الرئيسية / ثقافة وفنون / خالد جعفر يكتب : أنا والشيخ مصطفى إسماعيل

خالد جعفر يكتب : أنا والشيخ مصطفى إسماعيل

.. منذ سنوات طويلة مضت وأنا أفكر فى عمل دراسة بحثية عن أصوات المبدعين العظماء من قراء القرآن الكريم . تلك الأصوات المصرية التى استطاعت أن تنقل رسالة السماء إلى كل أرجاء الدنيا بنغم صوتهم الجميل . أسترجع ذاكرتى البعيدة منذ أن كنت طفلاً صغيراً يصحو كل صباح قبل الذهاب إلى المدرسة على صوت أحد القراء العباقرة العظام من جيل الرواد فى إذاعة القرآن الكريم ، عبر جهاز المذياع ، الذى كان أرقى وأحدث وسيلة إعلامية فى ذلك الوقت . عرفت كل الأصوات ، وحفظت منهم أصول النطق الصحيح ، والمد والوصل والوقف ، وتوصلت بهم إلى معرفة علم القراءات ، وقراءة ورش وقراءة عاصم . لاتستطيع أن تميز صوتا منهم على صوت الآخر، كل واحد منهم مدرسة مستقلة فى الإبداع والتنوع ، أصوات بعضهم هابطة من السماء ، وأصوات أخرى صاعدة إلى السماء . رجعت بذاكرتى إلى هذا الزمن الجميل ، وأنا أقف أساعد زوجتى فى تجهيز طعام الإفطار، حيث وضعت لى قانوناً منذ أن تزوجنا والتزمت به ، أن يكون المذياع من تجهيزات حجرة الطعام الأساسية ، وأن يتثبت مؤشره على إذاعة القرآن الكريم . ولا أذكر يوماً أن أحداً حاول تغييره أو إسكاته . فإذا بى أسمع النغم الجميل والصوت العذب والعبقرى الرائع الشيخ مصطفى إسماعيل .. يا الله ! سبحانك يا مانح النعم ! وواهب العطاء ! .. صوت يكفيك وأنت تستمع إليه ، لتصعد معه إلى عالم آخرمن الجلال والرقى والمهابة . كيف له هذا التمكن وهذه الثقة فى إتقان المقامات والتنقل من نغمة إلى أخرى ؟ وكأن نداء خفيا مبعثه من السماء يطوف بك ويحوط جوانبك ويتحول إلى درع يحميك من معارك الحياة ويملأ قلبك يقيناً ، وكأنه يستحضر حجة القرآن فى صوته ويبثها فى أفئدة المستمعين . الشيخ مصطفى إسماعيل يجعلك تستشعر معه جلال المعنى وكأنك تسبح معه فى رحاب آيات القرآن الكريم .. وللشيخ قدرة فائقة فى الانتقال بالمقامات بما يتناسب مع معنى كل آية . ما أروعه ! وهو يتلو نداء سيدنا نوح ( فدعا ربه أنى مغلوب فانتصر ) ويختار مقام الصبا لجملة (أنى مغلوب ) الذى يتناسب مع حالة الحزن والألم والشجن ، ويجعلك تستشعر نفس الحالة وتعيش معه فى بؤرة الشعور .. كانت براعته أنه يملك من التميز والتفرد أن يكرر عليك الآية الواحدة مرات ومرات وفى كل مرة بمقام وقراءة مختلفة تضيف لك بعدا جديدا ، وفهما روحانيا لم تستشعره من قبل .. رحمك الله يا شيخنا الجليل بقدر ما أعطيت . 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *