الرئيسية / كتاب وشعراء / عند الطبيب النفسي….قصه قصيره بقلم محمد الصيفي

عند الطبيب النفسي….قصه قصيره بقلم محمد الصيفي

تمدد على سرير طبي مريح أمام طبيبه النفسي الذي لم يقاطعه طول حديثه عن الأرق الذي يعانيه منذ أكثر من أسبوع والأحلام المزعجة التي يعيشها إذا نام لحظات من كثرة الإرهاق وقد كان ذلك باديا من حمار في عينيه وسواد أسفلهما. ظل يسترسل في شكواه للطبيب من كل ما حوله؛ من قلة المال، ومن هجر الأصدقاء، ومن عقوق أبويه له، ومن فشله الدراسى السابق لعمله الكاسد بالمجال التسويقي بشركة عقارات كبيرة تبني أبراجا شاهقة تشكو إلى الله قلة زائريها.
وبعد انتهائه من الحديث أو انتهاء ساعته شرع الطبيب في تهدئته وتطمينه كعادة الأطباء النفسيين وأمسك بقلم ذهبي مدون عليه اسم الطبيب بحروف لامعه زادها اللمعان الذهبي للقلم فخامة، كانت أهدته هذا القلم شركة للدواء تنتج نوعا من المهدئات ذات التأثير المنوم.
كتب وصفة دواء كان أولها دواء الشركة صاحبة القلم وبينما هو يكمل كتابة وصفته إذ استوقفه الرجل قائلا “يكفي ذلك فقد علمت الآن دوائي”
خرج من عيادة الطبيب واستقل سيارته واشتري الدواء من صيدلية مر بها في طريقه وتجرع بضع حبات من الدواء مع رشفات من المياه الغازية بعبوة كانت بجواره في السيارة، وانطلق بسيارته حتى وصل لمزلقان سكك حديدية. خفض من سرعته فقد كان المرور علي قضبان القطار أشبه بطريق صخري ولكن شيئا ما حدث بسيارته فتعطلت تماما على قضيب القطار الحديدي. حاول إعادة تشغيلها مرات دون جدوى بينما كان صوت قطار يقترب حتى يأس من المحاولة وهم بالهرب ولكن أبواب السيارة لم تفتح فبدا أن العطل ليس فقط في محركها وما زال الصوت يعلو واضاءة القطار تقترب. انتزع سنادة الرأس من الكرسى المجاور له ودق بها زجاج السيارة الأمامي فتهشم وخرج مذعورا وما كاد يبتعد عن السيارات بأمتار حتى سمع دوي اصطدام عنيف تلاه انفجار واشتعال نار. كان منبطحا على الأرض ينظر لبقايا سيارته المتطايرة من أمامه والنار المشتعلة بها.
لم يهتم كثيرا وذهب في طريقه على قدميه فإذا برعد يصم أذنيه وبرق يعمى البصر قد ضربا كل ما حوله مع رياح عاصفة كادت تزيحه وتزيح أشجارا تجاوز عمرها المائة عام.
وبينما هو كذلك اذ انقطعت الكهرباء وساد الظلام أرجاء المكان إلا من لحظات يضيئها البرق لتظلم من جديد، وفي إحدى نوبات البرق رأى أنيابا طويلة لضبع قد اتسعت عيناه وظهر عليه علامات الفرح بالفوز بفريسة تذهب عنه جوعه.
انطلق يجري في الظلمة لا يكاد يرى أين تقع قدميه يتعثر ثم يقوم مستكملا سلسلة الهروب من الضبع الذي يهدد حياته، حتى وصل لمنزل تغيرت معالمه فلم يأته منذ زمن بعيد. طرق بابه ففتحت شراعة الباب سيدة في ستينيات عمرها وبدا عليها مع المرض وقارا شديدا. سألها أن تأذن له بالدخول ليحتمي بمنزلها من ضبع يطارده ومن انقلاب الطبيعة عليه ببرقها ورعدها وسيول أغرقت ما حولها ، لكنها رفضت أن تستقبله وأغلقت دونه الباب. كانت أمه شديدة الغضب عليه رغم حبها له فلم يقم بزيارتها منذ اشترى شقته الجديدة بعد عمله بالعقارات.
سار في الظلام يائس الخطوات بينما شكلت السيول من حوله بحرا كاد يصل لمنتصفه أو يزيد، وزاده السير في الماء ارهاقا فوق ما به من الإرهاق حيث ثقل وزنه من ابتلال ملابسه بالماء مع مقاومة الماء له، لم يكن يعرف في أي اتجاه تأخذه قدماه لكن قواه قد خارت ونفذت طاقته فسقط في ماء المطر ولم يستطع النهوض, حيث دخل الماء إلى بطنه ورئتيه وأصيب باختناق الغرق.
مبتلا وقد تسارعت دقات قلبه وتدلى من أنفه خرطوما كبيرا حين استفاق فوجد نفسه على سرير رعاية مركزة وإلى جواره طبيب شاب بدا عليه الإرهاق من سهرة طويلة مع مريض متعب ومتعب كان قد تناول شريطا من الأقراص المهدئة بهدف الإنتحار لأن عمله في الفترة الأخيرة لم يكن موفقا مما أصابه بالأرق. فرأى مشهد موته واحتضاره كفيلم ثلاثي الأبعاد بنظارة مكبرة.
بعد ساعات قام وذهب إليها ففتحت بابها مرحبة بابنها الذي غاب عنها لأعوام، وكان قد ظن أنها ستغلق بابها دونه كما فعلت بفيلم الاحتضار لكنه تفاجأ برحمة الأمهات بأبنائهن رغما عن العقوق؛ قبل يديها واعتذر وأقسم ألا يعود لعقوقها من جديد، وأن يعيش بجنة تحت قدميها ولا في البعد يزيد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *