطوط الحمراء. وعلينا الأخذ بالتنمية الزراعية الرأسية وذلك بزيادة كمية الانتاج لنفس المساحة، بهدف توفير الماء وحفظه للأجيال القادمة. نحن لم نرث الأرض ولكننا مستأمنين عليها لصالح أجيالنا القادمة.

[email protected]

[email protected]  

 

2 تعليقان

  1. صالح العساف

    شكرا جزيلا د. محمد على تكرمك بالرد
    الرد في الحقيقه يجيب على أسئلتي باقتدار
    وفقك الله

  2. ارجو ان تكون معلومات المقال حققت ما كنت تبحث عنه من إجابات. القارئ دوما يفتح المزيد من الآفاق حول اي موضوع وذلك بأسئلته الجادة. اكرر شكري لشخصكم الكريم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *