الرئيسية / رؤى ومقالات /  د.محمد حامد الغامدي يكتب ….موت شجر العرر إعلان ببدء وقوع الكارثة (3-3)

 د.محمد حامد الغامدي يكتب ….موت شجر العرر إعلان ببدء وقوع الكارثة (3-3)

 ▪▪كيف كان حال بيئة جبال الدرع العربي عبر القرون؟ الجواب يمثل قاعدة الانطلاق نحو الجواب. سأبحر عبر التحليل لتحقيق أهداف منها: تحميل جيلنا مسئولية مستقبل البيئة؛ ولإنقاذ ما يمكن إنقاذه؛ ولحماية ما تبقى لنا من البيئة الحية. إن الغاية النهائية التي أتطلع إليها، تكمن في تحقيق إنقاذ المستقبل وأجيالنا القادمة، التي تستوطن مناطق الدرع العربي المطيرة، من مكونات حزمة الخطر التالية: الجفاف، الجوع، العطش، التصحر، الهجرة.  

▪▪لنتذكر مصطلح (ساق الغراب). مصطلح ورد لوصف حال الجبال السمراء في منطقة الدرع العربي، والتي تعرّت من غطاءها النباتي بشكل كامل، كانت مجبرة على هذا الفعل. كنتيجة تسيّد هذه الجبال مشهد الصخور السمراء التي تشبه ساق الغراب. ساق خالي من الرّيش، موحش الشكل، أقرب إلى الموت منه للحياة.

▪▪لقد دبَّ التآكل عبر القرون الماضية في بيئة منطقة الدرع العربي، وكانت في يوم من الأيام مناطق مطيرة، لكنها تقلصت إلى شريط ممطر ضيق، سيأتي ذكره لاحقا. اليوم نعيش حالة الغفلة المستدامة. غفلة كأن مهمتها زيادة مساحة (ساق الغراب). مساحة ستصبح خالية من التربة في ظل استمرار المؤشرات الحالية. كنتيجة ستصبح أيضا خالية من الغطاء النباتي. هذا يعني أن استيطان الإنسان لن يستمر في هذه المناطق حتى في وجود المطر. التصحر قادم، المسألة مسألة وقت.

▪▪عندما كانت التربة تغطي سفوح جبال الدرع العربي، كانت هذه التربة موطنا للغطاء النّباتي المتنوع ومنه شجر العرعر. أكرر.. إن التّربة هي الوعاء الحامل والحافظ لمياه الأمطار والغطاء النباتي، وهذه التوليفة هي ميدان لحياة الإنسان ونشاطه. إن الظروف المثالية لهذا الوعاء تحقق سلامة الغطاء النباتي وكثافته، وهذا يحقق الرطوبة المرتفعة والمهمة لنمو النباتات ومنها شجر العرعر. إن انجراف التربة الطينية لهذه الجبال يؤثر سلبا على كامل متطلبات الحياة، حيث تظهر الطبقة الصلدة الصماء التي كانت التربة تغطيها، وهي طبقة لا تحتفظ بالماء، وأيضا هي طاردة للغطاء النباتي ونمو الأشجار.  

▪▪إن سبب جرف تربة جبال الدرع العربي بفعل مياه الأمطار يعود لنوعية تُربتها النّادرة. وهي تربة طينية أقرب إلى الصلصال، يصعب على مياه الأمطار التسرب عبر حبيباتها إلى الأسفل وبسرعة كافية لمنع تجمع قطرات المطر على سطحها، عكس التربة الرملية تماما.  كنتيجة تتجمع المياه على سطحها، وبفعل ميول سفح الجبال يتم جرف التربة مع جريان المياه إلى أودية بطون هذه الجبال. في نهاية المطاف تتجمع هذه المياه لتشكل السيول والفيضانات المحمّلة بحبيبات هذه التربة النادرة والثمينة. تربة لا يمكن تعويضها إلى الأبد. مع ضياع التربة نفقد الغطاء النباتي برمته، وتتعرّى جذور الأشجار. ليس هذا فقط، ولكن تفقد البيئة الجبلية الرطوبة بسبب موت الغطاء النباتي.

▪▪إنه وبسبب العوامل السابقة، مات الغطاء النباتي وجميع أشجار العرعر، التي كانت سائدة في الجزء (الشمالي الغربي) من سلسلة جبال الدرع العربي، المطلّة على سهول تهامة والبحر الأحمر، ومنها بعض مناطق تبوك والجوف والمدينة المنورة. أيضا نجد هذه الظاهرة واضحة في جميع سفوح الجبال الغربية الحادة الانكسار، والمطلة على سهول تهامة والبحر الأحمر غربا، من شماله إلى جنوبه. إن هذه السفوح حاليا خالية من الحياة، أصبحت سفوح صخرية موحشة خالية من الغطاء النباتي، وخالية من شجر العرعر الذي كان ينمو في هذه المواقع المطيرة، هذه الصورة لهذا الوضع انتشر أيضا في جميع سفوح الجبال الشرقية في الجزء الجنوبي الغربي من الدرع العربي.

▪▪في الوقت الراهن نجد أن بقايا شجر العرعر ينمو في شريط قمم جبال الجزء (الجنوبي الغربي)، وهذا ما تبقى من بيئة صالحة محتفظة بالتربة والغطاء النباتي في جميع مناطق الدرع العربي، الذي يمثل ثلث مساحة المملكة، والبالغة أكثر من اثنين مليون متر مربع. هذا الشريط يمثل المنطقة المطيرة. وهو شريط بعرض ضيّق لا يزيد عن ثلاثة كيلومتر، ويرتفع عن سطح البحر بأكثر من (2000) متر، ويمتد طولا من الطائف لأقصى نقطة في (جنوب غرب) المملكة بحوالي (700) كيلو متر. ظل هذا الشريط محتفظا بالتربة الطينية وبأشجار العرر. هذا الوضع الاستثنائي يعود إلى كثافة الاستيطان البشري في هذا الشريط. وعبر التاريخ جعل أهله من أنفسهم حرّاسا لبيئته. كنتيجة أصبح هناك تراث مهاري متراكم عبر القرون. تراث زراعي ومائي وبيئي يعتمد على اتقان إدارة البيئة والحفاظ على التربة، بجانب اتقان إدارة مياه المطر والسيول.

▪▪أكرر… الأهم هنا أن إنسان هذا الشريط من منطقة الدرع العربي حافظ على التربة، لأنه أدرك مبكرا بأنها كنز لا يقدر بثمن، وعلى وجودها يتوقف وجوده في هذا الشريط الممطر. كنتيجة وظفها وحافظ عليها وجعلها مكانا مثاليا لتأمين أمنه المائي وأمنه الغذائي. هذه التربة كانت السبب في بقاء الانسان في هذا الشريط، الذي وفّر الماء والرطوبة لكل أنواع الغطاء النباتي. كنتيجة استمر شجر العرعر في النمو، كمؤشر على سلامة مناطقنا المطيرة. أكرر (كمؤشر على سلامة هذه المنطقة المطيرة)، منطقة استوطنها الأجداد في قرى تناثرت على قمم جبال هذا الشريط المطري وكأنها نقاط حراسة. لقد ساد هذا الشجر مع العناية والاهتمام بالتربة، إلى أن أصبح يشكل حوالي (70) بالمائة من أشجار المنطقة المطيرة في بعض المواقع.

▪▪إلا أنه مع هجرات أهل هذا الشريط الممطر، وحتى حلول الهجرة العظمى في سبعينيات القرن الماضي، المعروفة بمرحلة الطفرة، حيث هاجر أهله، وكنت أحدهم، نحو الأماكن الاستراتيجية النفطية. كنتيجة بدأت مرحلة الموجة الثانية من جرف تربة الجبال وانحسار الماء والرطوبة، نتيجة لانهيار وتهدم النظم الزراعية والبيئة والمائية التقليدية في غياب أهلها. اليوم ومع زيادة الأمطار تزيد الخطورة. السؤال: هل نترك مياه الأمطار تتحول إلى نقمة؟ علينا أن نعي أن موت شجر العرعر مؤشر حقيقي على ضياع التربة الأهم في هذه الجبال المطيرة.

▪▪إنه وبسبب الإهمال وعدم معرفة أهمية هذا الشريط الممطر، لم يحظ بالاهتمام المطلوب. كنتيجة اختفت بعض غابات شجر العرعر من الوجود، في الجزء الجنوبي الغربي من الدرع العربي، وخاصة مناطق من جيزان، والباحة وعسير. وهذا نذير شؤم يجب أخذه بشكل جاد ومسئولية وطنية.

▪▪إنه ومن خلال زيارة شخصية لمنطقة الباحة التي أعرف جيدا، وذلك بحكم انتسابي لها، وبعد غياب ربع قرن عنها، لاحظت موت أشجار العرعر يسري بسرعة عجيبة في المنطقة، دون أن يثير اهتمام الجهات المسئولة. كنتيجة أسست رابطة إنقاذ شجر العرعر على (الواتساب)، للتنبيه بهذا الموت، وأنظم للرابطة العديد من أنصار البيئة والمهتمين، ومنهم بعض أبناء هذا الشريط الممطر، وهذا قدم خارطة واسعة، لتأكيد أن شجر العرعر يتعرض لموت جماعي سريع في كل مناطقه، وأيضا يتعرض للتجريف والتقطيع والأذية.

▪▪من خلال الزيارات المتكررة، ومن خلال نتائج المقارنة بالماضي، ومن خلال مؤشرات الواقع أيضا، اتضح لي وبشكل قاطع، أن موت شجر العرعر عبارة عن إنذار مهمّا وخطيرا، وكأنه يعلن بداية موت هذه المنطقة المطيرة زراعيا وبيئيا، وهذا يعني أيضا إعلان بأن مياه الأمطار تحولت إلى أداة تجريف لما تبقى من تربة ثمينة. ليس هذا فقط، لكنه إعلان واضح بتأكيد تفشي عوامل التدمير والموت المحقق، لكل أشكال الحياة الفطرية بكل مكوناتها، وهذا يشكل تهديدا لتواجد أجيالنا القادمة في هذه المنطقة.

▪▪في المستقبل سيصبح الوضع في مناطقنا المطيرة في الجزء (الجنوبي الغربي).. مشابها للجزء (الشمالي الغربي) من جبال الدرع العربي.. حيث انتهت مقومات الحياة من تربة وماء وغطاء نباتي.. وهذا يشكل تهديدا للتجمعات البشرية. وعندما أرى جحيم المستقبل قبل أن يقع.. أدرك حقيقة أهمية مؤشرات الواقع.  

▪▪في هذا الشأن ومنذ ثلاثة عقود يزداد يقيني بأن الحقائق البيئية مغيبة لأسباب تثير التساؤلات. ماذا يعني انشغالنا بحاضر مصالحنا، على حساب مصالح مستقبلنا وأجيالنا القادمة؟ ماذا يعني تجاهل متطلبات حفاظنا على البيئة وتنميتها؟ إنه وبمؤشرات الواقع السلبية، ستكون النتائج كارثية على لأجيال القادمة. هل ذنبهم أنهم أحفادنا؟

 

[email protected]

[email protected]  

 

5 تعليقات

  1. شكرًا على مروركم.

  2. د.سعيد احمد فرحه

    نحتاج حلول وطرحها على الناس والمسؤولين وارسالها لهم حتى قمة الهرم وتكرارها وإقامة المنتديات والتحدث في المحافل والتجمعات ونشر الطرق السليمة للحفاظ على التربة الزراعية وتوزيعها على قانطي تلك المناطق
    تحياتي وشكري على جهودك

  3. محمد الغامدي

    اضفت لي معلومات كنت اجهلها بسبب قل الغطاء النباتي وهو مالاحظته فالعشر سنوات الاخيرة, ولم اكن اعي له سبب في نظري الا لترك اهل المنطقة للزراعة وتخليهم عنها وبالتالي قلت الامطار. على النقيض كلامك كان كالنور البين فشكرا لك.

    واستمر فالذود والحمى عن وطنك وسنشاركك النضال فتويتر وغيره ولو كان بسيطا. وتحمل العقول المؤدلجة لانهم يجهلون مالايعرفون ويملون مايعرفون. لازم شخص من الساسة يفرضها (اي موضوع ) عليهم بالقوة او مشاهير السوشال ميديا (مشهورين الفلس وليس المحترمين منهم )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *