الرئيسية / فيس وتويتر / عبد العزيز عاشور يكتب ….فى مثل هذا اليوم من عام ١٩٧٣

عبد العزيز عاشور يكتب ….فى مثل هذا اليوم من عام ١٩٧٣

قبل خمسة واربعين عاما ..
وفى مثل هذا اليوم من عام ١٩٧٣
وقبل حرب اكتوبر بحوالى الاسبوعين
كنا نجتمع مع رئيس الجمهورية باستراحة برج العرب بالاسكندرية بصفتنا أعضاء مجلس اتحاد طلاب جامعة عين شمس ..
بدأت الحكاية بزيارة من وزير الشباب حينها لمقر اتحاد الطلاب بالعباسية مبلغا لنا برغبة الرئاسة فى الاجتماع بنا ..
الموقف كان مفاجئا خصوصا وأنه كان معلوما للكافة وفى مقدمتهم زملاؤنا فى القاعدة الطلابية اننا نعارض سياسات الرجل ومواقفه جملة وتفصيلا ..
وكان من الطبيعى ان يختلف رد فعل كل منا ..
الا ان رد الفعل الغالب كان رفض اللقاء بالرجل ..
وزير الشباب أخبرنا حينها انه ليس فى مقدوره أن ينقل لرئيس الدولة ان هناك من يأبى لقاءه ..
وتركنا لنفكر بعض الوقت ..
واهتدينا الى حيلة تكفل لنا ان يرفض الرئيس لقاءنا وتبقى جت منه ..
واتفقنا على وضع بعض الشروط لإتمام اللقاء وكانت فى معظمها مما لا يستساغ ولا يمكن قبوله خصوصا مع تفاوت مستوى الطرفين ..
رئيس الدولة بكل صلاحياته وسلطاته وطلاب فى العشرينات من العمر ..
أبلغنا الشروط للدكتور وزير الشباب وكانت تتركز ف الآتى :
اولا : يكون من حقنا التحدث فى الموضوعات التى نرى أهمية التحدث فيها دون تدخل من الرئاسة ..
ثانيا : ان يكون حديثنا غير مرتبط ولا محدد بوقت بعينه ..
يعنى نتكلم بشكل مفتوح دون التزام بمدة محددة
ثالثا : ألا ينشر أى خبر عن هذا اللقاء فى أى من وسائل الإعلام ..
رابعا : ألا يتم التقاط أية صور لا أثناء اللقاء ولا بعده ..
أبلغنا الوزير بالشروط وانتظرنا أن يأتينا برفض الرئاسة وإلغاء اللقاء ..
فى اليوم التالى فوجئنا باتصال الدكتور ابو المجد ليخبرنا بموافقة الرئاسة على الشروط وتحديد موعد ومكان اللقاء ..
وأنه فى صباح اليوم المحدد سيكون هناك اتوبيس بانتظارنا بمقر اتحاد الطلاب لينقلنا الى برج العرب ..
اجتمعنا سويا واتفقنا على عناوين الموضوعات التى سيتم إثارتها ومناقشتها مع الرئيس واتفقنا على تحديد من من الزملاء سيتحدث فى الموضوع المحدد له ..
بدأ اللقاء وكان يحضره وزير الشباب ووزير الداخلية ورئيس الجامعة ..
وبدأ السادات بسؤالنا عمن سبق اعتقاله وحبسه منا ..
ثم أردف بأنه سينصت الينا ..
استمر حديثنا مع الرئيس فى قضايا تتركز كلها فى الاستعداد للحرب والسلام الاجتماعى وما يدور على الساحة السياسية بما فى ذلك كل ما نعترض ونعلن دوما اعتراضنا عليه ..
واستمر حديثنا ساعتين كاملتين والرجل ينصت دون تعقيب او تدخل ..
ثم بعد ان انتهينا بدأ الرئيس حديثه بقوله :
أصارحكم أنه ينتابنى الآن شعوران متناقضان ..
اولهما : شعور بالفخر الشديد ان بلدى مصر أنجبت شبابا على هذا المستوى الرائع من النضج الفكرى والاستيعاب الكامل لكل قضايا مجتمعهم ..
خصوصا وأننى لا أسمع تحليلا وتشريحا لقضايا المجتمع بهذا العمق ولا حتى من القيادات المعنية ..
وثانيهما : شعور بالأسف الشديد لأن الصورة المتوفرة عندى عنكم تختلف تماما عما أراه الآن ..
وهنا رفع الزميل المرحوم نبيل صفار رئيس الاتحاد يده ولما أذن له الرئيس بالتحدث قال :
سيادة الرئيس ..
الصورة المغلوطة عند سيادتك عنا وعن كل فئات الشعب المصرى يسأل عنها السيد ممدوح سالم وزبانيته ..
فالتفت الرئيس الى ممدوح سالم وزير الداخلية ليرى وجهه ممتقعا محمرا خصوصا وان الرجل كان أشقر الوجه ..
أكمل الرئيس كلمته فى حوالى ساعة كاملة ..
ثم انتهى اللقاء ..
وخرج الرئيس بنفسه فى وداعنا حتى الاوتوبيس
وقبل الخروج فوجئنا به يمسك بأذن الدكتور ابو المجد قائلا له :
روح يا كمال غدى الولاد غدوة حلوة على مزاجك ..
حاضر يا افندم رد أبو المجد
ثم فوجئنا عند نزولنا للسلالم بالمصور الخاص للرئيس يهرول للأمام ويقول ممكن صورة يا ريس ؟
طبعا الريس قال له اتفضل يا محمد ..
كلنا ف لحظة واحدة عقلنا يقول ده ما كانش اتفاقنا ..
اتفقنا مفيش تصوير ..
لكن كان من المستحيل ان نعلن على الملأ رفضنا للتصوير فاصطففنا بلا ترتيب لصورة جماعية ثم سلم كل منا على الرئيس وصعدنا للاوتوبيس ليأخذنا الوزير الى اشهر مطاعم السمك قبل ان يعيدنا للقاهرة..
واستيقظنا فى اليوم التالى لنجد المانشيتات الرئيسية فى الصفحة الاولى. للاهرام والاخبار والجمهورية تتحدث عن اللقاء مشفوعة بالصور فى مخالفة ثانية لما سبق الاتفاق عليه ..
خمسة وما زالت تفاصيله محفورة بالذاكرة ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *