الرئيسية / رؤى ومقالات / الإرهاب … موت الروح ..وتيه العقل

الإرهاب … موت الروح ..وتيه العقل

بقلم د :فودة محمد علي*

أيها العقل قف عندمنتهاك ،فإن كنت تزعم العلم فأصل العلم المعرفة، والمعرفة شيء عرف بعدما كان غيبا، والأرواح تسري في عالم الغيب فتقف على أصل المعارف ومكنونات العلوم، لذلك ترى عيون العارفين ما لا يراه الناظرون  …وإن كنت تزعم الفهم وسبر أغوار الأمور فإن الحدس القلبي يستشف ما وراء الأفق ..
أيها العقل اعقل.. جوراحي عن الخطأ ، لكن اعلم أنه ليس لك سلطان على نفسي وروحي وعواطفي ..واعلم أن القلب ملك عليك ، وقلبي روح تسري ، ونفس تهوى ، وعواطف تختلج بين جوانجي…تسري روحي عبر العوالم وتطير في الآفاق في دنيا المشاعر الجياشة والآمال العذاب والأحلام الكبار ، هناك فوق السموات السبع أحلق ..ومع النجوم السيارة أسري ..ومع النسمات العليلة في الآصال الحالمة أطير من فنن إلى فنن ومن وطن إلى وطن..هناك حيث ما يقدر عقل ولا تنهض قوة في عالم الأسرار القدسية في سجدة علوية في صلاة ليلية ..

أحب الخير وأرجوه .. وأعشق الجمال وأهواه، أاناجي الغيب وأحادثة .. أتمتى وأحلم ..وأعتقد وأوقن أن لهذا الكون ربا لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، في جنح الليل أناجيه ، وفي الأسحار أخلو إليه ، تدمع عيني ويهفو فؤادي وترق نفسي ويزداد شوقي وحنيني لعالم الملكوت العلوي الذي منه نزلت..
فلماذا أيها العقل بأفكارك المستمدة من سعي الإنسان الخطاء في طين الأرض؟!! ..
لماذا تحاول عرقلة النفس الراقية إلى الأفلاك العلوية ، السائحة في الأقداس الغيبية ؟!
لماذا تحاول حجب الأفكار الكبرى الآتية من القيم القدسية .؟!!
.أيها العقل تدعي الإحاطة والإدارك والفهم والتمييز.. فإني أسألك كم أشرت بالشرر، وسقتني إلى خطر ، وكم كان إدراكك وهمًّا وفهمك خطأ وقيادتك مهلكة …حاولت أيها العقل نفع البشرية فأهكلتها ..حاولت هداية الحيارى فأضللتها، انظر إلى آثارك وكيف قادت العالم إلى التدمير …

أيها العقل قف عند منتهاك فإني عاصيك ومعاديك إن رمت تقييدي وحبسي وتسكيني …سأهوى ..سأطير ..سأحلق …سأدع الروح تتلاقى ووتتآلف مع الأوراح المتعارفة ، والنفس الجياشة تهوى وتعشق وتتلاقى بالنفوس المتكاشفة …وموضعك الأرض مع البدن الفاني والجوارح العابثة .

لقد وضع الله في الإنسان قلبا يهوى ..وعقلا يمسك الجوارح عن السير الخاطئ فيما يهواه القلب ..وروحا تسري تغذي القلب وتعين الفكر …وبدنًا يفني من طين كان وإلى الطين يعود ..والإنسان في سجال دائم بينهما ..خير أو شر …وإاذ ما اعترك القلب مع العقل أبت الروح إلا تنحاز إلى القلب …لذا يستشعر الإنسان الراحة في كل أمر يريح القلب …بل ويموتإذا ما وقف القلب لأن الروح هنا محلها القلب ولذا كان الايمان محله القلبوالتقوي في القلب يقول النبي صلى الله عليه وسلم التقوى هاهنا التقوي هاهنا التقوي هاهنا، ويشير إلى قليه ثلاث مرات.

اتبع الغربيون عقولهم فقادتهم إلى حروب طاحنة ، وعداوات سافرة ، وأقفرت روحهم من من الرقي الأعلى والإحساس الأرقى فلم يشعروا ببكاء أرملة تبكي في جنح الليل على زوج قتلوه ، ولم يرقوا لوالهة ثكلي تبكي وحيدها في الثرى دفنوه ، ولم يستفيقوا إلا على 20 مليون من القتلى وملايين من الجرحى وآلاف من المدن المحطمة …فعاد عقلاؤهم ينشدون الأمن الروحي فنبه عليها جوته ، والتفت إليها نتشه ،وأعيته الحيلة برناردو،  نعم لقد ضلوا طريق الروح رغم كثرة فلسفاتهم ، وعظم إبحارهم في خيالات لم تأخذهم إلى مرفأ آمن ولا شاطئ نجاة  بعيد، لأن هذا الطريق لا يعرف إلا من طريق الوحي المنزل من عند خالق الروح وعالم أسرارها القائل لنبيه: ” وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان”..ويقول مخاطبا من آمن وصدق بالوحي المنزل ” يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ” .

ويعاني العالم العاقل المتدثر بعقل تائه، بعدما خرب الروح من ويلات طاحنة وفتن مدمرة وصار ينشد الأمن والأمان حيث عم القتل وكثر الهرج ولم يعد يعرفالقاتل فيما قتل ولا مقتول لماذا قتل ، وأصبح ينشد الخلاص من عدو لم يفده معه في البحث عقل ، ولا في المواجهة فكر ، سماه تارة إرهابا ، وسماه تارة تطرفا ، فأين عقل العاقل وهو يلبس درع ناسف يقتل نفسه منتحرا ويقتل من حوله ، أين فكر المهتدي بالعقل ليرد هذا الجامح المتقنع بأقنعة شتى لم يعد في مقدور أحد كشف حقيقته ، ومعرفة ما خفي من أمره، إن الحل ثم بسيط هو عودة الروح للجسد المحترق بألام العقل ،  إلى الوحي المنزل ” ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير”؟!! …

إن تلكم الفئة الباغية التي لا تعرف لطهارة النفس موضعًا، ولا للروح نقاء ، وصارت تركع وتسجد بلا سبحات في ملكوت الإله الأعظم الرحمن الرحيم ، فأصبحت هياكل إنسانية لم يعانقها نور الوحي ، ولا أشعة الإيمان فانطفأت قلوبهم فلم تعد تبصر ، فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور ، فما أن ينتهي من تقديم صلواته حتى يحمل سلاحه يقتل الحرث والنسل ويفسد في الأرض والله لا يحب الفساد …إنها موت الروح في جسد عقله تائه …فلم يعد يوجهه عقل …ولا تملكه روح …وماذا نتوقع من جسد تاه فيه العقل ..وماتت فيه الروح …؟؟!!!

*أستاذ مشارك  قسم الاتصال والإعلام . جامعة الملك فيصل- السعودية

تعليق واحد

  1. ما شاء الله على هذه اللغة الرائعة الرائقة الرصينة
    افتقدنا منذ زمن كبير مثل هذه اللغة في الكتابات الصحفية
    هذا مقال أدبي من طراز رفيع
    أحسنت يا دكتور
    عن مثلك، وأنت ابن الأزهر العريق، يصدر مثل هذا الإبداع!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *