الرئيسية / كتاب وشعراء / إشاعة جنون……قصه قصيره بقلم محمد الصباغ

إشاعة جنون……قصه قصيره بقلم محمد الصباغ

فجأة قد صار حديث كل من إلتقيته من معارفنا المشتركين ؛ كان قد بدأ نبوغه مبكراً وقد شاعت شهرته لوقت ؛ ولكنه من تلقاء نفسه ؛ حَجم معارفه وأغلق علي نفسه إلا للضروري من الحياة ؛ وقد كان هو نفسه بالنسبة للكثيرين من المعارف والأصدقاء هو كل الحياة . وبعد سنوات من إحتجابه الإختياري عاود الظهور من تلقاء نفسه ؛ وقد تواجد في محيط من لازالوا يدركون قيمته ويحفظون له الجميل بعد أن أخذ بيدهم في بدايتهم . ولكن أيضا فجأة قال بعض من الأصدقاء والمعارف : “أنه تجنن ” فقلت لكل من تقول عليه بالجنون : “تجنن عن ماذا ؟! .. ماذا كان وكيف أصبح ؟! “

كان قد مضي زمن لم أكن إلتقيته شخصيا ؛ وكنت فقط أتتبع أراءه وما يكتب وما يقول من بعيد لبعيد ، وكنت أقدر دائما ما يقول ؛ فقد كان يجتهد في أن يكون حكيما عن علم وعن معرفة وعن صدق ؛ وكان يجتهد في أن يكون متعففا وكان يحقق رغباته وما يحتاج إليه بعفة وكان يأخذ من متع الحياة الميسرة له بلطف وبعدم نهم . وكان هو أول من حطم صنم ” الديكتاتورالأول ” الذي أفرخ كل الديكتاتوريين الذين أتوا من بعده وقد نموا في مزارع الديكتاتورية . كان قد فضح الديكتاتورية كلها وأثرها في هدم الدول لا بنيانها ؛ من خلال ما وقف حياته عليه من تعرية “الديكتاتورالأول ” وقد تمكن من كشف حقيقته وقد عراه بما استطاع أن يجمع من وثائق ، وكانت دراسته في مساوئ الحكم الديكتاتوري ؛ مهما حقق من إنجازات ظاهرية إلا أن المحصلة في النهاية سوف تكون هدم الوطن ؛ كانت هذه الدراسة تحديدا قد جلبت له الكثير من العداوات ؛ حتي من بين محيط أصدقائه الشخصيين ؛ وجلبت عليه الحصار في الحياة وفي العمل ؛ وفي تحجيم وجوده علي شاشات خارطة المصالح . وربما كانت هذه العداوة المهنية له في مجال دراساته ؛ هي ما أُستغلت في محاولة هدمه بإطلاق شائعة جنونه ؛ حتي تنتفي جدية ما كشفه من معلومات عن حياة ” العهد الديكتاتوري المتواصل ” .
لما رأيته في سوق الكتب القديمة ؛ فرحت بصدق لمرآه وأقبلت عليه كما كنا في ودنا القديم قبل البعاد وقلت له : “لازلت علي عاداتك ؛ توجد حيث توجود الطبعات القديمة من الكتب ” فقال مبادلا التحية : “هل فرغت ؛ إذا كنت أنجزت ما جئت له ؛ سوف أدعوك للقهوة ؟! ” فقلت له : “فلنذهب طيرانا ؛ فلم يحضر ليٌ البائع ما وعدني بأن يحضره “. قال : ” إن المقهي مواجه للسوق ؛ فلنذهب حالا ” . حمل ما اختار من الكتب ؛ ومضينا متجاورين نتحدث عن أحواله بنمط الأسئلة التقليدية عن الصحة والأولاد ؛ وما أصبحوا عليه الآن وكان قد إنقطع تبادل المعرفة عن أحوال أسرتينا منذ كان أولادنا صغاراً . ولما فرغنا من هذا الحديث الإعتيادي سألته مباشرة عن ما يردده البعض من أصدقائه هو عنه وعن جنونه “المزعوم ” وقد علمت منه فور إلقائي السؤال ؛ أن ما يقولوه قد بلغه أول ما قالوه فقد كانت دوافعهم وقتها حاضرة ؛ لإختلافهم معه علي ما إحتواه كتابه الأول عن مساوئ ” العهد الديكتاتوري ” . وقال ليٌ البعض يتحدث عن جنوني وهو كلام مغرض وتافه وقد أرادوا تحطيمي به ؛ و كما تعلم : ” كعادة الناس اللامألوف هو الجنون وعموما فأنا أري الجنون ليس صفة فيٌ ؛ وهو أصلا صفة غير حقيقية ؛ لأن ما يأتي به المجنون هو عادة من الأفعال الإعتيادية التي يأتيها البشر في السر ؛ وبعضهم يأتيها علانية ؛ وربما أزعجت دراساتي بعض المضرورين من إنتشارها فاخترعوا “لعبة الجنون”هذي .
فقلت له وقد جرت الكلمات علي لساني دون أن أحسب وقعها عليه ودون أن أحسب أثرها فيه : ” ولكن التزمت في المثالية أيضاً جنون وربما يكون نوع من الجنون الخطر لأنه قد يقتل صاحبه ؛ وخصوصاً إذا كان مصحوباً بالتقتريرعلي النفس أو علي من نعول “.
لا تسعي إلي أن تملك أكثر من حاجتك ؛ فربما كان في ذلك شقاءك وعدم رضائك الدائم عن الحياة ؛ ربما كان في ترفك ؛ ذل الحاجة لمن إكتنزت دونهم أسباب البقاء علي قيد الحياة ؛ لا تسعي إلي أن تملك أكثر مما يكفيك ؛ فربما كان في تخمتك هلاك لآخرين .
قلت وكأنك تترك الفرصة عمداً للآخرين لكي يفسدوا عليك حياتك ؟؟
فقال آسيا : “لم يبق في المصفاة إلا القليل من كل شيء والقليل من الرفاق ؛ رغم أن الفتحات علي حالها ؛ إلا أن البعض سقط بإرادته “.
فقلت له : صحيح أن كل مرجوا “إشاعة الجنون ” عنك من مجموعة المتعاونيين مع ” أجهزة الأمن ” ولكن إحتجابك المتواصل قد ساعدهم علي ترويج الإشاعة . فقال : “من عيوبي ما تقول ولكن هذا ليس من جنوني : كثيراً ما أصنع “مسافة براح” بيني وبين البشر حتي لا أزعجهم بوجودي ، فإن أرادوا هم اﻹقتراب فهذا من دواعي سروري “.
فقلت له وقد بدأت أستشعر ما يعاني من أذي ويكتم هذه المعانة ؛ بإلتزام صرامة في السلوك وتجنب خوض معارك الدفاع عن النفس في الضروري مما يجب رده : ولكن حذار فهم يصورونك وقد نجحوا في ذلك ؛ فأنت في تصويرهم ؛ وحيد جداً وضائع جداً وميت جداً ومجنون أيضاً . فقال لا مبالياً بما قلت تواً : “البعض يقتلك عفواً ؛ والبعض يقتلك عمداً ؛ ومن يريد أن يقتلك سوف يقتلك وسوف يختلق كل الأعذار للتغطية علي جريمته : كل الناس يملكون رصيداً هائلا من الأعذار ؛ مخزون الأعذار ؛ أكثر من حاجة الأفعال المعتذر عنها ؛ وكأن الحياة فقط قد خلقت للإعتذارعن كل الأفعال فيها ؛ في حين أن الأفعال الواجب الإعتذار عنها ؛ لا أحد يعتذر عنها ؛ لا أحد علي الإطلاق “.

أدركت وانا أودعه في نهاية جلسة المقهي لماذا أصبحوا يطلقون عليه صفة الجنون ؟؟ .. فقد كان فعلا مختلفا عن باق البشر ؛ بما قد يثير غيظ كل البشر .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *