الرئيسية / رؤى ومقالات / د. محسن عبدالخالق يكتب : العقل التاريخى للأمة

د. محسن عبدالخالق يكتب : العقل التاريخى للأمة

 أننى لم أجد بديلأً لتعبير الدهشة فى وصف ما أقرأ وأسمع ما يقوله أولئك الذين إجتمعت لديهم خصائص السحرة التى تُحَدّثنا عنها آداب القرون الوسطى ، ولا يتوقفون عن العزف على أوتار الغضب ، وإلقاء ظلال شك حول كل إنجاز ملموس ، مع أن النجاح لا يحتاج إلى الدفاع عن النفس ، كأن مُحَرَّم على هذا البلد أن يلتقط أنفاسه وأن يظل فى دَوَار لا ينتهى . الماثل أمامنا ذهنيَّة بدائية غَالبا لا تضع الوقائع فى إطارها والتصرفات فى ظروفها ، تنزلق من الأحكام المطلقة إلى التبريرات المُتَغَسّفة ، وتنتقل من النقيض إلى النقيض ، فإذا هى تدخل فى نفق ولا تخرج من نفق بعده ، يزيد من هشاشتها أنها ليست على وعى بحركة التاريخ وهو يضع نقط تحوله ويحدد نهايات طرقه ، بل ويزيد من صِفرِيتها أن كل صفرمن الأصفار يتقمص جميع الأرقام ، لا تتوقف لحظة عن ضرب إرادة الأمة بأفكار مغلوطة ، ونزع مناعتها بشائعات ملغومة .. خلطة عشوائية من زواحف الكتاب دأبت على قلب الحقائق وتزييف الوعى وتسويد إنجازات تحققت هى بمسافة الساعات قصيرة ، لكنها بمقياس الحقائق هائلة ، صورة نلحظها كيفما إتجهنا وكيفما قرأنا . هناك صَحوَة على الأرض مرئيَّة تظهر ومضاتها مع حركة بناء ملموسة ومحسوسة تليق بأمة لديها القُدرة التاريخية على إستيعاب الصدمات والإرتفاع فوقها على نحو باهر ومدهش ، أمة تبنى عالما جديدا وتؤسس لكتابة تاريخ جديد ، بينما هى فى نفس الوقت داخلة فى صراع مع قوة تريد أن تُبقى الماضى وتُؤكده ، فى حين تريد هى أن تجرى للمستقبل وتتعلق به ! . ولأننا أمة يقظى فى أوان إنتباهها ، علينا أن نتنبه للشائعات سابقة التجهيز والمعلومات المصنَّعة والأخبار المُعَلَّبة التى تخصص فى صياغتها فلاسفة اللغو وعشاق الأساطير والمشردون فى اللغة ، والتائهون بين الحقيقة والوهم ، وبين الرؤية والسراب ، وبين الحلم والعجز ، وهم كُثر بيننا .. وتزداد يقظة المسئولية فى مواجهة غزو فكرى يستهدف العصف بالعقل التاريخى للأمة وتزييف ووعيها ، ونزع مناعتها وإحساسها بأنها قادرة ، إنهم لا يريدون فى هذا الموقع من العالم قوة مؤثرة قادرة على التأثير والإشعاع ، ما يقتضى أن تبقى الذاكرة حاضرة طوال الوقت ، ذلك أنه قد نستطيع التحوط ضد إنتقال الأمراض بأمصال ، لكن البشرية لم تعرف من قبل التحوط بأمصال ضد الأفكار . يحسب التاريخ لهذا الشعب الأسطورى أنه وسط حرائق نار لا تنطفىء ونزيف دم لا تلتئم جراحه ظل قادرًا على أن يتفوق على نفسه ويعبر عن إرادته على نحو باهر ومدهش وبهذا القدر من النبوغ والثبات .. مصر اليوم تبتكر حبرًا آخر لتدوين تارخ آخر ، مصر اليوم تستيقظ لنهار جديد وحقائق جديدة ، مصر اليوم تقترب من نقطة الوصول .. يبقى أنه مهما إشتدت الصعاب فإن هذا الشعب العظيم لن يفلت زمام المستقبل من يده .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *