الرئيسية / كتاب وشعراء / الكــــتابة بــــمداد الـــــدم……شعر المفرجي الحسيني

الكــــتابة بــــمداد الـــــدم……شعر المفرجي الحسيني

نفذ العتاد من المدفع الرشاش في ساحة الوغى
استغربت أنظر إلى جسدي المسجى بجانب المدفع
رفاقي في خنادقهم بجانبهم جسدي المسجى
يستخدمون بنادقهم
غير ابهين بجسدي حتى الآلية التي بجانبها جسدي
أحلّق في الصعود
تذكرت وعرفت كل شيء إلا شيئاً كنت أجهله
ما شكلي الآن وأنا محلّق فوق ساحة المعركة
أشعر الآن بحرية غامرة جديدة متناهية
تذكرت إني أكره كل النساء بما فيهن هي!
تذكرت إني بدون أصدقاء منذ طفولتي
تذكرت إن أطفال القرية يرمونني بالحجارة
كلما مررت بينهم حتى في المدرسة لم يلازمني أحد كصديق
لماذا؟ سؤال أبحث له عن جواب دوماً
بقي السؤال دون جواب؟.
عزلتي أوجدت لي هوايةً ملاذاً وصديقاً
عندما أقرأ بصمت في تتابع السطور وبحر من النسيان
أبغض درس الرياضة
هذه الهزيمة الثانية لي
أسيح بين رفوف خزان الكتب هالني ما قرأت من كتب
وما لم أقرأ بعد
أثناء هذا التأمل كنت أحدّث مؤلفي الكتب وإبطالها
أتأمل السياب يكتب «أنشودة المطر» جميع الكتب
لا تميل نفسي إلا لما كتبه الإنسان بمداد دمه
الدم روح وليس من السهل أن يفهم الإنسان دماً غريباً
جسدت الكتابة بالعطاء
تحليقي عالياً انبسطت أساريري
الهواء يداعب إحساسي بنسماته المعطرة
حدقت في الأرض نظرت لا زال أُوار المعركة جارياً
جهة أخرى بهائم تهيم على وجهها
غمرني إحساس بالضحك والسخرية
خاطبت الرجال من فوق
لقد انقطع كل حبل بيني وبينكم
السحب السوداء المنذرة بالخراب هي سحبكم أسخر منها
تنظرون إلى الأعلى عند شوقكم للاعتلاء
أنا علوت أصبحت أتطلع إلى ما تحت قدمي
وأستهزئ بجميع المآسي
ومسارحها بل أستهزئ بالحياة
أضحك منها فهل منكم من يستطيع الضحك مثلي
.ــ ظل يتحدث ويخاطب من ينظر إليهم
من فوق كأنه يلقي درساً أو يمثل في مسرحية تراجيدية
.ــأحبّوا بعضكم بعضاً وأحبوا الحياة
أنا أعشق الحياة
كونوا حكماء كونوا شجعاناً
الحكمة والحياة لا تريدان إلا شجعاناً
إن من يدرك السعادة هي الفراشات
ــ وظل يحدث ويتحدث
سمع قرب داره منادياً ينادي بشراء كل شيء مستعمل حتى الكتب
نادت عمة المنادي اقترب لدينا كتب كثيرة للبيع
أمسك بذراعه فوق معلمه الذي علمه حب الكتب والمطالعة
قال له وكتبه تخرجها عمته ليشتريها المنادي
يبدو يا ولدي أن الإنسان المتفوق لن يولد هنا وأن كل ما قلته هراء
قال له: لم يكن هراء يا معلمي ولكن المخاض هنا عُسر
ليس عُسر امرأة
أفلت المعلم يده واختفى في العالي
ظل يصرخ ويصرخ
لا أمه ولا عماته ولا خالاته أو أحد من النساء يسمع صوته
احتج بعنف
حمل المنادي كتبه ببخس الأثمان
ـــ عشقت الآن العودة إلى جسدي
فتشتتت بين الأجساد المتناثرة
لا يوجد جسدي قرب المدفع الرشاش
سألت بعضهم عن جسدي
قالوا لي: نحن لا نعرفك
أيها الصحبة كنت معكم كان جسدي هنا
قال أحدهم ضاحكاً الجسد المتعفن المتقطع
نالت منه الكلاب نصيبها حتى النسور
لقد طمروه عميقاً بعيداً حفاظاً على صحة البهائم
انهمرت الدموع من عيني
جاءني معلمي أمسك بيدي بإشفاق وحنان
لقد آلمتني يا فتى لقد اوجعت قلبي
في داخلك بل في عينيك
ما يفصح عنك أكثر من حديثك
اقتحامك الأخطار
يا فتى إنك لما تتحرر بعد
إنك ما زلت تسعى إلى الحرية
جاهدت نفسك بالبحث عنها
أصبحت مرهف الحس كمن يسير في المنام
: يا معلمي أعرف إنك تريد الصعود طليقاً
نحو الذرى محرراً من كل شيء
: أنا معلمك وتابعك
لقد هزأت منك البهائم
أنا أشتاق إلى مسارح النجوم
لكن هاجسي السيئ يشتاق إلى الحرية
ـــ أفلت المعلم يد الفتى وغاب ساخراً منه
ـــ همت في العالي في الذرى الزهرية
أبحث في مصحات الأمراض العقلية
في عواصم الدنيا كل المدن الكبيرة
عن إنسان متفوق عن نبي مجنون
هذا ليس عُسر امرأة
هذا ليس حديثي ولكن هذا ما حصل
فهل أنا مجنون؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *