الرئيسية / كتاب وشعراء / _ يوميات رمضان – 27 –……قصه قصيره بقلم وليد العايش

_ يوميات رمضان – 27 –……قصه قصيره بقلم وليد العايش

وضعت رأسها على هاوية ركبتيها، كان الوقت عصراً، بينما العصافير تتطوّفُ على ناصيةِ شجرة الكرْمَة القريبة، الجبلُ يدنو من رأسِ رابيةٍ أُصيبتْ بالجُذام …
هناك في الغُرفةِ المُجاورة أربعةُ أطفالٍ يلهون بِدُمىً عتيقة تكادُ تُفارقُ الحياة بعد معيشةٍ ضيقة الجوانح .
نسمةٌ غربيّةٌ تهبُّ فجأة، جعلت من سربِ اللقالق يهبطُ اضطرارياً على عُشبِ حقلٍ يحتسي بعض المياه المالحة .
– ما بكَ يا أماه … لِمَ أنتِ حزينة هكذا …
– لا شيء ياولدي … لا شيء … اِذهبْ إلى إخوتك وأكمل لعبك معهم ، إياكم أن تقتربوا من الصورة المُعلّقة على الجدار.
– حاضر … يا أمي … حاضر …
الدربُ المُمتدُّ إلى أُفقٍ بعيد يُحاولُ ارتشاف آخر ما تبقى بِفُنجان القهوة، أنوارُ المدينة تبدو سريالية الألوان في هذا المساء …
( سلّمي أمركِ لله يا أمّ خالد، لنْ يعدْ زوجك من رحلته الأخيرة، رأيتهُ بعينيَّ هاتين يلفظُ أنفاسه ) … مازالت تلك العبارةُ تدقُّ مسامعها منذُ خمس سنوات، لكنّها لم تصدقها، بقيتْ تراقبُ الدربَ الذي أمامها كل مساء .
– سيعود … سيعود … أبو خالد لمْ يمت … إنّه شامخ كشجرةِ السنديان …
حدّثتْ نفسها، لكنّها لم تستطعْ إيقاف دموعها من عبور الطريق إلى وجنتيها الورديتين ، ثغرها يلامسُ رُكبَتِها اليُمنى بشغفْ، ما شاءتْ أن ترفع رأسها رغم دبيب الرياح العابقة برائحةِ القهوة, تلكَ المُنبعثة من بيتِ جِيرانها .
– هيا يا أمي … نريدُ أن نأكلْ … صرخ الولدُ الأخير …
لم تحرْ جواباً على سؤاله، إلاّ أنّ دموعها أرختْ بِظلالها على حقيقةٍ لا تعرفها إلاّ هي .
– هيا يا طفلي الصغير … ها أنا قادمة إليكم … رفعتْ رأسها قليلاً، ضربتْ بعينيها الأفق البعيد، تسمّرتْ فجأة، قفزتْ من مكانها، شيءٌ ما يلوحُ في نهايةِ ذاكَ الدرب, لفظتْ الرياحُ أنفاسها, وغادرت …
سِربُ اللقالق يعاودُ رحلتهُ بعد استراحةٍ أُكرِهَ عليها، عصفورٌ يرتدي عامهُ الأول يحاورها عن قُرْبْ .
خرجَ الأطفالُ دُفعة واحدة، تسمّرتْ الأعينُ كُلها، بينما الأغصان تُغني لحناً فيروزياً بنفسجي اللون .
( كم أنتَ كاذبٌ أيُّها القدرْ … و يا أيّها الرجل … ) … قالتْ أُمّ خالد, ثُمَّ أرسلتْ حُفنة من قُبلاتها ودموعها الساخنة لتوّها إلى جباهِ أطفالها الأربعة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *