الرئيسية / بروفايل / زكي مبارك .. المظلوم

زكي مبارك .. المظلوم

كتب :السماح عبد الله

حصل الأديب “زكي مبارك” على ثلاث درجات دكتوراة، إحداها من فرنسا، فأطلق عليه الناس لقب “الدكاترة زكي مبارك” وأصدر قرابة الخمسين كتابا، بينها اثنان بالفرنسية، وكتب ألف مقالة، ومع هذا، لازمه الظلم والإجحاف طيلة حياته، فقد فصله “طه حسين” من الجامعة، وأبقى على من لا يحمل درجة دكتوراة واحدة، الأمر الذي جعله يقتات فقط من مكافآت مقالاته في الصحف، وهي ضئيلة بطبيعتها، وكان من الطبيعي والحال كذلك، أن يدخل في خصومات نارية مع غالبية رجالات عصره، مثل “طه حسين” و”العقاد” و”المازني”.
الدكاترة “زكي مبارك”، كان يكتب الرواية والنقد والمقالة، وكان إلى جانب هذا يكتب الشعر، وعندما أصدر ديوانه الأول، أهداه إلى “إبراهيم عبد القادر المازني”، وكان ينتظر أن يكتب عن الديوان كتابة منصفة، لكن “المازني” كتب يقول:
“مزية شعر الدكتور “زكي مبارك” التي تبدو لي هي حسن السبك, وجودة الصياغة, ولقد نسيتُ معانيه بعد طي الديوان, ولم يعلق بنفسي منها أثر, ولم يستقر بذاكرتي طيف, ولكن الدكتور “زكي مبارك” أديب كبير, وبحاثة له آثاره المشهودة, ودراساته المعروفة, وعالم من كبار العلماء, وله في ذلك فضل غير منكور, لا يزيده أن يكون شاعرا, ولا ينقصه ألا يكون”.
وهكذا، وبجرة قلم، نفى “المازني” أي شاعرية عن “زكي مبارك” تماما، حتى إذا ما أصدر الأخير كتابه الأكثر شهرة “النثر الفني”، أهداه لـ “للمازني”، عله ينصفه هذه المرة، باحثا أدبيا، بعد أن ظلمه شاعرا، وكانت المفاجأة أنه كتب مقالة شديدة الغرائبية عن الكتاب.
ترك “المازني” النثر والفن والأسلوب الأدبي والتحليل الأدبي والاتجاهات البحثية، وتحدث عن شيء ليس له أي علاقة بموضوع الكتاب، تحدث عن أن الكتاب جاء في جزءين، فقرر أن يقوم بتجليدهما، وذهب بهما إلى المطبعة للتجليد، وصاحب المطبعة أعطاه موعدا فموعدا ولم يف بمواعيده، ووصف مكان المطبعة، ورحلته إليها من شارع لحارة لزقاق، ولم ينس “المازني” بأسلوبه الساخر أن يحدثنا عن هذه الحواري وتلك الأزقة، في وصف شامل غير منقوص، وما رآه فيها من أتربة وزبالة وعربات كارو، وتوقف كثيرا أمام حادث طاريء حدث له في رحلته تلك، عندما وقعت زخات من الماء المتسخ، دلقتها إحدى سيدات شبابيك الحارات على طربوشه.
“طه حسين”، لم يستطع أن يترك أمرا كهذا يمر مرور الكرام، فله ثأر بل ثارات كثيرة مع كل منهما، الكاتب والمكتوب عنه، فكيف يفوّت فرصة سانحة كهذه؟
وهكذا كتب “طه حسين” في مجلة “الرسالة” مقالة عنونها بـ “النقد والطربوش وزجاج النافذة” حيث ذكر أن “المازني” لم يعجبه الكتاب، ولما ألح “زكي مبارك” عليه لكي يكتب، تحايل في كتابته، وكتب قصة عن تجليد الكتاب، خاتما كلامه بقوله:
“ويل للكُتاب والمؤلفين من دعابات “المازني” ومجونه, وويل للكُتاب والمؤلفين من ألغاز “المازني” ورموزه, وويل لـ “للمازني” من طغيان خياله وجموحه”.
على هذه الوتيرة ظلت حياة الدكاترة “زكي مبارك”، حتى أن موته أحاط به هذا الظلم الذي لازمه في حياته، فقد وقع وهو ماش في شارع عماد الدين وقعة شديدة، فشج رأسه، ومات من فوره، وبعد يومين من وفاته وقع حريق القاهرة، فاحترق الناس بالحديث عن الشأن السياسي ونسوا تماما واقعة شج الرأس، وظل السياسيون يتصدرون المشهد كله طوال ستة أشهر حتى قامت القيامة في 23 يوليو عام 52، فقُلِبَتِ الصفحات كلها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *