الإثنين , ديسمبر 10 2018
أخبار عاجلة
الرئيسية / رؤى ومقالات / د.أمين السعدني يكتب ….فلسفة التواصل الاجتماعي على الفيسبوك (الواقع والطموح)

د.أمين السعدني يكتب ….فلسفة التواصل الاجتماعي على الفيسبوك (الواقع والطموح)

أصبح التواصل الاجتماعي الآن واقعا حياتيا ملازما لوجود الإنسان العصري، ولصيقا بحياته على سطح هذا الكوكب ، ولا أظن أنه موجة موقوتة مرتبطة بحاجيات زمنية مؤقتة، ومن ثم ستنتهي-إن عاجلا أو آجلا – بانتهاء الحاجة التاريخية إليها.

فحاجتنا إلى التواصل الاجتماعي ستدوم مدى الحياة، بل ستزداد بمرور الزمن كيفا وكما، لأن التواصل الاجتماعي كان كنزا تكنولوجيا مدفونا تحت أرض التقدم العلمي، فما أن توصل له الإنسان، حتى أيقن أنه لا غنى له عن هذا الكنز، الذي يمثل نقلة نوعية واسعة في مجال التبادل المعرفي والاجتماعي، والثقافي بصفة عامة.

لقد انزاحت أو ألغيت تماما وسائل حياتية كثيرة لصالح ما هو أحدث منها، أو أكثر راحة، وأصبح القديم منها لا وجود له إلا فى متاحف التاريخ، فلا نذكره إلا مرتبطا بالحنين لأزمان فائتة، أما وسائل التواصل الاجتماعي فإنها تشترك مع الكهرباء فى أنه لا يمكن تصور الحياة بدونها، فرغم حداثة وجود التيار الكهربائي، إلا أنه أصبح قرينا للحياة المريحة، فازدادت استخداماته وتنوعت، وستبقى في ازدياد وتنوع مدى الحياة، وكذلك تماما وسائل التواصل الاجتماعي.

ولما كان الفيسبوك(على الأقل إلى الآن) هو أكثر هذه الوسائل شهرة وأوسعها استخداما على المستوى العالمي؛ فلابد من وضع ضوابط (أدبية) للتعامل مع تقنياته، أقول (أدبية) لأنه لا يوجد ضوابط قانونية أو عقابية للتعامل معه إلا في أضيق الحدود، وخصوصا من قبل الدول، أو من قبل الذين يشرفون على إدارته، وهذه الضوابط لا تكفى – فى ذاتها – للتعاطي مع هذا العالم المفتوح الذي يمثله الفيسبوك.

وإذا ما رجعنا إلى عنوان المقال (فلسفة التواصل الاجتماعي على الفيسبوك: الواقع والطموح) نجد أن الفجوة جد واسعة بين دلالتي (الواقع والطموح)في استخدامنا الفعلي للفيسبوك، وبعد فترة ليست بالقصيرة من دخولنا لعمق هذا الفضاء الإلكتروني، كان ينبغي علينا أن نتبين فيه الرشد من الغي، كى تتحقق الفائدة المرجوة منه بشكل يقترب من المثالي.

فهل أصبح للنشر الإلكتروني أدبيات يجب تمثلها؟ هل صارت له تقاليد يجب مراعاتها؟ هل له قيم ومثل وأعراف يجب التمسك بأهدابها؟ الإجابة على الكل (نعم).

فصفحتك الشخصية هي ملكك، وما تنشره عليها يعبر عن رأيك أنت نعم، ولكن الآخرين يطالعون ذلك، وطبيعي ألا يتفقوا معك في الرأي، ومن ثم فلا يجب أن تدفع بأنها صفحتك الشخصية، وبالتالي أنت حر فيما تنشر، لأن كل ما ينشر قابل للمناقشة، بل للاختلاف،كل ذلك يجب أن يكون بأدب ولياقة شديدين.

وقبل أن تتورط في قبول طلب صداقة، حاول أن تلقى نظرة سريعة على صفحة الطالب، فمحتويات صفحته قد تساعدك في معرفة اتجاهاته، وكذلك مدى ارتباطه بالفيسبوك، لأن هناك من لا يظهرون إلا في رمضان والعيدين لإرسال وتقبل التهاني، ولا يغرنك عدد الأصدقاء المشتركين بينك وبين عدد كبير من أصدقائه، فقد يكون هو استثناء من قاعدة المجموعة.

أما حين تطلب أنت صداقة أحد، فاختر ما هو صنوك العقلي وقرينك الفكري، فالعبرة ليست بكثرة عدد الأصدقاء، ولكن بجودتهم، علاوة على أن من يطلب صداقتك قد يعرفك من خلال نوعية أصدقائك، إن كانوا خيرا فخير، وإن كانت الأخرى فسيتحول عنك،لأن المرء على دين خليله.

إذا علقت عند أحد (أو حتى راسلته على الخاص) فاعلم من تحادث، إذ يجب أن تنزل الناس منازلها الحقة، فتخاطبهم بأرق الألفاظ وبأحب الألقاب وأرقى الكنيات، ولا تزدري أحدا على صفحة أحد، لأنك بذلك ستحرج الاثنين : الذي أهنته ومعه صاحب الصفحة نفسه، ويكون (البلوك) في هذه الحالة أمرا اضطراريا.

وأيضا إذا علقت تحت منشور أحد، فيجب أن تقرأ منشوره جيدا، وبشكل كامل، كي لا تعلق على فكرة مبتورة، ويظهر أنك متسرع أو غير واع، فقد تكون الفكرة كلها في آخر سطر، وربما في آخر كلمة في البوست.

لا يجب أن تعلق تحت منشور عام تعليقات خاصة، فغير مقبول ان يكون البوست في السياسة مثلا، ويكون تعليقك : كل سنة وانت طيب، واحشني، فينك من زمان….!!! فذلك مكانه على الخاص، وعندما تقتضي الضرورة.

لا تحاول أن يكون تعليقك لمجرد الكتابة، فيأتي خارج الموضوع تماما، ويفضح جهلك، فاكتف بــ (لايك) إن لم يكن عندك ما تكتبه، وقديما قالوا : دع الناس يظنون انك أحمق، ولا تتكلم فتؤكد ظنهم.

لا تدخل في جدل (طويل وممل) مع أحد المعلقين، فقد ينتهي ذلك بخلاف وليس مجرد اختلاف، فضلا عن أن بعض الناس عندهم أفكار نعم، ولكن قد تعوزهم القدرة على سرعة الكتابة، أو ربما يعانون من ضعف البصر، خصوصا وأن الأجهزة اللوحية هي السائدة الآن أكثر من الأجهزة المكتبية.

بالنسبة (للخاص) يجب أن يكون استخدامه في أضيق الحدود الممكنة، فلا يعقل أن ترسل عليه صور وفيديوهات وأدعية، وأسئلة من نوعية (كام مرة صليت على النبي النهاردة) بمناسبة ومن غير مناسبة، خصوصا اذا علمت أنها لا تهم من ترسلها له، ولا يبادلك نفس السلوك، ولا حتى يشكرك عليها.

وبالنسبة للأحداث الشخصية، صحيح أن الفيس وسيلة تواصل (اجتماعي) وأننا نعرف من خلاله كثيرا من الوقائع، ولكن لا يعني ذلك أن نحيله إلى صفحة وفيات (أرشيفية) فأن ننشر نعيا لأحد نعم، ولكن أن نكتب الذكرى التسعين لوفاة ابن أخت زوج عمة خالي، فهذا شىء سخيف، واحد علامات الإفلاس الفكري، بل والأخلاقي أيضا.

وأخيرا وليس آخرا، فالفيسبوك أصبح واقعا لم يكن يحلم بتحقيقه (مارك زوكربيرج) نفسه، فقد تطورت استخداماته عالميا بشكل لافت، وأصبح له عاشقوه، ومن ثم أصبحت له مثله الاجتماعية التي يجب اتباعها أدبيا وأخلاقيا، كي نستطيع توظيف معطياته على نحو نموذجي.

تعليق واحد

  1. أحمد عبد المنعم

    جميل أستاذي، غير أنني وجدت في هذه الفلسفة (مدينة فيسبوكية فاضلة) لا أتوقع أنها ستتوافق مع المأمول في قابل الأيام؛ إذ إن الموجهات التواصلية التي يدعمها مقالكم لها من العمومية ما نجده في ثقافة المنطوق، وثقافة المكتوب، وكذلك الثقافة الرقمية، غير أن لكل ثقافة مما سبق خصائصها التواصلية، ومن دلائل ذلك أن حدود التأويل في المنطوق مختلفة عن المنطوق، وفي الثقافة الرقمية ينفتح التدلال إلى أقصى حد ممكن، وتمتزج الأنساق الدالة بكثافة كبرى، وتنتشر المعلومة بشكل أسرع، فما الموجهات التواصلية المناسبة للحركة التدلالية هذه؟
    أظن يا أستاذي أنه على منوال ما حدث من انتقال من القرية إلى المدينة، ومن المدينة إلى الواقع الافتراضي، سيكون الانتقال في أدبيات التواصل.
    أعتذر من الإطالة، ولكم مني خالص الحب وعظيم الامتنان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *