الرئيسية / رؤى ومقالات / ياسر بكر يكتب : الخلوق عادل صبري فارس الليبرالية النبيل

ياسر بكر يكتب : الخلوق عادل صبري فارس الليبرالية النبيل

بقدر ما ينتابني من ألم وحزن وتعاطف مع الخلوق عادل صبري فارس الصحافة الحرة، وأيقونة الليبرالية النبيل في محنته بقدر قناعتي أن المحن ليست بلاء خالصاً؛ فربما تحمل المحن في ثناياها الكثير من المنح .. عطايا الخالق سبحانه وتعالى لعادل صبري في محنته هو حب الناس الغامر، والتفاف القلوب الطيبة التي تلهج بالدعاء من أجل حريته، وعودته سالماً غانماً إلى قرائه وأسرته، إضافة إلى منحة خفية منحها له سجانوه بـ “غبائهم التاريخي”، وكم في قدر الله من لطف خفي؛ فقد قدم له سجانوه فرصة حقيقية لخوض تجربة صحفية .. أنا على يقين أنه سيجيد التماهي معها بروح الصحفي المقاتل وعقل ونفسية الكاتب المبدع؛ ليغزل لنا من خيوطها شهادة للتاريخ موثقة ومكتملة الأركان عن “زمن الخوف”، وقهر الرجال !!
تخرج عادل صبري من كلية الإعلام دفعة 1985، ورفض العمل في جريدة الأهرام لما استشعره من قيود العمل الحكومي، وسخف التوجيهات التي لا تدع مجالاً للإبداع الصحفي، واختار العمل في صحيفة الوفد حيث ارتأي أنه يمكنه التحليق على صفحاتها عالياً في أجواء الليبرالية حيث الحرية والمتعة والإثارة والقوة والخطر !!
ومع التحدي الذي جلبته شبكة الانترنت بدأ مع زملائه تدشين موقع “الوفد الالكتروني” إلا أنه في ظل أجواء محكومة بالصراعات الحزبية التي حاقت بحزب الوفد، وأضفت بظلالها الكئيبة على الصحيفة الورقية، والموقع الالكتروني فضل أن يبتعد، ويؤسس موقع “مصر العربية”، وقد عملت معه في كلا الموقعين .
.. منذ أيام أُلقى القبض على عادل صبري .. لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تنتزعه يد البطش من مكتبه، ومن بين زملائه وتلاميذه، فقد سبق أن داهمت المصنفات الفنية منذ سنة ـ تقريباً ـ صحيفته بزعم أنه لم يحصل على ترخيص باقتناء جهاز عمل المونتاج الالكتروني أحد وسائل دعم الصحافة الالكترونية بوسائط المالتي ميديا التي تتخذ من الفضاء الالكتروني وسيلتها بعد أن فقد الكثيرون الأمل في أن يجدوا لأقدامهم موضعاً في امبراطورية “الصحافة الورقية” التي تمتلكها الدولة وأذنابها نتيجة للمترايس المتراصة والمتتابعة من قيود التراخيص وترسانة قوانين الإصدار والرقابة وجباية الأموال، وقدم عادل صبري ترخيص جهاز وبرنامج المونتاج في نسخته الأصلية، ومع ذلك لم يستطع استراد بعض أجهزة الحاسوب التي تمت مصادرتها رغم اتصاله بوزير الثقافة أنذاك حلمي النمنم الذي وعده ببحث الأمر، ولم يرد على تليفوناته بعد ذلك!!..، ومع ذلك أصر عادل صبري على خوض تجربته منفردا وعاريا من حماية مظلة نقابة الصحفيين التي اتخذت موقفاً معيباً ومخزياً بزعم أن الصحافة الالكترونية وصحفييها الذين شدوا الرحال إلى المستقبل ليسوا في دائرة اختصاصها؛ لكون قانون النقابة المتخلف رقم 76 الذي تم إصداره في سنة 1970 لم يشير إليهم في نصوصه بشأن قيدهم، وما يتبعه من حقوق وواجبات، وتناسى نقيب النكبة وسكرتير الندامة (أقصد النقابة) أن الفرمان العثمانلي المُسمى مجازاً بـ “قانون النقابة” ينص على ضرورة انضمام العضو للاتحاد الاشتراكي، وأن فصلة من عضوية الاتحاد الاشتراكي يسقط عضويته في النقابة، وهو بند لا يتم تفعيلة، لكون الزمن قد تجاوزه؛ فلماذا إذن يتم التمسك بحرفية القانون دون روحة بشأن وسائل العمل الصحفي سواء كانت وسيلته ورقية أو الكترونية، والمواقع القانونية للعاملين بها رغم أن الزمن قد تجاوز الأليات التي صدر القانون لتنظيمها ؟!! .
.. تم التضييق على عادل صبري وموقعه “مصر العربية” الذي كنت أحد كتابه بإلغاء أذون نشر الإعلانات، وقيام شركات الاتصالات بعدم سداد مستحقات الموقع ثم حُجب الموقع دون إبداء الأسباب رغم طرقه للأبواب؛ فلم تقدم جهة واحدة له معلومة عن من قام بالحجب أو تبريراً لسبب الحجب!!، ومع ذلك ظل عادل صبري مثابراً راضياً قانعاً بالقليل يقتسم اللقمة مع زملائه وتلاميذه؛ فقد اتصل بي أكثر من مرة للذهاب لمقر الموقع للحصول على مستحقاتي، ولم أفعل ورجاني أكثر من مرة بعد شكوى إدارة الحسابات من وجود مبالغ معلقة، ولكوني أعرف ظروف التضييق التي يمر بها الموقع وصاحبه الذي اضطر لبيع أرضه الزراعية التي ورثها عن والده؛ فقد قلت له :
ـ أنا متنازل عن تلك المبالغ .
ورجوته أن يصرفها في صورة مكافأت تميز لصغار الصحفيين الموهوبين والمجتهدين والمبدعين.
.. هذه المرة تمت مداهمة مكتب عادل صبري باتهام يدعو للدهشة والعجب بل والسخرية، وهو عدم الحصول على ترخيص من الحي الذي يقع في دائرته وهو اتهام ـ إن صح ـ عقوبته القصوى الغرامة المالية أو غلق المنشأة بالشمع الأحمر لحين العرض على القاضي أو توفيق الأوضاع، وليس التنكيل بصحفي واصطحابه مقبوضاً عليه ليقضي ليلته في قسم الشرطة .
إننا لا ندافع عن شخص عادل صبري، ولكن دفاعنا عن الحق، ونحن موقنون أنه لا يخدم الحق إلا الحقيقة .. والحقيقة أن عادل صبري تم عرضه على النيابة بتهم غير التهمة التي نسبت إليه حال القبض عليه واصطحابه إلى قسم الشرطة بدون إذن نيابة، ومنها تهم الانضمام إلى جماعة “الإخوان المسلمين” المحظورة، وهو اتهام يدعو إلى الدهشة والعجب، وعار من الصحة ويفتقد الدليل ولا يستند سوى لمحضر تحريات بائس، وكلنا يعلم أن التحريات ليست دليل ولا تمثل إلا رأى مجريها ما لم يساندها دليل أو سند من الواقع أو مستند يحمل مصداقية واتهاماً!!
معرفتي عادل صبري تمتد لسنوات كتبت فيها مهاجماً تنظيم “الإخوان المسلمين” وما يمارسه من سياسات الخفاء في بعض الأمور، والتجلي في أخرى، وقضية الديمقراطية، وقضية الولاء والبراء، والحكم على الناس بالتقوى أو الفسق طبقاً لتعاليم الإرهابي حسن البنا !!، ولو كان عادل صبري إخوانيا لألتزم بمبدأ السمع والطاعة، ولم ينشر لي حرفاً!!
إلصاق تهمة الانتماء إلى “الإخوان المسلمين” بعادل صبري بدأت في إطار “الأعمال القذرة” وحرب الشائعات التي مارسها بعض الزملاء الصحفيين المرشحين في انتخابات مجلس النقابة في مارس 2012 ضد منافسيهم الأقوياء.. كنا نسمع تلك الشائعات ونسخر من مروجيها، ولم يخطر ببالنا أن ما نسخر سيكون في يوم كابوس أسود نسعى لدحضه!!، وأن تحمله محررات الدولة اتهاماً معلقاً فوق الرؤوس، وظلت تلك الشائعة تطفو وتغطس من آن لآخر حسب الظروف بغرض الضغط على عادل صبري للغناء في الكورس دون نشاز وعينيه على عصا المايسترو، وعدم التغريد منفرداً خارج السرب!!
وفي أعقاب انتخابات الرئاسة 2018 نشر موقع “مصر العربية” تقرير مترجم نقلاً عن جريدة نيويورك تايمز الأمريكية بعنوان :
“المصريون يزحفون إلى الانتخابات مقابل 3 دولار”.

وارتأى ْالمجلس القومي لتنظيم الإعلام في إعادة نشر ذلك التقرير مترجماً تجاوزاً لا يليق، وأصدر قراراً بتغريم الموقع 50 ألف جنية رغم كونه غير مختصاً، ولكونه لا عقوبة إلا بنص !!
وهو ما يجعلني أستشعر أن التنكيل بعادل صبري يحمل في ثناياها أسباباً غير المعلنه يمكن لقضاء مصر العادل استظهارها بسهولة، ودحض الكيد الذي حاق به، وأن يحفظ له حقه وكرامته بإذن الله، والله غالب على أمره .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *