الرئيسية / ثقافة وفنون / خالد جعفر يكتب : أنا وكليوباترا

خالد جعفر يكتب : أنا وكليوباترا

 إن صح عند الناس أني عاشق ، غير أنهم لم يعلموا عشقي لمن !
جئتك بهمس و ناديتني بشوق ، أعانق بحبك صدر الكون .
يا رغبة العمر الطويل . يا شعورا أكبر من الكلام . يا نسمة حب طلة ، و ابتسامة عمرنا .
يا غنوة دافية مالية روحنا و قلبنا . أكتب إليكِ و عنكِ . أراكِ على صفحات أوراقي .
تتموج السطور أمام عيني كموج بحركِ الهادئ ، ثم تضييع الكلمات .
إلى عالمك المجنون سأبحر بلا توقف ، و على شاطئك الساحر أقف مليًا ؛ لأبدأ رحلتي من جديد .
تعلمت الأبجدية على يديكِ و أول حروفي كتبتُها عنكِ . عشقي لكِ ثقافة بلا حدود ،
قرأتُ فيكِ التوراة و الإنجيل و القرآن . وصليت جميع الصلوات . على شاطئكِ الساحر تنتظرني ” كليوباترا ” ،
ألبستني ملابس الرومان ، أمسكت بذراعي و صرنا جسدين بروح واحدة .
و مع كل نسمة من نسمات البحر نذوب معًا ، فأكون أنا هى ، و هى أنا .
وعلى مسافة ليست ببعيدة ، ألمح أنطونيو وأوكتافيوس وقد تملكهما الغيظ والحسرة .
أخذتني ” كليوباترا ” في موكب ملكي تشير بيدها لأسطولها البحري و ترد لهم التحية ،
و ترفع يدي معها و كأنني ملكها المتوج ، و بإشارة من يدها توقف الموكب ،
و أخذتني إلى مكان لا تغيب عنه الشمس كما يقولون .
شعرتُ فيه بروح جديدة تسري بداخلي ، و اتسعت عيناي رهبة و عجبًا و أنا معها .
بدأ سيرنا في بهو عظيم على ممشى من الرخام الملون برسوم شدت عيني إليه ،
و إذا بيدها تنبهني أن أنظر إلى أعلى ، فالملوك عيونهم دائمًا تنظر فى الأفق البعيد ،
و رؤيتهم تنتهي على الشاطئ الآخر من البحر . و كأنها تقول لي : روما .. روما .. اجعل عينيك صوب روما .
و نظمت خطوتي على خطوتها لرد التحية على الحرس الواقف على الجانبين إلى أن وصلنا إلى مبنى عظيم ،
بوابته و كأنها طاقة نور تملأ الدنيا ضياءً . أعلاها مظلة على شكل قرص الشمس ،
و إذا بها تشد على ذراعي حتى لا أسقط هولًا مما أراه ،
فالملوك إذا سقطوا انتهى ملكهم . و أنا لم أكن يومًا ملكًا ،
لكنني حاولت جاهدًا أن أظهر بصورة الملوك ،
و بدأ طابور من رجال لهم رهبة و مكانة . فأشارت لي هذا أفلاطون ، و هذا إقليدس ، و هذا جالينوس ،
فعرفت أن هذا المكان هو ” مكتبة الإسكندرية ” التي طبعت على العالم فكرًا و حضارة ، أنارت ظلام الدنيا ولم يعد لليل وجود .
و بدأ شعوري بالتواضع . وهنا أدركت أنني لستُ ملكًا .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *