الرئيسية / كتاب وشعراء / ثنائية الضوء و الظلمة في مجموعة ” نصف قمر على ليل الحديقة ” للشاعر ” لطفي الشابي”(1)

ثنائية الضوء و الظلمة في مجموعة ” نصف قمر على ليل الحديقة ” للشاعر ” لطفي الشابي”(1)

كتب :الهادي عرجون

    تطل علينا المجموعة الشعرية ” نصف قمر على ليل الحديقة ” للروائي و الشاعر التونسي لطفي الشابي الصادرة عن نقوش عربية للطباعة و النشر سنة 2016 و هي بمثابة خلاصة اكتنزت أبجدية الشاعر الأسلوبية، وأبرزت خطوطه الشعرية والإبداعية بعد مجموعته الشعرية ” واقفون هنا و المدى واقف ” الصادرة سنة 2011 ، فجاء ديوانه بمثابة امتداد شعري ، فلفظه لا يخلو من ألم وحزن و شعره لا يخلو من وجع لدرجة أنك لا تستطيع أن تقرأ شعره دون أن تشعر بحزن معانيه و بألم التجربة و بهول الواقع الذي يرمي تعريته للقارئ. تقول الناقدة المغربية ” ناهد الزيدي ” (2) بعد تصفحها دفتي هذا الديوان: ” هذا المجموع ، عاودت ألواحه الشعرية مرارا … و في كل مرة كنت أعود إليها أحس أنني أرتعش من هول تصويره للواقع التونسي على مر سنوات من الليل … درجة عالية من الشاعرية تنهل من روافد روح الإنسان التونسي المستباحة بجنون التاريخ السياسي القمعي الذي سقطت فيه البلاد … قول يردد حتى آخر قطرة حياة نشيد الحياة و لا ييأس منها و هي تنأى…”

   ضمت المجموعة 128 صفحة حملت بين طياتها 45 قصيدة فيها من الصوت الشعري الحزين و الموجوع تارة و الغاضب الصارخ في وجه الظلم مع طغيان معجم النور و العتمة و التي كان لها دور كبير في التعبير عما يختلج في ذات الشاعر من مشاعر الحزن و الوجع فشاعرنا يضيق بوطنه بهمومه يفضح الكلمة بكل معانيها لتطلّ علينا فاتحة ذراع القصيد على عوالم الشاعر.

     وقد تنوعت قصائد الديوان من حيث الغرض، فنجد العاطفي، والوطني، والسياسي، والاجتماعي، كما تتناسق و تجتمع الأغراض في قصيدة واحدة بانسيابية مدهشة. فالشاعر يعبر عن خوالج النفس يتحدث عن تجربة ذاتية تعبر عن تجارب و أحاسيس جماعية.

      فالكتابة الشعرية تستوجب تنوعا في الأسلوب و الإيقاع إلا أنها تختلف في تصنيفها من حيث مواضيعها مهما تنوعت الأشكال و تعددت المواضيع فهي تجربة حياتية غير مخصوصة منفتحة على القارئ.

    ولم ينفك الشاعر لطفي الشابي قط عن واقعه، إذ إن الوظيفة الأولى للشعر –لاسيما المعاصر- هي التعبير عن الواقع ونقل معاناة الناس وطموحاتهم من خلال صوت الشعر، فجاءت معظم أغراضه كما أشرنا إنسانية اجتماعية وطنية، مع ظهور خطوط تماس مع المدرسة الرومانسية مع الإغراق في الخيال الذي من العادة أن يوشح به الشعراء نصوصهم.

    فالشاعر لطفي الشابي يظللنا بسحابة سوداء قاتمة انعكست على صفحات الديوان فبدا معجم الحزن والألم طاغيين و هذا ليس جديدا على شعراء عصرنا حيث عبر عن ذلك اسماعيل عز الدين بقوله: ” و في شعرنا المعاصر استفاضت نغمة الحزن حتى صارت ظاهرة تلفت النظر، بل يمكن أن يقال إن الحزن قد صار محورا أساسيا في معظم ما يكتب الشعراء المعاصرون من قصائد ” (3).

    و هو ما عبر عنه كذلك الباحث صدقي إسماعيل عندما علق على أحزان المتنبي بقوله: ” إن الألم ثمن رائع للمجد، و إن الجهلة وحدهم ينعمون بمسراتهم … أما الرجل العظيم فإن فشله و أحزانه جبارة كنفسه “(4)

   و قد تجلى ذلك في بناء نصوصه من خلال اعتماده على ثنائية الضوء و الظلمة و توظيفها لخدمة النص للدلالة على الوجع و الألم تارة و للدلالة على الفرح المغلف بطابع الحزن خاصة و أن البناء التكويني للعالم منذ خلق الله الأرض و من عليها وما يزال تمثل حركة تصادم وصراع بين الأشياء : (( صراع الأضداد ) فالحياة قائمة على مجموعة من الثنائيات لا يقوم أحدها إلا لنفي الآخر أو إثباته وفق حتمية تاريخية مرتكزة على مجموعة من الثنائيات و المتضادات ( الخير ≠ الشر، الحياة ≠ الموت، الضوء ≠ الظلمة، الأبيض ≠ الأسود …).

       فبتصفحنا للمجموعة الشعرية ” نصف قمر على ليل الحديقة ” نتبين من العنوان أن الشاعر لطفي الشابي يضع نصب أعييننا الحاله النفسية التي يعيشها لحظة الكتابة حيث أنه يعيش حالة صراع بين الألم و الحزن من جهة و السعادة و الفرح من جهة أخرى ليتحول النص و يرقص بين لغة ضوئية إن جاز وصفها تتلاشى تحت سلطة الظلمة فعبارة مثل (ظلام، الظلمة، الليل…) تكررت في المجموعة 73 مرة، يقول في نص ( حوار الضفاف ): ” أطوي الظلام على الظلام ” (ص 77) و كذلك في قوله: ” و يسمع في آخر الليل صرخته النازفة/ سيعلو الظلام و يزهر…/ ستعلو وصايا الظلام و يطلع …/ سيعلو الظلام ” نص ذاكرة الغراب (ص 27). دون اعتبار الألفاظ التي تدل على معنى الظلمة في حين أن عبارة الضوء بجميع مشتقاتها قد وردت 59 مرة، و الأمثلة كثيرة على ذلك في صفحات الكتاب  مع العلم أن لفظة الضوء جاءت في بعض المواضع لتدل على الظلمة كما في قوله: نص “مفرد الروح” (ص12): ” لا ضوء فيها …” و كذلك في نص “وجهان ” (ص13):” فارقت وجهك مذ فارقت ضوء يد ” و كذلك في قوله ” عبثا نقشت له الجناح من الضياء كسر الجناح” (ص 43) و أيضا حين يقول: ” غرقت مراكبك المضيئة عند أول رحلة ” (ص 46).

    فهذه الثنائية (الظلمة الضوء ) استعملها الشاعر للتعبير عن الألم و الوجع الذي رافقه و عبر عنه بصورة جلية فهو يحاصرنا بنمطية فرضها على طول المقاطع الشعرية في الديوان فلا  يخلو نص من نصوصه إلا وقد وشحه بسوداوية رغم ما فيها من بصيص نور و أمل فنصوصه كلها وجع و ألم و هذا مرده البعد النفسي الداخلي الذي يمثل منظور شخصية الشاعر أو رؤيته للأشياء و يمكن هنا أن نورد مجموعة من الأمثلة كالآتي:

  • “الحزن يقلق و التجمل يردع و الدمع بينهما عصي طيع” (ص14).

  • “يحاور أوجاعه الصامتة / و يحنو على فكرة في يديه / و يبكي فأبكي” (ص53).

  • “من ركب الأوجاع في الهمس الزلال و بدل الأضواء / من جبهة الضياء/ بالمآتم و العويل “(ص58).

  • “يا ليل خذني من جراحي/ شد الظلام على المواجع في دمي “(ص61).

  • “و لم أدق على المواجع بالنحيب كما أشاروا” (ص104).

     إذ يطالعك الحزن و الألم في تصديره للمجموعة و الذي جعله يبدو يائسا و محطما حيث يقول (ص 9):

” ما أشد الوجع (قلت)

الخيبة في الوطن (أجاب)

قلت: و ما الطريق إلى الشفاء؟

رد و هو ينأى و يبتسم: الوثوق بالرؤى

و تصديق السراب”

   و يظهر أيضا حتى في عناوين القصائد و التي جاءت سجلا حيا للتعبير عن معاناة الشاعر خاصة و أن بواعث الحزن و الألم شتى جعلت الشاعر لا يرى إلا الظلام و الموت و اليأس من الحياة ( الموت فينا – ليس حزنا ما ترى – الموجة السوداء – لا أنام – لا فائدة – كابوس – غربة …) و غيرها من النصوص التي تعبر عن يأسه مما آلت إليه البلاد محاولا أن يضعنا أمام حقيقة إحساسه بهذا الوطن و عدم رضائه متطلعا إلى المنشود الأفضل رافضا للموجود المؤلم و المتردي و قد عبر عنه الشاعر لطفي الشابي بكثير من التكثيف و الترميز، لكن نبرة الحزن تبقى طاغية و تنم عن عمق شعوره و إحساسه .

   و الذي عبرت عنه الدكتورة ناهد الزيدي بقولها: ” أحس أنني أرتعش من هول تصويره للواقع التونسي على مر سنوات من الليل … درجة عالية من الشاعرية تنهل من روافد روح الإنسان التونسي المستباحة بجنون التاريخ السياسي القمعي الذي سقطت فيه البلاد “

    فالخصائص الفنية للديوان تتجلّى في وحدة الموضوع وتنويعاته الخصبة و الغنية وتكامل بنائه العضوي والفنّي و خاصة في بعض القصائد المركبة التي تعكس الحالة الواقعية التي يعيشها الشاعر.

   فعندما نتعامل مع أنا الشاعر في هذا الديوان لا نتعامل معها كونها أنا مفردة مفرغة من كل معانيها ودلالاتها وأنها تمثل الألم و الوجع المسيطر على فؤاد الشاعر فالأنا لم تكن فردية ذاتية بقدر ما هي انعكاس لما يمر به الوطن على نفسية ذات الشاعر فهو يعكس لنا حالة واقعية يجسدها تارة ويخفيها تارة أخرى في طيات النص.

     فمجموعة ” نصف قمر على ليل الحديقة ” صورة لصراع الذات الداخلي الذي تحمله النصوص و انعتا قها فالظلام يملأ مفاصل النصوص ليغتال الضوء فطالما كان الظلام حاضرا في الصراع الثنائي ألضدي (الظلمة الضوء ) باعتباره الأداة المهيمنة على نصوص لطفي الشابي في بناء الحدث الشعري أو التعبير عن حالته النفسية من ألم و حزن ويمكن القول أنه نجح في استعمال هذه الضدية إلى حد كبير حيث كشف لنا الطابع النفسي لحظة الكتابة و هموم الشاعر التي هي بالأساس هموم جماعية.

تعليق واحد

  1. لطفي الشّابي

    كلّ الشّكر، لمن تفاعل ولمن آمن بالنصّ وما فيه من ضوء في ثنايا الظّلام..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *