الرئيسية / ثقافة وفنون / “ساق البامبو “وأزمة الهوية في المجتمع الخليجي

“ساق البامبو “وأزمة الهوية في المجتمع الخليجي

 

عرض وتحليل: حمد حميد الرشيدي

رواية ” ساق البامبو” الصادرة عام 2012م عن ” الدار العربية للعلوم ناشرون” ببيروت للكاتب الكويتي/ سعود السنعوسي هي تلك الرواية التي تم تتويجها للفوز بجائزة ” البوكر العالمية للرواية العربية” عام 2013م كما هو معروف!

وتطرح الرواية أزمة الهوية في المجتمع الخليجي, والكويتي تحديدا, وازدواجيتها حينا, وصراعها مع الدين والعرق والعادات والتقاليد الاجتماعية المتوارثة حينا آخر.

كما تطرح أيضا قضايا أخرى, تتناول فئات المجتمع الكويتي , وتفاوتها في أساليب المعيشة ونظرتها للحياة , والعلاقة فيما بينها , وتلك المعايير القيمية والأخلاقية التي يتعامل بها أفراده تجاه بعضهم وتجاه غيرهم , من عادات وتقاليد وقيم وموروثات تاريخية.

كما أن الرواية كذلك قد ألقت الضوء على كثير من مظاهر الحياة الاجتماعية والثقافية والدينية والسياسية والاقتصادية خلال العقود الأربعة الأخيرة من الزمن لدولة الكويت , فهي عمل غني – حقا – بأبعاد انسانية وفنية , و(انثروبولوجية) متعددة , وترصد أهم المراحل والتحولات التي مر بها المجتمع الكويتي خلال تلك الحقبة المشار اليها, محددة بالمكان ومؤرخة بالزمان, في قالب سردي تاريخي غاية في الروعة والجمال , ومتقن في سبكه وصياغته ولغته وأسلوبه , ويكشف عن المقدرة الأدبية الفائقة للكاتب, وتمكنه من أدوات الكتابة وفنياتها تمكنا تاما, فضلا عن معرفته الدقيقة بتفاصيل الحياة للمجتمعين: الفلبيني والكويتي, وهما البلدان اللذان يعتبران المسرح الرئيس الذي تدور على خشبته أحداث هذه الرواية.

وتدور أحداث الرواية المحورية حول الشخصية الرئيسة فيها, ألا وهو ذلك الشاب المدعو (هوزيه) باسمه الفلبيني, و(عيسى)  باسمه العربي, الذي ولد من خادمة فلبينية , تعمل لدى احدى الأسر الكويتية , في ملابسات وظروف غامضة, تشير الدلالات أثناء السرد الروائي وتفاصيله الى أن والده هو الابن الوحيد للعائلة الكويتية, المدعو (راشد)!

وعند هذه النقطة  تبدأ الأسرة  بالتصادم مع العادات والتقاليد المنافية للأعراف الاجتماعية , مما حدا بها الى أن تضطر لـ (تسفير) الخادمة وابنها الى بلادها (الفلبين) خوفا من (كلام الناس) وحفاظا على سمعتها كعائلة من الطبقة الراقية المستوى في المجتمع.

وفي هذا السياق تتطور الأحداث نحو التعقيد , خاصة حين يكبر الولد في بلد أمه (الفلبين) بعيدا عن بلد والده (الكويت) ويبلغ سن الشباب , ليبدأ  رحلة شاقة ومعاناة بائسة للبحث عن ذاته وهويته كانسان مزدوج الهوية والدين والعرق واللغة, ولد لأب عربي  مسلم من خادمة فلبينية مسيحية.

وهذه المفارقات العجيبة المتباينة في العرق والدين والهوية واللغة هي ما جعلت وتيرة الحدث السردي أكثر حدة وتنافرا, حتى بلغ ذروته من التعقيد, لدرجة أدت – في نهاية الأمر – الى أن بطل القصة (هوزيه/عيسى) أصبح يسير في طريق مسدودة , واصطدم بصخرة واقعه المرير, وأنه اقتنع بعد سنين طويلة قضاها في البحث عن ذاته بعدم وصوله لحقيقة أمره, وأن ما كان يبحث عنه قد ذهب أدراج الرياح ولم يعد يعنيه في شيء , كما كان في السابق.

ولذلك يجيء اختيار الكاتب لاسم روايته (ساق البامبو) من الحكمة بمكان, تشبيها لشخصية بطلها بنبات (البامبو) ذلك النبات ذو اللون الأخضر/لون الحياة , المقاوم للظروف المناخية القاسية, والذي يمكن زراعته في أي مكان , وبقليل من الماء, لكونه من النباتات التي لا يحتاج استزراعها لمجهود كبير!

وهذا – بالفعل – ما أشار اليه الكاتب في أحد فصول الرواية على لسان(هوزيه/ عيسى) , بقوله:

” … لماذا كان جلوسي تحت الشجرة يزعج أمي؟ أتراها كانت تخشى أن تنبت لي جذور تضرب في عمق الأرض ما يجعل عودتي الى بلاد أبي أمرامستحيلا؟…ربما , ولكن, حتى الجذور لا تعني شيئا أحيانا. لو كنت مثل نبتة البامبو , لا انتماء لها. نقتطع جزءا من ساقها…نغرسه , بلا جذور, في أي أرض…لا يلبث الساق طويلا حتى تنبت له جذور جديدة.. تنمو من جديد..في أرض جديدة.. بلا ماض…بلا ذاكرة..لا يلتفت الى اختلاف الناس حول تسميته..كاوايان في الفلبين…خيزران في الكويت..أو بامبو في أماكن أخرى”. الرواية : ص94

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *