الأربعاء , ديسمبر 12 2018
الرئيسية / ثقافة وفنون / إيمان عفانة تكتب : هنا غزة

إيمان عفانة تكتب : هنا غزة

– “ما تتأخروا” .. هذا آخر ما قالته أمّي قبل خروجنا من البيت، على الرغم من علمها بأنَّ هنالك احتمالية لعدم رؤيتنا مجددًا، لكنّها لم تودعنا..

الأطفال في الشوارع يُغنّون “على الحدود هبّوا الغزاوية”، كبار السن يجلسون على الأرصفة، قبضتهم الأولى تمسك راديو صغير يضعونه بالقرب من آذانهم ويتابعون تفاصيل الأحداث على الحدود الشرقية، والقبضة الأُخرى تضرِب على رؤوسهم حزنًا على أخبار فقد الشهداء.. عيونهم تترقب، بصمت كبير لا يكسره سوى صوت المذيع و “موسيقى العودة حقٌ كالشمس”.

السيارات تنتشر في كافة الطرق، باعة متجولون، نساء يحملن الهدايا، زفة عريس يغنون فيها: “وطفل يواجه دبابة” ويرددون خلفه بصوت مليء بالفرح والفخر: “فلسطيييييني” .. حياة طبيعية بشكلٍ كاملٍ قبل أن تقترب من الحدود الشرقية.

التقينا بسائقِ أجرةٍ يحمل زجاجات ماء وطعام يريد إيصاله إلى الحدود، فعرض علينا أن يوصلنا في طريقه، وأثناء الطريق قال:

“ولادي الثلاثة هناك، من الصبح بدون أكل أكيد، وأنا بشتغل من الصبح.. قلت خليني أروح أتطمن عليهم وأوديلهم أكل ومي”

وتابع بعد تنهيدة كبيرة:

“ايييييييه .. بفكرونا اذا عجـّزنا محدش بيجي بعدنا”

كانت هذه المرة الأولى التي أسمع فيها حديثًا ممزوجًا بحسرة وأمل معًا.. كان الشعور لا يُوصف.

وحين وصلنا، كأننا رأينا فلسطين لأول مرة، هذا هو الوطن الذي حدّثونا عنه آلاف المرات… اليوم فقط نراه!

الكُل يحمي الكُل لأجل الوطن، الجميع يُحارب، لا وقت للتفكير بشيء، أنت أصبحت في خضم المعركة.. أجل معركة، كل ما عليك فعله هو أن تقف أعزلًا في وجه جندي مختبىء خلف سواتر ترابية ويحمل بندقية لتقول له: أنا هنا، وهذه أرضى، ولن تمروا فوق أرضي لن تمروا.

لن تدرك ما أعنيه تمامًا إلا لو فعلت ذلك، سيتملكك إحساس بالقوة التي لن تخذلك بعد ذلك..

دخان أسود وغاز سام ورصاص حي وطائرات استطلاع.. كل هذا لم يمنع الآلاف من أن يقولوا بأنهم باقون، ويغنوا جميعهم نساءً وأطفالًا وشبابًا وشيوخًا: وعهد الله ما نرحل، عهد الله نجوع نموت ولا نرحل.

عندما سقطت قنبلة غاز على رأس ابن خالي أحمد ذو التسع سنوات، قال: “أنا منيح، بدناش نرجع عالبيت هلقيت”.. وتم اسعافه حين فقد وعيه.

وبعد أن أفاق، التقط صورة وهو يبتسم ويستعد تمامًا للعودة غدًا.

انتهى اليوم، وعدتُ للمنزل فسألني أحمد: كيف الوضع هناك؟

لم أمتلك جوابًا لهذا السؤال، كل ما استطعت قوله: انظر إلى عيون الناس هناك، ستجد الإجابة الكافية.

وسألني: بشو حاسّة؟

فقلت: إنّي لازم أروح كل يوم هناك.

يقول درويش: لا هو موت، ولا هو انتحار، لكنه أسلوب غزة في إعلان جدارتها بالحياة.

#هنا_غزة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *