الرئيسية / رؤى ومقالات / نبيل فزيع يكتب: عقلاء يزحزحون العملية السياسية فى العراق
نبيل فزيع

نبيل فزيع يكتب: عقلاء يزحزحون العملية السياسية فى العراق

بالأمس، قضت المحكمة الاتحادية العليا بالعراق، بعدم دستورية إلغاء أصوات المقيمين في الخارج والنازحين والبيشمركة في الانتخابات البرلمانية، التي جرت يوم 12 مايو الماضي.

الحكم يعيد الأمل مجددًا للكتل السياسية الجادة هناك ويمنحها الفرصة لتشكيل كتلة الأغلبية، والانتقال إلى العمل الجماعى عبر تشكيل الحكومة بطريقة فيها من التوافق والتوازن والاحتواء لكافة مكونات العراق السياسية، وقبل انتهاء الموعد المحدد دستوريا لتسمية وزرائها.

والمحكمة الاتحادية بحكمها هذا، إنما تؤكد على حقيقة لا مفر منها وهى أن البرلمان أخطأ فى حساباته وتقديراته التى ربما بدت “سياسية” الطابع، حينما طالب بإلغاء أصوات المقيمين في الخارج والنازحين والبشمركة في الانتخابات، وطالب بإعادة فرز الأصوات، مما أثار نداءات من قوى ضاعت آمالها فى الحضور السياسي بإعادة الانتخابات.

وحقيقة، نرى أن اللجوء للقضاء فى باديء الأمر، إنما هو حق أصيل دستوريا وقانونيًا لكافة الأحزاب والمرشحين، وعرف معمول به بكافة الأنظمة الديمقراطية، خاصة حديثة العهد بتشكيل ما يعرف بمفوضية الانتخابات، والتى ربما يكون تشكيلها غير مراعٍ فى بعض البلدان لعملية الانتقال الهاديء للسلطة، خصوصا فى الأقطار التى تشهد تنوعًا عرقيا أو مذهبيا أو فكريًا، أو التى تسعى قوى إقليمية أو دولية لاستهدافها.

هنا يظهر المتعقلون من الساسة ليقوموا بدورهم الوطني فى زحزحة العملية السياسية فى بلادهم، ورأب الصدع وتجاوز الخلافات والقفز فوق الصغائر الحزبية والسياسية لصالح المصلحة الوطنية العليا، وهو ما لمسناه فى مواقف وتصريحات الزعيم الكردي مسعود بارزاني طوال الفترة التالية على إعلان نتائج الانتخابات المنتهية بفوز حزبه بالترتيب الرابع عراقيًا والأول على مستوى إقليم كردستان، محاولًا برؤيته وفكره “الديمقراطي” لم شمل قوى الإقليم والبحث عن مخرج من أزمة البلاد كافة، والسعى لتشكيل حكومة عراقية على أساس التوافق والتوازن والعمل المشترك لأجل احترام وتطبيق الدستور.

هذه الرؤية الديمقراطية، يستكملها طموح الحزب وقياداته فى التنمية والصعود بالإقليم وتجاوز أزماته والعبور بعرقه المميز الفاعل فى تاريخ المنطقة العربية والإسلامية، وهو طموح الباحثين عن المستقبل غير الملتفتين للوراء وما به من أزمات ومشكلات، وربما نكبات، ولو دفع ثمنها أصحاب الرؤية الديمقراطية ذاتهم، ضحايا الحكم الشمولي الديكتاتوري.

هنا تبدأ قوى أخرى متعلقة فى إعادة قراءة نفس المشهد والمصير المشترك، فيخرج المتحدث الرسمي باسم ائتلاف النصر العراقي حسين العادلي، مؤكدًا إلتزام ائتلافه بقرار المحكمة الاتحادية، داعيًا الجميع للامتثال للقرار صونا للعملية السياسية وسيادة القانون وحفظا لأصوات الناخبين وسلامة الإجراءات المتصلة بشرعية العملية الانتخابية وما تنتجه من سلطات ومؤسسات.

هكذا تكون الحيوية السياسية فى الإيجاب والقبول ما بين البحث عن ذات داخل الوطن الجامع والبحث عن المستقبل لعراق تعددي، وهى حيوية يحسد أشقاء عرب كثيرون الأخوة فى العراق عليها رغم أزماته التى تضاعفت بفعل تدخلات وحسابات قوى غربية وإقليمية خلال السنوات الماضية، ويحسب لمكوناته إنجاز دستور يحترم الحقوق والحريات يحتاج برلمانًا وحكومة أكثر إلتزامًا بتطبيقه.

من غير المتصور أو المقبول أن تشهد انتخابات فى وطن تعددي جامع تزويرًا بالمعني المادي أو المعنوي المتعارف عليه فى بلدان أخرى، خاصة وأن الوعى العراقي والعقل الجمعي الوطني على مستوى من الرقي، لا يمكنه معه قبول ذلك.

نتمنى للأشقاء فى العراق تجاوز الأزمات والخلافات والفوز بنعمة الاختلافات الإيجابية وتشكيل حكومة توافق تراعي روعة و رونق التعددية المميزة للعراق، وهم على ذلك قادرون.

محام مصرى لدى محكمة النقض- كاتب ومحلل سياسي وباحث حقوقى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: