الرئيسية / أخبار العرب / "المصحف وقراءاته" أوّل قراءة نقدية للقرآن: طبعة قرآنية غير مسبوقة إطلاقا في العالم الإسلامي

"المصحف وقراءاته" أوّل قراءة نقدية للقرآن: طبعة قرآنية غير مسبوقة إطلاقا في العالم الإسلامي

ملاحظه هامه–

نقلنا هذا الموضوع عن  موقع قنطرة الألماني – 14.4.2018ونطرحه هنا  للنقاش وابداء الرأي خاصة من قبل العلماء والمختصين والرد مكفول لمن لديه القدره الفكريه والموضوعيه.

وبالتأكيد الموضوع لايغبر عن رؤيتنا ورأينا—

***********************

يدعو المفكرون الإسلاميّون التقدميّون منذ فترة طويلة إلى قراءة القرآن وفهمه في سياق نشأته التاريخي. المفكر التونسي عبد المجيد الشرفي أصدر ولأول مرة طبعة تاريخية نقدية للقرآن. الصحفية أنيته شتاينيش تسلط الضوء على كتاب “المصحف وقراءاته”، الذي ساهم في إعداده مجموعة من الباحثين بإشراف الباحث عبد المجيد الشرفي.
يعمل الأستاذ عبد المجيد الشرفي في مكان يشبه الجنة، فهو منذ ثلاثة أعوام رئيس المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون “بيت الحكمة” الواقع في مدينة قرطاج والذي يطلّ مباشرة على خليج تونس في قصر مهيب مبني على الطراز الإيطالي المطعّم بالفن الأندلسي منذ القرن التاسع عشر.
يوضع الشاي أولا على الطاولة ثم المصحف المطبوع في كتاب يقع في خمسة مجلدات سميكة ذات قطع كبير. وهو كتاب واضح من عنوانه “المصحف وقراءاته”.
يتصفّح عبد المجيد الشرفي، وهو أستاذ متقاعد من جامعة تونس مختص في الدراسات الإسلامية، صفحات الكتاب الرقيقة ويشرح شكل طبعته:” طبعت في أعلى الصفحة كلّ آية برسم المصحـــف وتأتي تحتهـــا –باللون الأحمر-القراءة على رواية حفص المستخدمة اليوم، أمّا في القسم الثالث المطبوع باللون الرمادي الفاتح”، هنا يتوقف الباحث لحظة ثم يضيف: “تسرد القراءات المختلفة لكلّ آية نقلا عن المؤلّف والمصدر”. وهذه الطبعة شيء جديد غير مسبوق مطلقا في العالم الإسلامي.

الباحث عبد المجيد الشرفي. (photo: Habib M’henni/Wikimedia Commons)

إعادة تعريف مكانة القرآن في الإسلام: ما أنجزه الأستاذ عبد المجيد الشرفي، الذي يجسّد شخصيا التواضع وضبط النفس، ليس أكثر من إعادة تعريف مكانة القرآن في الإسلام، ووفقا للأستاذ عبد المجيد الشرفي ومدرسته لتفسير القرآن تفسيرا تاريخيا نقديا فإنّ القرآن في الوقت نفسه هو نتيجة وحي إلهي ومنقول بلغة بشرية، تأثر بشخصية النبي وظروفه المعيشية وبثقافته ومجتمعه، أما الذي ما يزال اليوم ينكر ذلك فهو يفصل الدين عن الحياة، بحسب تعبير الأستاذ عبد المجيد الشرفي.
أبلغ الله، في التقاليد الإسلامية، رسالته لخاتم أنبيائه محمد بشكل مباشر في أذنه، ولأنّ النبي كان أمّيا يعتبر القرآن بالنسبة إلى المسلمين الأتقياء معجزة، إضافة إلى جماله اللغوي. وكان الرسول بدوره ينقله إلى أصحابه شفويا وكان كتبة النبي يكتبون ما يسمعون. نشأت منذ البداية نسخ من القرآن بقراءات مختلفة ولم يمثّل هذا الأمر أية مشكلة لمحمد نفسه ذلك أن رسالته تتأسس على الحديث مع الجماعة.
أنهى الخليفة الثالث عثمان بن عفان، بعد عشرين عاما من وفاة النبي محمد، الخلاف حول النصّ. فقرّر أيّ الآيات جاءت من فم النبي وتعتبر بالتالي صحيحة وقام بمنع جميع الصيغ المختلفة لمصحفه وحرقها.
وتمّت طباعة القرآن لأوّل مرّة في عام 1924 من قبل الجامع الأزهر في القاهرة اعتمادا على هذه الصيغة التي ماتزال تعتبر وحتى يومنا هذا في العالم الإسلامي الصيغة الرسمية الوحيدة. غير أنّ القراءات المخالفة ماتزال محفوظة وباتت هدفا للتفسيرات الأدبية والنقاشات الفقهية. وترد هذه القراءات الآن في الإصدار الجديد المنشور من قبل الأستاذ عبد المجيد الشرفي بجانب الصيغة المتّفق عليها وتضع النص المعروف تحت ضوء جديد.
قام الباحث عبد المجيد الشرفي بتقييم دراسات مسيحية ويهودية وكتب آرامية وسريانية وكذلك مخطوطات صحابة النبي المحظورة.
وبما أنّ نقّاد النصوص يحفرون في الأعماق مثل علماء الآثار، فقد كشف الأستاذ عبد المجيد الشرفي عن أربع طبقات في القرآن: النصوص اليهودية المسيحية الأصلية وتفسيراتها الإسلامية باعتبارها إرثا غير إسلامي، والنصوص التي تنسب مباشرة إلى محمد، وأخيرا الاجزاء المستكملة بعد وفاته عام 632. ولهذا لا يمكن تجاهل أصداء تاريخ الأفكار اليهودي والمسيحي في القرآن.

صفحة قديمة من القرآن مقدمة من جامعة برمنغهام في 22 يوليو / تموز 2015: مخطوطة قديمة يرجع تاريخها إلى 568 و 645 بعد الميلاد. (photo: picture-alliance/dpa/Birmingham University)

“مَن يتعامل مع القراءات المختلفة يدرك مدى خطورة القراءة الحرفية البحتة” للقرآن: توجد قراءات مختلفة تقريبا لجميع آيات سور القرآن المائة وأربع عشر. وتتطابق في جميع الروايات فقط سور القرآن القصيرة وسهلة الحفظ التي تعود إلى الفترة النبوية المكية، أي نحو خمسة في المائة فقط من النص الكامل. وهذه هي النتيجة الجوهرية لأبحاث الأستاذ عبد المجيد الشرفي التي أجراها على مدى أكثر من عشرة أعوام مع فريق مكوّن من عشرة باحثين متطوعين: لا يوجد مصحف واضح مقدّس، بل توجد شبكة معقّدة من النصوص تحمل آثارا من تاريخها الخاص ومن بيئة مؤلفيها السياسية والاجتماعية والدينية.
توجد قراءات مختلفة تقريبا لجميع آيات سور القرآن المائة وأربع عشر. وتتطابق في جميع الروايات فقط سور القرآن القصيرة وسهلة الحفظ التي تعود إلى الفترة النبوية المكية، أي نحو خمسة في المائة فقط من النص الكامل. وهذه هي النتيجة الجوهرية لأبحاث الأستاذ عبد المجيد الشرفي التي أجراها على مدى أكثر من عشرة أعوام مع فريق مكوّن من عشرة باحثين متطوعين: لا يوجد مصحف واضح مقدّس، بل توجد شبكة معقّدة من النصوص تحمل آثارا من تاريخها الخاص ومن بيئة مؤلفيها السياسية والاجتماعية والدينية.
“يمكن أن تكون الاختلافات في القراءات شكليّة بحتة أو يمكن أن تكون مهمّة من حيث المضمون” مثلما يقول بحذر الباحث عبد المجيد الشرفي، البالغ من العمر ستة وسبعين عاما، ثمّ يصبح دبلوماسيا ويقول : “إنّ من يتعامل مع القراءات المختلفة يدرك مدى خطورة القراءة الحرفية البحتة”، ويضيف أن الآيات القرآنية لا يمكن تطبيقها على جميع الحالات في عصرنا الحاضر، ذلك لأن ” نزولها على النبي قد تمّ في ظروف تاريخية معينة”، مثلما يقول الشرفي.
الأستاذ عبد المجيد الشرفي مسلم متديّن. لم ينتم قطّ إلى أي حزب وقد رفض دعم الطاغية زين العابدين بن علي في حملته الانتخابية، واضطر نتيجة ذلك إلى إخلاء منصبه في وقت مبكر كعميد في الجامعة التونسية، وبعد ذلك خضعت أعماله للرقابة وتمّ منعها من النشر.
إلاّ أنه لم يستسلم، بل انسحب من الحياة العامّة وأسّس مجموعة بحثية من أجل مشروع تحقيق المصحف، لم تكن هناك رواتب للباحثين وتولّت مؤسسة كونراد أديناور تمويل الرحلات الأرشيفية إلى اليمن وبرلين. وأخيرا وافق راع لبناني على تمويل الطباعة متعدّدة الألوان في الرباط.
يعي عبد المجيد الشرفي، مثل أي محقّق أكاديمي أنّ ” عملنا هذا ليس موجّها إلى جمهور كبير، لقد تلقينا من زملائنا الباحثين ردودا إيجابية”. لكن، على سبيل المثال، في حين تثير الصيغ المختلفة من نصوص كافكا في الدرجة الأولى اهتمام الباحثين المختصين بكافكا فإن هذا المشروع مختلف تمام الاختلاف، وذلك لأنّ اختلاف القراءات في القرآن يمكن أن يصبح أمرا مهما بالنسبة لمليار وثمانمائة مليون مسلم في جميع أنحاء العالم، ويدرك الأستاذ عبد المجيد الشرفي ذلك.
لنأخذ مثالا على ذلك: ففي الآية السادسة من سورة الصف في القرآن المتّفق عليه يُبشّر عيسى بن مريم برسول يأتي من بعده اسمه أحمد، وبالنسبة إلى المسلمين فإنّ هذا الرسول هو محمد، خاتم أنبياء الله. ولكن توجد في طبعة الشرفي قراءة مختلفة لا تحتوي على أي اسم. تم حظر طبعة “المصحف وقراءاته” في السعودية فور صدورها أمّا في تونس فقد نفدت جميع نسخها.
ثمّ يأخذ الحديث مع الأستاذ الشرفي منعطفا سياسيا فيحذّر: “يجب علينا أن نتوقف عن أخذ القرآن حرفيا” لأن عواقب مثل هذه القراءة الجديدة وخيمة جدا:” توجد في القرآن رسالة نبوية تقويضية، وكذلك يوجد في الإسلام دين ذو طابع مؤسسي، يخلق العقائد والطقوس والمذاهب.” وهذا يعني اليوم بالنسبة إلى المسلم المتدين:” الرجوع إلى المصادر: لا مطلق سوى الله”.
” هذا يمسّ أسس الإسلام الثابتة” مثلما يقول جان فوتنين، وهو لاهوتي كاثوليكي ومدير مركز قرطاج للدراسات في تونس، وقد كرّس عمله منذ نحو ستين عاما من أجل حوار الأديان. إنّ من يدرس معه القراءات المختلفة ينحبس نفسه نظرا إلى آفاق المعنى الواسعة. الجملة الأساسية بالنسبة للأمة الإسلامية في سورة آل عمران (الآية الثامنة عشر)” إن الدين عند الله الإسلام ” ليست سوى واحدة من عدة قراءات في طبعة الشرفي. فقد رويت أيضا هذه القراءة:” إن الدين عند الله الحنفية” أي دين إبراهيم، وهو أبو جميع الديانات التوحيدية (هذه الديانة ما قبل الإسلامية لا يجب خلطها مع الحنفية التي تعدّ واحدا من المذاهب السنية الأربعة).

جامع الزيتونة في تونس. (photo: picture-alliance/Bildagentur Huber)

للقراءة النقدية للقرآن تقليد عريق في تونس: كانت جامعة الزيتونة المؤسّسة في عام سبعمائة وسبعة وثلاثين ميلاديا في قلب مدينة تونس القديمة حتّى إغلاقها من قبل مؤسس الدولة الحبيب بورقيبة مركزا عالميا للإسلام المعتدل وحصنا منيعا ضدّ الوهابية. لم يعد اليوم وجود لمثل هذا الصرح المخصص للنقاش العلمي في العالم الإسلامي، وفي الوقت نفسه تونس هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي تتمّ فيها منذ عقود من الزمن مناقشة القرآن في كلّيات الآداب والعلوم الإنسانية وليس كما في أماكن أخرى حيث تحتكر الدراسات الإسلامية من قبل المؤسسات الدينية العقائدية. هذا النهج التونسي لا يلقى لدى الجيران العرب ترحيبا واستحسانا، ففي الآونة الأخيرة هدّد حراس العقيدة في الجامع الأزهر بإخراج تونس من قائمة الدول الإسلامية في حال استمرت في برنامج التحديث الديمقراطي “على حساب الإسلام”، وما إلى ذلك.
وكذلك يبدو الحديث في سورة آل عمران (الآية 110) حول ” الأمّة” (خير أمّة) أي الجماعة الصحيحة التي اصطفاها الله، مثلما يفهمها المسلمون. ولكن ترد في قراءة أخرى كلمة “أئمّة”، أي أفضل الدعاة والأئمّة إلى يراهم محمد في أتباعه. وفي هذا الصدد يقول جان فونتان:” الإسلاميون سوف يمارسون ضغوطا”.
وهكذا أيضا ترى المستشرقة البرلينية الأستاذة أنغيليكا نويفرت، فهي ترى أنّ هذه الطبعة الجديدة ليست مجرّد إنجاز أكاديمي رائد فحسب بل تعتبرها كذلك اختبارا حقيقيا للشجاعة، وتقول:”السلفيون لا يريدون معرفة أنّ للقرآن تاريخا أرضيا”، ثمّ تضيف أنّ آيات العنف على سبيل المثال لم تأت من السماء، بل لها سياق تاريخي محدّد ومن يعرفه فقط هو الذي يفهم القرآن فهما صحيحا. تقول نويفرت:” القرآن ليس كتابا، بل حدث، يحمل آثار النقاشات التي كان يخوضها محمد مع جماعته. هذه الطبعة التونسية تجعل القرآن مقروءا بصورة صحيحة: كـ”مجال لأصداء زمنه”.
إنّ ما أنجزه الأستاذ عبد المجيد الشرفي، الذي يجسّد شخصيا التواضع وضبط النفس، ليس أكثر من إعادة تعريف مكانة القرآن في الإسلام، ووفقا للأستاذ عبد المجيد الشرفي ومدرسته لتفسير القرآن تفسيرا تاريخيا نقديا فإنّ القرآن في الوقت نفسه هو نتيجة وحي إلهي ومنقول بلغة بشرية، تأثر بشخصية النبي وظروفه المعيشية وبثقافته ومجتمعه، أما الذي ما يزال اليوم ينكر ذلك فهو يفصل الدين عن الحياة، بحسب تعبير الأستاذ عبد المجيد الشرفي.
لا يوجد، وفقا للأستاذ عبد المجيد الشرفي، مستقبل للإسلام إلاّ إذا تمّت إعادة قراءة القرآن بالتوافق مع قيم الحداثة واحترام حقوق الإنسان العالمية.
للقراءة النقدية للقرآن تقليد عريق في تونس. حيث كانت جامعة الزيتونة المؤسّسة في عام سبعمائة وسبعة وثلاثين ميلاديا في قلب مدينة تونس القديمة حتّى إغلاقها من قبل مؤسس الدولة الحبيب بورقيبة مركزا عالميا للإسلام المعتدل وحصنا منيعا ضدّ الوهابية.
لم يعد اليوم وجود لمثل هذا الصرح المخصص للنقاش العلمي في العالم الإسلامي، وفي الوقت نفسه تونس هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي تتمّ فيها منذ عقود من الزمن مناقشة القرآن في كلّيات الآداب والعلوم الإنسانية وليس كما في أماكن أخرى حيث تحتكر الدراسات الإسلامية من قبل المؤسسات الدينية العقائدية.
هذا النهج التونسي لا يلقى لدى الجيران العرب ترحيبا واستحسانا، ففي الآونة الأخيرة هدّد حراس العقيدة في الجامع الأزهر بإخراج تونس من قائمة الدول الإسلامية في حال استمرت في برنامج التحديث الديمقراطي “على حساب الإسلام.” وما إلى ذلك.
قام الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي في صيف عام 2017 بتعيين الأستاذ عبد المجيد الشرفي في اللجنة السياسية المؤسسة حديثا باسم “لجنة الحريات الفردية والمساواة” وهذه اللجنة معنية أيضا بقانون الميراث الذي يظلم المرأة ويعتبر منذ أعوام عديدة بمثابة موضوع خلاف كبير بالنسبة إلى المجتمع المدني ونشطاء حقوق الإنسان. ولم يكن حتى نواب البرلمان الليبيراليون راغبين إلى الآن في المساس بهذا القانون، حيث تعتبر قواعد تقسيم الميراث محدّدة نصيا في القرآن وهي بالتالي مشيئة الله.
ولكن ماذا لو تمكّن الشرفي من سحب البساط من تحت هذا الحكم القرآني؟ في ظل المناخ الاجتماعي المتوتر أصلا فإن الانفجار السياسي – الذي يمكن أن يثيره ذلك بالنسبة للإتلاف الحكومي المكوّن من العلمانيين والإسلاميين – يعتبر ضخما للغاية، بحيث أنّ هذه اللجنة قد قرّرت عدم نشر تقريرها إلاّ بعد الانتخابات البلديّة المقرّر إجراؤها في بداية شهر أيّار/مايو2018، فهذا التقرير هو الأوّل من نوعه في تاريخ تونس.
أنيته شتاينيش
ترجمة: رائد الباش
حقوق النشر: صحيفة نويه تسوريشر تسايتونغ & قنطرة 2018

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *