الرئيسية / رؤى ومقالات / د.وليد جاب الله يكتب ….تركيا 24%

د.وليد جاب الله يكتب ….تركيا 24%

لا توجد أسرار في الاقتصاد، فنموذج التنمية منذ بداية الثمانينات من القرن الماضي هو نموذج حتمي يقوم على الحرية الاقتصادية وفقاً لآليات المؤسسات الدولية وضمانة نجاحه هو الاندماج في الاقتصاد العالمي وتكتلاته الاقتصادية. وعلى هذا النهج اتجهت تركيا وغيرها من الدول للتحول الرأسمالي وقامت بعمليات إصلاح هيكلي شاملة منذ بداية القرن الحالي أهلتها لأن تكون في طليعة الدول الجاذبة للاستثمار في الشرق الأوسط.
وكانت اللحظة الفارقة هي ما ترتب عن الأزمة المالية العالمية عام 2008، والتي نتج عنها خفض نسبة الفائدة على الإقراض في أمريكا إلى ما يقرب من الصفر، الأمر الذي انخفضت معه أسعار الفائدة عالمياً، وهنا استغلت تركياً تلك الفرصة وتوسعت في الاقتراض الرخيص الذي تجاوز 250 مليار دولار لبناء نهضتها التي أسستها على نموذج غربي متوائم مع أفكار المؤسسات الدولية، فانطلقت في استثمارات البنية التحتية بمشروعات عملاقة قُدرت بحو 350 مليار دولار حتى نهاية 2015، في مجالات مثل الطرق، والجسور، والأنفاق، والسكة الحديد، والمطارات، والطاقة بأنواعها، والإنشاءات. حيث أسست تلك الاستثمارات لنشاط القطاع الخاص المحلي والأجنبي في كل القطاعات، لتحقق تركيا نتائج اقتصادية إيجابية أهمها ارتفاع إجمالي الناتج المحلي ليصل لنحو 800 مليار دولار عام 2015 الأمر الذي انخفضت معه نسبة الدين للناتج المحلي رغم زيادتها حسابياً، وانخفض عجز الموازنة لنحو 8% من الناتج المحلي، وانخفضت البطالة لنحو 9% من إجمالي القوى العاملة وارتفع نصيب الفرد من إجمالي الدخل القومي.
وقد واجه نموذج التنمية التركي التحديات الطبيعية التي سبق وأن واجهتها نماذج مشابهه مثل تجربة النمور الأسيوية والتي عالجت تلك المشكلات اقتصادياً، أما تركيا فقد اختارت أن تُعالج مشكلات التنمية لديها سياسياً من خلال مُحاولة الهيمنة على عدد من الدول الإفريقية والنفاذ عربياً لفتح الأسواق أمام المُنتجات التركية، ولعب دور في الصراع السوري المُعقد والذي لم تنجح فيه أن تكسب ود شركائها التجاريين في روسيا وإيران والعراق المؤيدين للنظام السوري، كما خسرت دعم حلفائها في أمريكا والغرب الرافضين لذلك النظام. ولم يقبل أي فريق منهم المكاسب التي حصل عليها الفريق الأخر من النظام التركي. ومع ما قامت به تركيا من تدخل في أليات الاقتصاد عقب الانقلاب الفاشل خُلقت حالة من رفض المؤسسات الدولية لتلك الإجراءات، وتحولت النظرة للاقتصاد التركي إلى تصنيفه بأنه قوة اقتصادية غير مُستقرة، الأمر الذي واجهت معه تركيا ضغوط اقتصادية مُؤسسية فضلاً عن الضغوط الأمريكية بفعل المواقف السياسية.
وكانت من نِتاج ذلك حدوث تراجع شامل للمؤشرات الاقتصادية التركية، والتي منها تراجع مؤشر الثقة في الاقتصاد التركي لنحو 83,9% وهو أدنى مستوى له منذ بداية 2009، وتراجع مستوى النمو الاقتصادي لنحو 5% خلال الربع الثاني من العام الجاري مع توقع وصوله لنحو 4% بنهاية العام، و3% بالعام المقبل، كما تم استهلاك ثُلث الاحتياطي من النقد الأجنبي في دعم الليرة ليصل الاحتياطي إلى نحو 18مليار دولار فقط وهو رقم لا يتناسب مع حجم الاقتصاد ولم يسمح بمزيد من الدعم لليرة التي فقدت نحو 45% من قيمتها مما خلق ارتفاع في مُضطرد في مُعدلات التضخم.
وأمام ذلك التراجع استسلمت تركيا لروشته المؤسسات الدولية من خلال تبني إصلاحات تؤكد على استقلالية البنك المركزي والسير في إجراءات تقشف ينخفض بها مُعدل النمو، وعجز الموازنة، ومُحاولة السيطرة على التضخم، والتي من أهمها ما قامت به تركيا من رفع نسبة الفائدة من 17,75% إلى 24% لتشجع الادخار وسحب السيولة من السوق وجذب استثمارات الأموال الساخنة كعلاج مؤقت للاقتصاد لحين حدوث تحسن نوعي.
وهنا نُشير إلى أهم الدروس المُستفادة من التجربة التركية تتمثل أهمها في حتمية نموذج التنمية الحديث القائم على التعاون وكسب ثقة المؤسسات الدولية، ذلك النموذج الذي يُحقق نتائج جيدة لكنه يواجه عقبات أيضاً، وقد ثبت فشل استخدام تركيا لورقة السياسية لتجاوز العقبات الاقتصادية، بينما نجحت في السابق دول مثل النمور الأسيوية في تجاوز أزمتها بأساليب اقتصادية ومالية، وذلك ما تعود تركيا إليه الآن، والسؤال هنا هل ننتظر سقوط تركيا؟ والإجابة واضحة وهي أن تركيا سقطت بالفعل في أن تجعل من نفسها قوة هيمنة اقتصادية وسياسية إقليميه، وما تقوم به الآن هو تبني نموذج إصلاح اقتصادي يتفق مع فكر المؤسسات الدولية لتجاوز أزمتها الاقتصادية ويُمكنها النجاح فيه إذا أخلصت النوايا وتنازلت عن أفكار المُراهقة السياسية التي أثقلت على اقتصادها ولم تُضيف إلية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *