الرئيسية / رؤى ومقالات /  د. محمد حامد الغامدي يكتب ….قراءة في زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لمحطة تحلية جدة

 د. محمد حامد الغامدي يكتب ….قراءة في زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لمحطة تحلية جدة

 

▪▪يبقى الماء التحدي الأكبر الذي يواجه المملكة، بمساحتها التي تزيد عن مليوني كيلو متر مربع. مساحة خالية من المياه السطحية، حيث لا أنهار ولا بحيرات. كنتيجة كان الاعتماد على المياه الجوفية يأخذ مجراه بشكل لم يتوقف. وعبر التاريخ حدد الماء خارطة التوزيع الجغرافي السكاني، حيث توزع السكان وفقا لقواعد لعبة تواجد الماء. قلّة عاشوا في الواحات الغنية بينابيع المياه، ومن أشهرها واحة الأحساء في منطقة الصخور الرسوبية، وهذه الصخور تمثل ثلثي مساحة المملكة، وهي مساحة مشهورة بندرة الأمطار.

▪▪يبقى الثلث الآخر وهو منطقة الدرع العربي، وتشكل المساحة المحاذية للبحر الأحمر من شماله إلى جنوبه، وتمتد شرقا إلى أن تغوص في أعماق رمال الصحراء. وتثبت خرائط التوزيع السكاني أن هذه المساحة هي الأكثر كثافة بالسكان عبر التاريخ، كونها المنطقة المطيرة الأهم للبلاد والعباد. واشتهرت مساحة هذا الثلث بواحة بيشة التي تقع على حافة لقاء الجبال بالصحراء، وتشرب من آبار المياه الجوفية المتجددة التي ترد إليها عبر واديها الشهير من سفوح الجبال المطيرة. إن الكثافة البشرية الريفية تتركز في الجزء الجنوبي الغربي من مساحة الدرع العربي. وهو الريف الأهم في المملكة العربية السعودية عبر التاريخ.

▪▪تلك المقدمة تنقلنا للتذكير بزيارة ولي العهد – أيده الله وحفظه – صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان آل سعود، لمحطة التحلية يوم الأربعاء (7 جمادى الأولى 1439 الموافق 24 يناير 2018)، بمدينة جدة. زيارة كانت تجسد ذلك التحدي وتؤكده، إنها بمثابة إعلان بالاهتمام والمسئولية تجاه الماء، وأيضا الأهمية. زيارة ترسخ وبشكل مستدام لتوجه (رؤية 2030) ورسالتها التي تحمل التشجيع والتحفيز بتأكيد أهمية كل قطرة ماء للبلاد.

▪▪زيارة سموه – حفظه الله – تحمل أكثر من قراءة ورسالة. كانت زيارة توحي وتقول. زيارة تشجع وتحفز وتذكر بأهمية الماء في بلادنا. زيارة أبحرت بشخصي عبر بوابة الماضي لاسترجاع ثلاثة عقود قضيتها من عمري في الكتابة عن قضية المياه وتحدياتها. أثمرت بالعديد من الكتب التي توثق لذلك الجهد. كانت زيارة قرأت في متنها صدق التوجهات لصالح الماء. زيارة جسّد حماس مشاهدها وحرارته قلق القيادة المشروع على الماء.

▪▪كان الهدف المعلن للزيارة تهنئة المسئولين والموظفين على ما تحقق من انجاز غير مسبوق، حيث تم رفع الإنتاج من (3) مليون متر مكعب من المياه المحلاة يوميا، إلى (5) مليون متر مكعب، بدون زيادة في التكلفة. كنتيجة كانت هذه الزيارة الرسالة الهامة، لتهنئة أبناء الوطن على الإنجاز والتميز، برفع كفاءة التشغيل. فرحة تؤكد أهمية الماء والحرص على توفيره. إن أي إنجاز في مجال الماء هو إنجاز وطني عالي الأهمية والشأن. 

▪▪الزيارة كانت تجسد إدراك أهمية الماء لمواجهة الطلب المتزايد والذي يبلغ حوالي (5) بالمائه سنويا. تأتي هذه الزيادة كنتيجة للتوسعات العمرانية بعرض المملكة وطولها، حيث الزيادة السكانية المباركة حتمية. كان التوزيع السكاني محدودا وثابتا عبر القرون، بسبب ندرة الماء، لكن تغيرت خارطة التوزيع السكاني في العهد السعودي الميمون، وفقا لخارطة التنمية الحديثة التي نعيش نتائجها الإيجابية، وبشكل غير مسبوق عبر تاريخ شبه الجزيرة العربية. حيث شكل الماء أساس نجاح الخارطة الجديدة للتوزيع السكاني، أمّنته الدولة –  حفظها الله – في أماكن جديدة، فأصبحت الرياض العاصمة ثاني أكبر عاصمة عربية، بجانب مدن أخرى شاهدة على الجهد، والبذل والعطاء. إن أهمية مورد الماء يجبرني لتكرار ما دعوت له سابقا بأن يصبح محور التنمية في البلاد كمطلب أساسي وحضاري.

▪▪الزيارة تعترف بفضل التقنيات الحديثة، ودورها في تعزيز الأمن المائي في المملكة، حيث تم استغلالها في أعذبة مياه البحر المالحة، بجانب الإمكانيات المادية والعلمية للوصول إلى المياه الجوفية العميقة، والمتواجدة من العصور المطيرة التي سادت في شبه الجزيرة العربية، ومن ثم استثمارها في مجال التنمية الزراعية. لكنها زراعة تجاوزت حدود المعقول بفضل حماس الإنجاز الذي طغى على حقيقة ندرة الماء في البلاد. كنتيجة ظل هاجس الندرة يعزز القلق المشروع على استدامة امدادات المياه، وأيضا ضرورة البحث عن موارد جديدة، بجانب معالجة تجاوزات التنمية الزراعية على حساب المياه النادرة.

▪▪كانت أعذبة المياه المالحة – رغم تحفظي الاعتماد عليها كخيار استراتيجي – قفزة غالية الثمن، لتعزيز موارد المياه، حيث أصبحت توفر حوالي (60) بالمئة من مياه الشرب، وبتكلفة تزيد عن (25) مليار ريال سنويا. هذه التكلفة الباهظة ساهمت أيضا في تعزيز الاهتمام بالماء من لدن القيادة الرشيدة -وفقها الله. إن أي توفير في التكلفة هو إنجاز وطني لصالح المستقبل. إن توفير قطرة الماء انجاز عظيم لصالح الأجيال القادمة. هذا التوجه من لدن ولي العهد – أيده الله – يفرض على الوزارة المعنية فرض قيود بوقف بعض الزراعات وأيضا وقف استنزافها الجائر للمياه الجوفية الذي تجاوز (30) مليار متر مكعب سنويا.

▪▪زيارة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان آل سعود.. للتحلية في مدينة جدة.. يعزز القلق الإيجابي في نفوس الجميع، ويعمل لصالح الاهتمام بالماء وترشيد استخدامه، وأيضا المحافظة عليه بجانب الاهتمام بتنمية موارده. إنها رسالة حب وخير لكل مواطن ومسئول، بأن الفرح يتحقق بتوفير الماء وبخفض تكلفته، وبرفع كفاءة إنتاجه، وبحسن إدارته، بجانب تعظيم كفاءة التشغيل وترشيد الاستعمال. هي أيضا رسالة اهتمام موجه بصورة غير مباشرة إلى العالم العربي كنموذج سعودي يحتذى، للاهتمام بموارد المياه وتنميتها وتعزيز البحث عن مصادر أخرى.

▪▪زيارة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان آل سعود.. للتحلية..  يقودني إلى التأكيد بأنه يمكن حصاد أكثر من (60) مليار سنويا من مياه الأمطار في مناطقنا الممطرة. وهذا يحتاج إلى مشروع وطني لمواجهة متطلبات المستقبل. وقد وضعت هذا المشروع في كتابي بعنوان: [كيف نحول المطر إلى مخزون استراتيجي؟ “بناء المستحيل”]؛ ثم كان كتابي بعنوان: [إنقاذ المستقبل من العطش].. لتعزيز هذا المشروع المقترح.

▪▪الماء أساس الحياة. وفي بلادنا تصبح الحاجة لتفعيل الاهتمام بموارد المياه ضرورة وطنية. بهذه الزيارة عزز سموه – حفظه الله – ضرورة أن توظف الاستراتيجية الوطنية للمياه برؤيتها وأهدافها وبرامجها، لصالح الحفاظ على الماء وتنمية مصادره، أيضا لترشيد استخداماته لصالح الأجيال القادمة. ولكن لي كلمة هنا لتعزيز توجه الزيارة واستثمارها. كلمة تؤكد أن تجاهل مناطقنا المطيرة وتجاهل توسعتها لصيد وتجميع وخزن ماء المطر بشكله الطبيعي، يجعل نجاح الاستراتيجية الوطنية للمياه محل تساؤلاتي التي ترتقي بآمال وتطلعات القيادة حفظها الله.

▪▪ختاما إن البحث عن المزيد من موارد المياه جشع جيد وحميد، يجب تنميته وتشجيعه، بجانب تجنّب الوقوع في فخ تناقض الأهداف وتضارب المصالح.

 

[email protected]

[email protected]  

 

 

 

 

تعليق واحد

  1. كنت اتمني ان نكون بعد 100 عام من تاريخ بنا اول محطه تحليه بجده ان تكون السعوديه رائده ابحاث التحليه و تكوين قاعده صناعيه ضخمه لبنا محطات جديده بدلا من استيرادها جاهزه من اليابان وغيرها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *