الأربعاء , ديسمبر 12 2018
الرئيسية / ثقافة وفنون /  د. أحمد سماحة يكتب ….لماذا لا نقترب من اللوحة التشكيلية

 د. أحمد سماحة يكتب ….لماذا لا نقترب من اللوحة التشكيلية

 

حاولت مرارا الابتعاد عن جاذبيته، والوقوف على عتباته ولكنني لم استطع الفن التشكيلي عالم من السحر احس ان ثمة نقصا ما  في حياتنا الثقافية لا يكتمل الا به اقنعت نفسي لأعوام ان الرباط الذي يربطني به هو رباطي بعالم الادب، وان لكل عالم لغته وادواته ولكنني اخيرا ضعفت واقتنعت بما قاله “ميشيل بوتور” الروائي الفرنسي عندما سئل عما يستهدفه من الكتابة عن الفن التشكيلي وعما اذا كان يعتقد ان ثمة رباط يجمع بين الكتابة والتصوير فقال: “انني اسأل نفسي ما الذي يعرفه هذا المصور او هؤلاء المصورون من اسرار الصنعة لا اعرفه انا؟ ومن ثم اضع نفسي موضع التلميذ من صانعي اللوحات الى ان اتعلم واخذ كفايتي، ويالروعة ما اكتشف “..” فأنا اذن اكتب عن الفن التشكيلي كي اصعد الى منابع للالهام تظل خافية الى ان اتمكن من ايضاحها لقرائي “..”

كيف يمكن ان يكون مجال التصوير غريبا على الكاتب؟ ان ناقد الفن ذاته الذي يغار كثيرا من الشاعر او الروائي الذي يتعدى على مملكته ما هو الا كاتب متخصص ..ان اكبر نقاد الفن ومؤرخيه هم ايضا كتاب من الطراز الاول، ولا ننسى في هذا المقام “بودلير” ودستوفيسكي الذي قال لنا عن مصور مثل “هولبين اوكلود لورين” اكثر بكثير مما قاله المتخصصون ويستطرد “بوتور” ان التصوير يهمنا جميعا وليس هو بأي حال من شئون التجار والمقننين فحسب.. يمكن للتصوير ان يمضي بغيري، اما انا فلا استطيع ان امضي بغير التصوير”.

لقد عبر بوتور عما بداخلي… فثمة علاقة قوية بل ارتباط شديد بين الفن والادب، هناك مدارس ادبية ابرزت تلك العلاقة بشكلها الحميمي، منذ الكلاسيكية والرومانسية مرورا بالرمزية والانطباعية والتعبيرية وتأكيدا عند السريالية..

ان اروع ما كتب عن الفن كتبه ادباء.. افليس من الاجدر بنا الآن ان نقترب من عالم نحن احق برؤيته والكتابة عنه؟ لقد حلمت ان اصور الاساطير التي قرأتها او سمعتها حلمت ان اعطي لكل بطل ولكل مكان بل ولكل لحظة لونها الذي تخيلته وشكلها الذي وثقت به، لقد حلمت ان يكون البحر طائرا جميلا واوراق الشجر تنحل في صمت المساء والجبل يفيض انسانية والقمر ينفتح على صدر الصخر، والتاريخ بحر من الالوان لا الدماء – لم استطع ان احقق الحلم ولكن شاهدته يتحقق في اعمال فنية عديدة، وجدير ان اكتب عن هذه الاحلام عن كيفية تحققها ان اكشف اللامرئي ما استطعت فلنقترب من عالم الفن انطلاقا من عالم الادب ولنؤول ماشئنا ولكن بصدق.

يقول الكسندر اليوت في كتابه “آفاق الفن”: ان مؤول الفن اذا حاول جهده ان يتكلم بأمانة واخلاص معتمدا على تجربته الشخصية وحدها، فانه سيكون، على الاقل، صادقا من جوابه.

دع الاخصائيين يتذمرون وينقنقون فخرائطهم متباينة وهي تؤدي الى المعلومات لا الى التجربة، وسدنة العلوم ليسوا بسدنة، الفن”.

الخيال عالمنا المشترك ننطلق منه ونرتشف من سحر رحيقه والفن ملك لنا يهئ لنا الحشود المتألقة من ادراكات البصيرة لنضع تلك الادراكات في اشكال من الكلمات فلنأخذ دورنا ولنصنع منا اللوحة لونا جميلا يقود بين الملتقي الى عمق الاشكال وابعاد الاعمال.

اننا كأدباء احق بالكتابة عن الفن، بقراءة العمل التشكيلي يسير اغواره، بأستنطاق خطوطه، الوانه، فلماذا نبتعد؟ لقد ساهمنا بابتعادنا في انغلاق الحركة التشكيلية وتباطؤ سيرها، ان الواقع التشكيلي المحلي والعربي بحاجة الى التلاحم معه فباستطاعتنا ان نحركه وان نعيد له مساره او نعدله فلماذا لا نقدم على ذلك؟ اهو الخوف من الخطأ أم النجاهل والتناسي  الذي سري في واقعنا رويدا رويدا، ان تلك دعوة وقد بدأت  انا بارتكاب الحماقة الاولى منذ وقت طويل  وان كانت لي سابقة غيرها واشعر اني توقفت ولذا احفزكم واحفز نفسي نحو ذلك.

تعليق واحد

  1. مقال رائع وفيه تحفيز للرؤية التشكيلية وتحويلها إلى كلمات ييد أني اري أن الفن التشكيلي مثل الموسيقى فهما لغة المشاعر والرؤية المغايرة لغة متفردة تسمو بناظريها؛ اؤيد سموك في ضرورة سبر أغوار هذا الفن والتداخل فيه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *