الرئيسية / بروفايل / صلاح رشاد يكتب : المنصور  ، جبار بني العباس ومؤسس الدولة العباسية

صلاح رشاد يكتب : المنصور  ، جبار بني العباس ومؤسس الدولة العباسية

(1)
حكاية المنصور

أبو جعفر المنصور حكايته حكاية ويحتاج إلي حلقات وليس حلقة واحدة .. لأنه المؤسس الحقيقي للدولة العباسية وكل الخلفاء العباسيين الذين جاءوا بعده حتي سقوط الخلافة من صلبه ..يعني هناك 35 خليفة من ذريته .. وإسمه كاملا عبدالله بن محمد بن علي بن عبدالله بن العباس بن عبدالمطلب .. وكنيته أبو جعفر ولقبه المنصور .. وكل مؤسسي الدول إلا من رحم الله كانوا جبابرة .. وقصة أبي جعفر تشبه في بعض تفاصيلها قصة عبد الملك بن مروان .. فكلاهما المؤسس الحقيقي لدولته .. وكان أبو جعفر في مقتبل شبابه يطلب العلم وكان عنده بعض الفقه لكن لم يكن في عمق وغزارة فقه عبدالملك .. ووصف المؤرخون المنصور بأنه فحل بني العباس هيبة وحزما ودهاء وجبروتا ..وكان جماعا للمال تاركا للهو خليقا للإمارة ..قتل خلقا كثيرا حتي استقام ملكه ..وقال له عمه عبدالصمد يوما :”ياأمير المؤمنين مالي أراك هممت بالعقوبة وكأنك نسيت العفو ” فرد عليه المنصور قائلا : لأن بني أمية لم تبل رممهم .. وآل أبي طالب لم تغمد سيوفهم “يقصد أبناء عمومته من العلويين الذين خرجوا عليه ” ،ونحن في قوم رأونا بالأمس سوقة “يعني من عامة الشعب ” فلن تتمهد هيبتنا في قلوبهم إلا باستعمال العقوبة ونسيان العفو

(2)

..جبار بني العباس

فعل أبو جعفر المنصور كل شيئ من أجل ان يستقيم ملكه الذي توارثته ذريته جيلا بعد جيل علي مدار 526 سنة هي عمر الدولة العباسية ..وقسم أعداءه إلي أربعة .. عدوه الأول اللدود أبومسلم الخراساني سيف بني العباس وباني دولتهم لأنه كان رأس الحربة في زوال دولة بني أمية ؟

العدو الثاني عمه عبدالله بن علي أحد جبابرة بني العباس وكان داهية شجاعا مهيبا ..وكان عبدالله واليا علي الشام.

العدو الثالث العلويون وبصفة خاصة محمد وإبراهيم إبنا عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عن آل البيت أجمعين.

عدوه الرابع عيسي بن موسي إبن أخيه وكان ولي عهده وفقا لوصية أخيه أبي العباس السفاح .. وكان المنصور مصمما علي أن يطيح بإبن أخيه لأنه لم يفعل كل فعله ولم يخض الأهوال ويغوص في بحار من الدماء من أجل أن يقدم ولاية العهد ثمرة ناضجة لابن أخيه .

واضح أن المنصور كان لايبالي بالقرابة فمن يقف في طريقه سيعصف به حتي لوكان أمس الناس به رحما . . وصدق من قال الملك عقيم يعني من يجلس علي كرسي السلطة لايري الانفسه ومن يقترب من الكرسي لن يرحمه.

كيف تخلص المنصور من هؤلاء الأعداء الأقوياء ؟

لم يكن الأمر سهلا لكن مع جبار داهية قادر علي استغلال أنصاف الفرص مثل المنصور ..كانت الطريق تبدو ممهدة في بعض الأحيان وخاصة أنه كان حريصا علي أن يضرب بعضهم ببعض ثم يتخلص ممن مازال منهم في حلبة الصراع . وهكذا هم مؤسسو الدول في معظم الأحيان لديهم من الشجاعة والدهاء والحنكة وحسن السياسة والخبث والمكر مايجعلهم قادرين علي فرض كلمتهم وسطوتهم علي الجميع .

لماذا كان المنصور يبغض أبامسلم الذي كان له نصيب الأسد في بناء الدولة العباسية .. ولماذا أصر علي التخلص منه وكيف واتته الجرأة علي إتخاذ هذه الخطوة والدولة مازالت في مهدها ولم تستقر بعد ؟

(3)

سيناريو الخلاص من أبي مسلم

قلنا إن المنصوريستحق حلقات وحلقات لأنه مؤسس دولة.. وشخصية مؤثرة في التاريخ .. كان المنصور يكره أبا مسلم كرها شديدا رغم ان أبا مسلم تقريبا هو الذي بني دولة بني العباس ،وكان البيت العباسي كله يقدر صنيع أبي مسلم وعلي رأسهم الخليفة الأول أبو العباس السفاح، لكن تركيبة ابي مسلم المغرورة المتعالية والذي أصر علي أن يدس أنفه في كل أمور الخلافة كل ذلك لم يكن يتناسب مع شخصية قوية وشديدة الدهاء والذكاء مثل المنصور يريد من الجميع أن يكونوا طوع أمره .. وهنا يظهر سؤال لماذا كان السفاح يتهاون مع ابي مسلم ؟

لأن السفاح كان يقدر صنيع الرجل الذي بني دولتهم كما أن المشرق الإسلامي كله كان في قبضة أبي مسلم تقريبا ،وكان جبارا سفاكا للدماء ومن أبشع الشخصيات في تاريخ الإسلام .. ومن وجهة نظري المتواضعة أن أبامسلم كان أسوأ من الحجاج بمراحل لأن الحجاج له حسنات في بحر سيئاته مثل الفتوحات التي تمت في عهده ،لكن أبامسلم كان وبالا علي المسلمين وقتل منهم مئات الآلاف دون أن يرمش له جفن وبعض الروايات تزيد العدد إلي 2 مليون ..

كان المنصور يعتقد أن شخصية مثل أبي مسلم من الممكن أن تخرج عن السيطرة في أي وقت ،خاصة أنه يملك القوة والسلاح والهيبة ،فكان لايدخل أحد علي أبي مسلم حتي من رجاله المقربين إلا وهو “لابس كفنه” تحت ملابسه لأن أسهل شيئ عند أبي المسلم كان القتل وسفك الدماء ..واستدراج شخصية جبارة ومرعبة مثل أبي مسلم للفخ والخلاص منه عملية ليست سهلة علي الإطلاق وتحتاج إلي مكر وخديعة وخطة محكمة . .وكل هذه الوسائل كانت موجودة عند المنصور جبار بني العباس ..فماذا فعل وكيف سار ابو مسلم إلي طريق الهلاك..وهل كان هناك أمل في النجاة..

(4)
المنصور وأبو مسلم .. وبداية الصراع

رغبة المنصور في قتل أبي مسلم لم تظهر عقب توليه الخلافة وإنما في خلافة أخيه السفاح .. وقال له صراحة يوما إن أبا مسلم في رأسه غدرة (يقصد أنه من الممكن ان يغدر ويخرج علي الخلافة يوما ما ) فدعني أقتله .. قال السفاح وكيف ذلك ؟ قال أغافله وهو داخل عليك فأقتله .. طبعا المنصور كان سيقتله بالحيلة والخداع .. وليس بالمواجهة الصريحة ..فوافق السفاح مبدئيا لكنه سرعان مارفض لأنه كان متخوفا من العواقب .. وهنا يظهر سؤال جديد هل المنصور كان يبغض أبا مسلم لمجرد أنه في رأسه غدرة ؟طبعا لا .. فيه أشياء أخري كانت تزيد غل المنصور من أبي مسلم ..فقد كان يظهر التجاهل له أحيانا مثلما حدث عندما التقي مرة مع السفاح وكان بجواره المنصور فقال له السفاح ياأبامسلم هذا أبو جعفر .. “يعني يريد منه أن يقدم التحية والولاء لأخيه الأكبر وولي عهده ” فقال أبومسلم : يا أمير المؤمنين هذا مقام لايؤدي فيه إلا حقك.. (يعني بالبلدي بيقول للسفاح رضاك أنت فقط هو الذي يعنيني أما أخوك مايفرقش معايا ) .. وهذه من كوارث أبي مسلم أنه أساء تقدير قوة عدوه ودهائه والمستقبل الذي ينتظره .. هل كان يظن أن العمر سيمتد بالسفاح حتي يصبح إبنه شابا ثم يوليه العهد بدلا من المنصور ،هل كان يظن أن المنصور سيموت قبل اخيه الخليفة علي اعتبار أنه اكبر بحوالي 10 سنوات .. ربما ..لكن هذه حسابات من يأمن القدر ولايحتاط لتقلبات الأيام .. وهنا يظهر سؤال آخركيف لرجل حرب من الطراز الأول ومن أبرع بناة الدول في التاريخ مثل أبي مسلم يواجه الحروب وأخطار الموت باستمرار يأمن القدر ولايعمل حساب الغد .. ربما كانت ثقة زائدة ،وربما كانت يقينا بأن بني العباس لن ينسوا صنيعه ولن يفكروا في التخلص منه بعد أن بني لهم دولتهم وكان من أهم أسباب زوال ملك بني أمية .. طبعا واحد ممكن يسأل هو مين اللي بني الدولة أبو مسلم ولا المنصور .. أبو مسلم هو باني الدولة بلامنازع لأنها لم تكن موجودة عندما ذهب إلي خراسان بمفرده راكب حمار “من غير بردعة “فيزيل ملك بني أمية في خراسان والمشرق الإسلامي كله تقريبا في أقل من 9 سنوات .. ،أما المنصور فهو الذي أسس الدولة العباسية .. يعني جعلها تقف علي أرض صلبة وثبت أركانها .. وهكذا ظهر الصراع مبكرا بين باني الدولة أبو مسلم ومؤسسها أبو جعفر .. الصراع كان غير معلن في عهد السفاح لكن بمجرد موته دخلت العلاقة بين هذين الجبارين منعطفا جديدا .. نتعرف علي تفاصيله في الحلقة المقبلة إن شاء الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *