الرئيسية / منوعات ومجتمع / خالد جعفر يكتب : بائعة الملح

خالد جعفر يكتب : بائعة الملح

 ليس من عادتى مراقبة الأشخاص ولا أن أتتبع أحوالهم ، لكننى كنت أتعمد أن أمر عليها حين تسوقنى قدماى إلى هناك ، إلى عالم البسطاء . رأيتها في أجمل صورة من صور الإنسانية ، تعطيك شعورا أن الملائكة مازالت تهبط على الأرض وتعيش معنا .. امرأة فى العقد السادس تفترش الأرض وسط الباعة وتضع أمامها رأس مالها كله ، صندوق من الكرتون فيه بعض أكياس الملح ، لو حسبت قيمة بضاعتها بحساباتنا البشرية ستسأل نفسك . ما الذي تكسبه ؟ لكن بحسابات الله وعطائه تتذكر (.. والله يضاعف لمن يشاء) .. امرأة تأخذك طيبة قلبها وعذوبة لسانها ، ترتسم على وجهها ابتسامة تكاد تملأ العالم وتكفيه من البهجة والسعادة .. تعودت كلما أمر عليها أن أشترى منها حتى ولو لم أكن في حاجة إلى ماتبيعه . كل ما أريده أن أتحدث معها ولو بكلمة أغتسل بها من بعض ماديات الحياة .. وجدت كل من حولها من الباعة يتسابقون في خدمتها وكأنها مصدر رضا الله عليهم وبركتهم فى رزق الصباح . كنت أسمعهم ينادونها بأعظم كلمة وكأنها أمهم جميعاً ، أحدهم كان ينظف الأرض من حولها وهى تقول : ربنا يوسع رزقك يا ابنى ويبارك في عيالك ، أنت كل يوم تسيب فرشتك وتتعب نفسك كده ؟ يرد عليها بابتسامة تملأ وجهه : دى لو ماشالتكيش الأرض أشيلك فوق راسى .. وآخر يسرع وهو يقلب كوب الشاى ويقول : أحلى كوباية شاى لست الكل ونوارتنا وبركتنا . طالت نظرتى لها ، ولم تكن نظرة إشفاق ،بل كانت نظرة إعجاب بسيدة بسيطة تحمل كل الرضا والقناعة وعزة النفس ، وكأن الجنة وضعت تحت قدميها . كانت فى جلستها تكاد تستوى بالأرض ، ولكن فى مكانتها تعلو آفاق السماء ، أعطيتها ثمن ما أخذته فقبلته ووضعته على رأسها شاكرة حامدة لرزق الله ، ودعت لى دعوة اطمأن لها قلبى أنها صعدت إلى السماء . خالد جعفر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *