الرئيسية / بروفايل / عــــــقبة بن نــــــــافع

عــــــقبة بن نــــــــافع

كتب :المفرجي الحسيني
كانت بلاد المغرب هدفا للموجات الجرمانية ولاسيما المتبربرة منها والمندفعة من اواسط اوربا في بداية القرن الخامس قبل الميلاد ،اذ كانت ارض هذه البلاد فريسة سهلة نظرا لثرواتها الزراعية الوافرة ، وعلى الرغم من عدم وصول جميع القبائل الجرمانية الى هذه البلاد وانفراد (الوندال ) في الظهور على السواحل الافريقية ، فان هؤلاء عملوا على تخريبها وتدميرها وقتل الكثير من سكانها ولم تتمكن الامبراطورية الرومانية من ايقاف هذه السيول الجارفة وتسربت الى المغرب وافريقيا .( ) لقد انصرفت عناصر الوندال في بلاد المغرب الى الدخول في المدن والحواضر والمراكز وهي تقوم بنشر الدمار والموت والخراب لازالة مظاهر الحضارة والعمران ، حيث دخل هؤلاء البرابرة مدينة (عنابة)واحرقوها ( ) ثم اسقطوا( قرطاجنة ) وتبع سقوطها كثير من اعمال السلب والنهب والقتل والاعتداءات الغاشمة وهاجموا كذلك قسنطينة وظفروا بسكانها ومنشأتها . لقد اصطلح على جميع البلاد التي تلي مصر غربا من المحيط الاطلسي بما فيها افريقة اسم بلاد المغرب ، ويذكر ابن هوقل ان المغرب (من مصر وبرقة الى افريقية وناحية تنس الى سبتنه وطنجة ) . ( ) لم تدخل بلاد المغرب في حوزة الدولة العربية الاسلامية دفعة واحدة بل مرت بسلسلة من المعارك والحروب استمرت حوالي سبعين سنة متوالية بدأت منذ سنة 21 هـ/642 وذلك في السرية التي قادها عقبة بن نافع الفهري الذي يعد من اكابر التابعين وافاضلهم بعد اشتراكه في تحرير مصر مع القائد العربي المعروف عمرو بن العاص ، وانتهت الحملة التي قادها موسى بن نصير واخضع فيها جميع المغرب الاقصى حتى المحيط الاطلسي سنة 90هـ /708 م ( )
الفصل الاول
اسمه ونسبه :-
هو عقبة بن نافع بن عبد القيس بن عامر بن أمية بن الظرب بن الحارث بن فهر ، وهو الذي نخس بنت الرسول صلى الله عليه وسلم وكانت حاملا فألقت ما في بطنها بعد عدة ايام ( )
امه :-
فهي سلمى بنت حرملة ، وهي سبية من بني جلان بن عتبك بن اسلم بن يذكر بن عنزة ، وكانت تلقب بالنابغة من بني عنزة اصابتها رماح العرب فبيعت بعكاظ ثم صارت الى العاص بن وائل ، وان عقبة هو اخو عمرو بن العاص لامه. ( ) ، وقيل ان عقبة ابن نافع كان ابن خالة عمرو بن العاص . ( )
ولادته:-
ولد عقبة بن نافع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة بسنة واحدة ( 621 م)، ولا تصلح له صحبة ، وقيل له صحبة ولا يصلح ( ) ، وتؤكد النصوص انه صحابيا بالولادة وذلك لان العلماء قد ذكروا اقوالا للصحابي والراجح منها هو :- من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ومات على الاسلام ، فيدخل فيه من طالت مجالسته له أو قصرت اومن روى عنه او لم يرو ومن غزا معه اولم يغزو ومن راه رؤية ولو لم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالعمى( ) وقد تولى القيادة في ايام الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكانوا لا يؤمرون في الفتوحات غير الصحابي ،وكان عمر بن الخطاب لا يولي الا الصحابة ولا يرضى ابدا ان يعمل صحابي تحت قيادة غير صحابي . ( )
نشأته :-
نشأ عقبة بن نافع في بيئة اسلامية ذات طابع عسكري لان اهله من بني فهر ، لهم ماضي مشرف في الحرب والفتح حيث كان من اقرب اقربائه عمرو بن العاص من أبرز قادة الفتح الاسلامي ، حيث كان والده نافع بن عبد القيس الفهري قائداً في الجيش الاول الذي قاده عمرو بن العاص في فتح برقة وطرابلس فعهد اليه عمرو ان يسير مع الجند نحو الجنوب للاستيلاء على اقليم فزان ،وهي واحة من واحات طرابلس الجنوبية ، وكان معه في هذه الحملة ابنه عقبة بن نافع وكان صبيا في العاشرة ، وترك العرب في فزان حامية صغيرة من الجند كان من بينهم نافع بن عبد القيس وابنه عقبة ، وظل عقبة يتنقل مع والده بين برقة وفزان وزويلة و ودان . وفي هذا الجو نشأ عقبة بن نافع نشأة جهاد وتمرس بشؤون القتال وتحول الى شخصية عربية افريقية ذات خبرة بشؤون المغرب . ( )
المرحلة الاولى من جهاده:-
بدأ العرب حملتهم على فتح بلاد المغرب منذ سنة 20 هـ (641م) وذلك في ولاية عمرو بن العاص الاولى على مصر ، لان برقة كانت جزء اً متمما لها . وللسيطرة على تأمين حدود مصر الغربية لاحتمال ان تتعرض لغزو بيزنطي من (برقة) ( ) . حيث تم ارسال عقبة بن نافع من قبل عمرو بن العاص على رأس حملة استطلاعية الى برقة ، ثم اتجه منها عقبة بن نافع الفهري الى لوبية وافريقية فافتتحها ( ) ، ومن الواضح ان عمرو بن العاص اطمأن الى تقرير عقبة بن نافع عن بلاد برقة ، وكانت وقتئذ أشبه بولاية بربرية مستقلة عن الدولة البيزنطية ، وكانت الصحراء الممتدة ما بين مصر وبرقة تسكنها قبيلة لواتة البترية ، وهي من أشهر قبائل
البربر زمن الفتح العربي الاسلامي تسكن (برقة) ( ) ، وان هؤلاء البربر اسرعوا بتقديم ولائهم للجيش الغازي ، فصالحهم عمرو بن العاص مقابل جزية يؤدونها اليه وهي دينار على كل حالم، بالإضافة الى انه استطاع ان يكسبهم ٍالى جانب المسلمين وقد نجح في ادخال بعضهم الى الاسلام . ( ) لقد اتم عمرو فتح برقة ثم اتجه الى فتح طرابلس متوجها الى دخول افريقية واراد ان يفتحها من الساحل والجوف وكان ذلك في سنة احدى وعشرين للهجرة ، فبعث الى منطقة الجوف قائده عقبة بن نافع الى (فزان)على رأس جيش من العرب المسلمين حتى بلغ (زويلة) فافتتحها صلحا وصار مابين برقة وزويلة سلما للمسلمين ( ) ،وقد كتب عمرو بن العاص الى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعلمه ، أنه قد ولي عقبة بن نافع الفهري المغرب فبلغ (زويلة)وان ما بين (زويلة) و(برقة) سلما للمسلمين، وقد ادى مسلمهم الصدقة واقر معاهدهم بالجزية ، وأمر عماله أن يأخذوا الصدقة من الاغنياء فيردوها الى الفقراء ، ويأخذوا الجزية من أهل الذمة فتحمل الى مصر ، وأن يأخذوا من أرض المسلمين العشر ونصف العشر ، ومن أهل الصلح صلحهم. ( ) وفي نفس السنة اي سنة احدى وعشرين للهجرة بعث عمرو بن العاص قائده عقبة بن نافع الى (النوبة). ( ) ،
فلقي المسلمون من (النوبة) قتالا شديداً ثم انصرفوا عنها المسلمين ، وبذلك فان عقبة بن نافع هو اول من سهل لفتح (النوبة) من المسلمين .( ) استمر عمرو بن العاص في الفتوحات الاسلامية واراد ان يفتح افريقية فوجد صعوبة فتح افريقية وذلك بسبب كثرة ملوكها واهلها في عدد عظيم واكثر ركوبهم الخيل ، فكتب الى الخليفة عمر بن الخطاب يستأذنه في فتحها ، كما تشير الاحداث الى ان الخليفة عمر بن الخطاب كان على علم بالأحوال السياسية لأفريقيا وبتورات اهلها وغدرهم ، فكتب الى عمرو قائلا (لا، انها ليست بأفريقية ولكنها المفرقة الغادرة مغدور بها لا بغزوها احد ما بقيت )( ). وبذلك عاد عمرو بن العاص الى مصر ، بعد ان اقام قائده عقبة بن نافع على هذه البلاد الصحراوية يدعوا للإسلام ، ونجح عقبة في كسب كثير من اهالي البلاد من قبائل لواته ونفوسة ونفزاوة فدخلوا في الاسلام ، كما ظلت( برقة) على طاعة المسلمين حتى سنة (27هـ ) .( ) ثم استشهد عمر بن الخطاب وتولى الخلافة بعده عثمان بن عفان ، وتم عزل عمرو بن العاص عن ولاية مصر سنة خمس وعشرين ، وعقد عثمان بن عفان لعبد الله بن سعد ابن ابي سرح على مصر كلها مضافا اليها (الصعيد) ( ) ،فأقر ابن ابي سرح عقبة بن نافع على منصبه قائداً لحامية (برقة).ولكن الخليفة كان مترددا في اجابته بسبب رفض عمر بن الخطاب من قبل ،ولكن في نهاية الامر اجتمع عثمان بن عفان في المدينة بوجوه الصحابة وذوي الرأي سنة (27 هـ) (647م) واستشارهم في امر فتح افريقية فوافقوه عليه ، فأذن له عثمان في ذلك وامده بجيش عظيم بلغ مقداره عشرين الفا معظمهم من الفرسان وفي هذا الجيش عدد كبير من ابناء الصحابة ، والكثيرون منهم يسمون عبد الله ، ولهذا يسمى ذلك الجيش بجيش العبادلة ومن اشهر من سار فيه عبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن عمر بن الخطاب وعبدالله بن الزبير ، وعبد الرحمن بن زيد بن الخطاب ومعبد بن العباس بن عبد المطلب ، والمسور بن مخرمة بن نوفل ، وكانوا جميعا شبابا في السن الباكرة ( ) وسار عبد الله بن ابي سرح بجيشه حتى وصل( برقة) ولقيهم عقبة ومن معه من المسلمين فساروا جميعا الى طرابلس الغرب وكان ذلك في اوائل سنة (28هـ) (648م) وفيها وصلت طلائع الجيش العربي الاسلامي الى افريقية، والتقى بن ابي سرح مع جرجير بالقر ب من سبيطلة( ) ، وكان اللقاء الحاسم عند سبيطلة وعلى عاداتهم انتصر العرب على عددهم فهزموهم هزيمة نكراء واستولوا على حصن سبيطلة ( ) وقتل جرجير وأسر وقتل العديد من رجاله وفر الباقون الى السواحل ،فلما رأى رؤساء المدن في افريقية ذلك طلبوا من عبد الله ابن سعد ان يأخذ منهم ثلاثمائة قنطار من الذهب على ان يكف عنهم ويعود من حيث اتى ففعل ، وعاد الى مصر محملا بالغنائم دون ان يترك حامية كما كانت عادة العرب او ان يستغل هذا النصر العظيم ويجعلها قاعة للمسلمين ( ) لقد شهد عقبة فتوحات ابن ابي سرح في أفريقية وابلى في جهاده تحت راية ابن ابي سرح اعظم البلاء ، بالإضافة الى ان عقبة بن نافع كان على رأس حامية (برقة)يحمي الحدود الغربية لمصر فلا يدع الروم يهاجمون مصر من اتجاه ليبيا ، فأصبحت تلك المنطقة القاعدة الاساسية للمسلمين التي ينطلقون منها الى فتح( افريقية)
جهاده في فتح افريقية :-
شغل المسلمون بفتنة عثمان وما تبع ذلك من اضطرابات ، ولم يقوموا بعمل حاسم لفتح افريقية منذ سنة 28 هـ ومن سنة 35هـ (654م) وهي السنة التي قتل فيها عثمان ابن عفان بقي عقبة بن نافع في( برقة) بعد مقتل عثمان بن عفان وفي ايام علي بن ابي طالب ولما استقر الامر لمعاوية بن ابي سفيان اعاد عمرو بن العاص الى ولاية مصر ، فبعث عمرو بن العاص قائده عقبة بن نافع على رأس جيش الى ( افريقية) فأنتهى الى (لواته) وهي من اشهر قبائل البربر ، وكانوا قد صولحوا حتى نقضوا فقاتلهم عقبة حتى هزمهم ، فسألوه ان يصالحهم ويعاهدهم ، لان من عادة الفتوح الاسلامي هو اما دفع الجزية او الصلح والمعاهدة فأبى عقبة عليهم وقال (انه ليس لمشرك عهد عندنا ، ان الله عز وجل يقول “كيف يكون للمشركين عهد “ولكن ابايعكم على أنكم توفوني ذمتي ، ان شئنا اقررناكم وان شئنا بعناكم )( ) وفي سنة اثنتين واربعين للهجرة افتتح عقبة (غداس) ( ) وفي سنة 43هـ) افتتح كور السودان ( ) ، وافتتح ودان ( ) واستمر الفتح الاسلامي لعقبة حتى استتب الامر له في بلاد (ودان ) وسأل اهالها هل من ورائكم من أحد ، قيل له (جرمة) ( )،فسار اليها حتى دنا منها ودعا اهلها الى الاسلام فأجابوا ، وخرج ملكهم يريد عقبة فأرسل له خيلا فأتوا به راجلا حتى اتى عقبة لغب ( ) ، فقال لعقبة (لم فعلت هذا بي وقد اتيتك طائعاً )فقال عقبة.(ادباً لك ، اذا ذكرته لم تحارب العرب ) واستمر عقبة بن نافع لانجاز الفتح ونشر الاسلام في ربوعها من مدن( فزان)

حتى افتتح (خاور) ( ) ، ثم افتتح( كاوار) ( ) حتى وصل اليها دعا اهلها الى الاسلام فأبوا ، فطلب منهم الجزية فامتنعوا بحصنهم فحاربهم، وتقدم بجيشه جنوباً حتى اتى على اخرها وقبض على ملكهم وقطع اصبعه فقال(لم فعلت هذا بي ) فقال عقبة ادبا لك ، اذا انت نظرت الى اصبعك لم تحارب العرب ، وفرض عليهم ثلاثمائة وستين عبداً( ) ،واراد عقبة ان يتجه الى المناطق الصحراوية وبعد تردد لانه لم يكن هناك احداً له معرفة ولا دلالة، ومن الواضح ان عقبة بن نافع كان قليل المعرفة بمدن ونواحي وقصبات افريقية ولذلك كان كلما افتتح مدينة او قصبة يسأل اهالها هل من ورائكم أحد ،أقدم عقبة على التغلغل في الصحراء بقوات قليلة ، وذلك لان الفتوحات الاسلامية جعلت منه قائداً عبقرياً ً ،لان الحركة في المناطق الصحراوية تكون صعبة بقوات كبيرة وايضا ًلقلة المياه فيها ، وان قوات الروم لن تستطيع القتال في المناطق الصحراوية وانما ميدانها المناطق الساحلية التي تتوفر فبها المياه ، وفعلا انجز عقبة التغلغل واستطاع ان يفتح المناطق الصحراوية بكل سهولة. اراد عقبة ان يستمر في فتوحاته الاسلامية حيث سار بجيشه الى المغرب واتجه الى ارض (هوارة)، فأفتتح قصورها وقلاعها ، وتوجه الى( قفصة) ( ) ، فأفتتحها ، ثم اتبعها (قسطيلية)( ) واختتم غزواته بموضع القيروان الذي كان قد اقامه معاوية بن حديج فلم ينل اعجابه .
– ولاية عقبة الاولى وتأسيس القيروان 50 هـ-55هـ /670م-675م
لقد تصدى عقبة بن نافع بهذا الفتح كل القوات المعادية بين (برقة ) و(القيروان ) فأصبحت هذه المناطق خاصة للمسلمين ، ولكي يبدأ الفتح الحقيقي المستمر لأفريقية كان لابد من وجود قائد ذات عبقرية عسكرية يتولى قيادة الفتوح ويثبت دعائم الحكم الاسلامي وهذا ما سيفعله عقبة بن نافع ، وهو اول فاتح عربي
يدخل هذه البلاد الذي حول اعمال الفتوح في افريقية من غزوات تذهب وتعود بالغنائم الى فتوح تهدف الى انشاء ولاية افريقية وامتداداً لحدود الاسلام وادخال كثير من البربر في الاسلام . لم يتح لمعاوية ان يتم فتح افريقية، اذ عزله معاوية بن ابي سفيان سنة(48 هـ ) وقيل سنة 50هـ(670م) وولى على افريقية عقبة بن نافع الفهري وبتوليه عقبة على افريقية يبدأ طور الفتح المنظم . نهض عقبة الى افريقية فخرج ومن معه حتى وصل (القيروان) الذي كان في مدينة (قمونية) ( ) ، ومن الواضح ان العرب المسلمين ايام فترة عبدالله بن ابي سرح متأثرين بها ، وذلك لان اراضيها منبسطة ،وكثيرة المراعي ، وذات تربة خصبة وكثيرة المياه ، ولكنها لا تصلح من الناحية العسكرية لتكون قاعدة اساسية لقوات المسلمين ،
بسبب ان ( قمونية ) يسكنها المسلمين وغير المسلمين ، وهذا يشكل تهديداً للمسلمين وهم في جهاد مستمر لفتح افريقية ونشر الاسلام فيها .
انتقل عقبة بن نافع الى موضع المدينة الكبرى التي عرفت فيما بعد بالقيروان وذلك جنوبي قرطاجنة ( ) وقال لرجاله(ان افريقية اذا دخلها امامٌ اجابوه للإسلام فاذا تركها رجع من كان منهم لدين الله الى الكفر ،فأرى لكم يا معشر المسلمين ان تتخذوا مدينة تكون عزا للإسلام الى اخر الدهر ) وعمل عقبة على ان يكون تخطيط معسكره في الصحراء بعيدا عن الساحل ،وذلك حتى لا تتعرض مدينته لتهديد اساطيل الروم ،فقال له جنده(نقترب من البحر ليتم لنا الجهاد والرباط) قال عقبة (اني اخاف ان يطرقها صاحب القسطنطينية بغتة فيملكها ولكن اجعلوا بينها ،وبين البحر ما لا يدركها صاحب البحر )( )
وبالفعل شرع عقبة في تأسيس مدينة حربية وقاعدة اساسية للمسلمين في القيروان وذلك سنة 50 هـ وقيل سنة 51هـ ( ) وكان
موضعها كثير الحيوانات والسباع والحيات ، فدعا ربه وكان مجاب الدعوة ،ثم نادى ،ايتها الحيات والسباع نحن اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ارحلوا عنها فانا نازلون ومن وجدناه بعد ذلك قتلناه ،فاذا بالدواب تحمل اولادها ،فرأه قبيل كثير من البربر ،وأمر ببناء المدينة ، ودار الامارة والمسجد الجامع ، وبنى الناس دورهم ومساكنهم ومساجدهم بالقيران( )، وكان مع عقبة عشرة الاف فارس فأصبحت المدينة عسكرا للمسلمين يأمنون ويطمأنون على المقام فثبت الاسلام فيها ،فكان عقبة في اثناء عمارة المدينة يغزو ويرسل السرايا فتغير وتغنم ، واتسعت خطبة المسلمين ورسخ الدين، وصارت القيروان مدينة كبيرة وعاصمة للإسلام ( )
عزل عقبة بن نافع عن ولاية افريقية :-
لم تطل ولاية عقبة على افريقية اكثر من خمسة اعوام ، وبعد ما قام به عقبة من فتوحات اسلامية ، فهو اول من فتح (زويلة)، واول من ادخل العرب فاتحين(فزان) ، واول من نشر الاسلام في ربوع ليبيا واول من تغلغل فاتحا في الصحراء الليبية ،حتى اكمل انجاز مدينة (القيران)سنة 55هـ(675م) وجرت الرياح بما لا تشتهي السفن وبدلاً من ان تكافئه الدول بأن تتركه على ولايته الا انه تلقى امراً بالعزل من ولاية افريقية ، فقد عزله معاوية بن ابي سفيان سنة 55هـ (675م) بطلب من مسلمة بن مخلد الانصاري والي مصر ، فهو لم يعزله لتقصير منه او اهمال وانما اراد معاوية بن ابي سفيان ان يكافئ مسلمة بن مخلد، لانه كان من ابرزاعوانه، ومن انصار البيت الاموي الذين اعانوا معاوية على الوصول الى الخلافة( ) واقام مسلمة على افريقية مولى له يقال له، ابو المهاجر دينار، واوصاه ان يعزل عقبة ويحسن معاملته ، ويبدو ان ابا المهاجر دينار لم يفعل ما اوصاه مسلمة بل اساء الى عقبة واستخف به( ) .

وسجنه واوقره حديدا فأقام في الحبس شهورا ، حتى اتاه الكتاب من الخليفة بتخلية سبيله، واشخاصه اليه( ) ، وان ابا المهاجر دينار نزل في موضع غير القيروان التي اسسها عقبة، وانما اختار موضعا يبعد عن القيروان بميلين ،ويقرب من تونس الحالية ،وامر الناس ان يحرقوا القيروان ويعمروا مدينته( ) .توجه عقبة بعد عزله الى الشام وعاتب معاوية وشكا له قائلا(فتحت البلاد وبنيت المنازل، واتخذت مسجدا للجماعة وسكنت الناس ثم ارسلت عبد الانصار فأساء عزلي) ، فأعتذر له معاوية ووعده برده الى عمله( ) ظل ابو المهاجر دينار على ولاية افريقية حتى مات معاوية سنة 60 هـ، وافضت الخلافة الى ابنه يزيد ابن معاوية، وكان يزيد مقتنعا بفضل عقبة على الاسلام، فأستقطع ولاية افريقية من مسلمة بن مخلد، وعزل ابا المهاجر دينار، ورد عقبة بن نافع الى ولاية افريقية.

-ولاية عقبة الثانية على افريقية 62-64 هـ/681-683
سار عقبة الى ( افريقية) حتى قدم على(القيروان)، قبض على ابا امهاجر دينار وحبسه وقيده، وصاحبه كسيلة،وهذه من الاخطاء التي وقع بها عقبة لان كسيلة كان من اكبر زعماء قبائل البرانس ايام ابا المهاجر، وقد اعتنق الاسلام واسلم معه كثير من بني قومه ، وقد نجح ابو المهاجر بفضل مؤازرة كسيلة الاستيلاء على
( تلمسان )( )
وامر عقبة بتخريب المدينة التي بناها ابو المهاجر واعاد الناس الى(القيروان) وشيده فعمرت وعظم شأنها ( ) .
ثم عزم عقبة على الغزو، وخرج في غزواته الكبرى التي وصل فيها الى المحيط الاطلسي ،بعدان استخلف على(القيروان)زهير بن قيس البلوي ومعه جند من المسلمين ، وقيل انه اغزى ابا المهاجر معه الى السوس وهو مكبل بالاغلال ( ) ، واستمر عقبة في سيره يخترق بلاد افريقية حتى انتهى الى مدينة (باغاية)و(قرطاجنة): فهزم الروم و البربر، ودخل الزاب، فاجتمع الروم في تاهرت، وأزرهم فيها بربر لواته وهوارة وزواغة وزناته ومكناسة وقاتلهم قتالا عنيفا حتى قضى على كل مقاومة لهم في المغرب الاوسط( ) ونزل عقبة على (تاهرت)( ) ، فأستغاث الروم بالبربر ،فاجابوهم ونصروهم، والتقى المسلمون معهم وقاتلوهم قتالا شديدا ( ) ، وأقترب عقبة من طنجة وكان يحكمها امير اسمه بليان ، ولا يعرف عن هذا الحاكم اي شيء: فهناك من يقول انه كان ممثلا للسلطان الرومي –البيزنطي من الطرف الاقصى من البحر المتوسط-وهناك من يقول انه كان ممثلا للقوط الغربيين الذين كانوا يحكمون شبه جزيرة ايبيريا في ذلك الحين، وهناك قول ثالث انه بربري تزعم قبيلة عمارة الكبيرة.
على اي حال نجد ان عقبة يتفاهم مع يليان وسالمه عقبة ونزل على حكمه( ) واراد عقبة فتح الاندلس ،فقال له يليان (أتترك كفار البربر خلفك وترمي نفسك في بحبوحة الهلاك مع الفرنج) فسار عقبة بجيشه غازيا حتى نزل مدينة (ليلة) ( ) .
وأستمر في مغامرته الكبرى حتى وطئت جيوشه ارض السوس الاقصى ، واطاعته سلائر قبائل البربر مثل هسكورة وجزولة ورجراجة وصودة ( ) .
حتى بلغ البحر المحيط فدخل فيه حتى بلغ الماء بطن فرسه ،ثم رفع يديه الى السماء، وقال (يارب لولا ان البحر منعني لمضيت في البلاد الى مسلك ذي القرنين مدافعا عن دينك، مقاتلا من كفر بك)( ) ثم قال(اللهم اشهد، اني قد بلغت المجهود ، ولولا هذا البحر لمضيت في البلاد اقاتل من كفر بك ،حى لا يعبد احد من دونك) ( )

استشهاده:-
رجع عقبة بن نافع الى القيروان بعد ان وصلته أخبار مقلقة ، ويذكر د.حسين مؤنس بأن الكثيرين من جنوده يستأذنونه في الاسراع الى القيروان فقد طال غيابهم عن اولادهم واهلهم فيأذن لهم ويبقى في عدد قليل من رجاله( ) اتجه عقبة نحو المغرب الاوسط فلما بلغ مدينة طبنة( )اذن لمن معه من اصحابه ان يتفرقوا ويقدموا(القيروان) فوجا فوجا( ) ولم يستبق معه سوى خمسة الاف ، وسار هو الى مدينة (تهوذة) ( ) ليستولي عليها، ويجعل منها قاعدة حربية لقواته في منطقة اوراس، ولكنهما كاد يقترب منها حتى اعترضه كسيلة بن لمزم الاوربي البرانسي بجموع هائلة من البربر البرانس، الذي كان مضمراً للغدر فلما رأى الفرصة سانحة له جمع اهله وبني عمه وقصد عقبة( ) وهذا كله يرجع الى معاملة عقبة لرؤوساء القبائل البربر، قطع كسيلة على عقبة خط الرجعة، وجد عقبة نفسه محاصر امام هذه الجموع الهائلة من البربر والروم باقتراب نهايته، فأراد ان يبعث ابا المهاجر ومن تبعه من المسلمين الى القيروان، ويبقى هو لقتال البربر، فأبى ابو المهاجر الا أن يغتنم الشهادة معه، وخاضت هذه الجماعة الصغيرة معركة الموت ببسالة
وكسروا اغماد سيوفهم ودارت الموقعة عند تهوذة سنة(63هـ) فأستشهد عقبة وابو المهاجر وسيفاهما في ايديهما ، واستشهد معهما عدد كبير من المسلمين، واسر الباقون،فقد اهم صاحب قفصة، وبعث بهم الى زهير بن قيس ، الذي استخلفه عقبة على القيروان( ).وكانت تلك نهاية القائد الشجاع عقبة بن نافع وهي نهاية حافلة بالبطولات والامجاد دفن عقبة بن نافع الذي انشأ القيروان بالقرب من بسكرة ويعد مسجد عقبة الذي يضم قبره مع كثير من الصحابة الذين استشهدوا معه من اقدم المباني الاسلامية في افريقية ولهذا المسجد مئذنة مربعة( )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *