الأربعاء , ديسمبر 12 2018
الرئيسية / كتاب وشعراء / نصف ابتسامة ……………….. للشاعر/ مهدي المبدر

نصف ابتسامة ……………….. للشاعر/ مهدي المبدر

نصف ابتسامة*قصة قصيرة
أمسك بذراعي وجرّني إلى الداخل، فتبعتهُ وسرنا في حديقة اشجارها باسقة، ذات أزهار بنفسجية، تنتهي ببناية كبيرة، صعدنا سُلَّما بثلاث درجات، وكان يودي إلى باب آخر نصفه مفتوح والنصف الآخر مغلق، دفع الرجل الذي كان يمسك بيدي الباب ودخلنا، حتى صرنا داخل ممر طويل تصطف غرف كثيرة على جانبيه وكان مزدحمًا بعدد هائل من الأطفال كلهم بمثل عمري، يرتدون ملابس جميلة، وكل وآحد منهم يمسك صورة صغيرة بيده، ويبتسمون نصف ابتسامة.
صاح الرجل الذي مازال يمسك بيدي: أهلا بك بمدينتنا السعيدة…وأبتسم بوجهي نصف ابتسامة ثم تركني ولا أعرف أين أختفى…
بعدها جاءت امرأة بدينه تحمل بيديها ثياب نظيفة تفوح منها رائحة المنظفات، ألبستنّي الثياب وأبتسمت بوجهي نصف ابتسامة وتركتني…
ظللتُ واقفًا أدير بصري في أنحاء المكان، تأملتُ الجدران والغرف والأبواب؛ كل شيء نظيف، كانت الجدران ذات ألوان زاهية، ورُسمت عليها فراشات كبيرة وطيور، رحت أتجول داخل المدينة، وشعرت برغبة قوية بالتحدث لأي مخلوق، لماذا هؤلاء يبتسمون نصف ابتسامة؟
اقتربت من طفلةٍ ترتدي ملابس جميلة، وقفت بالقرب منها كانت أطول مني، تمسك أيضا بيديها صورة صغيرة، ولما انتبهتْ لوجودي أخفت الصورة ورائها وهي تبتسم نصف ابتسامة، سألتها أين أمكِ ؟
فسريعاً ما تبدل نصف ابتسامتها إلى حزنٍ أسود غطى حمرة وجهها، فأصبحت أشبه بوردةٍ محترقة، ولم تجبني عن سؤالي، بل تركتني بصمتٍ واختفت بإحدى الغرف.
بعد ذلك بلحظات، علا صراخ أحد الأطفال، ورأيت تلك المرأة بدينه التي ألبستني الثياب، تشق طريقها وسط الأطفال، نحو الطفل الذي بدأ يصرخ بشدة وكأن أحدا ما أخذ لعبته، أخذت تلك المرأة الطفل وحملته على كتفيها واختفت بهِ عن الأنظار.
حينها شعرتُ بالوحدة، اشتقتُ لأمي…
في تلك الأثناء جاءتني رغبة لا تقاوم بالبكاء، فبكيت، بكيتُ بحرقة، كنتُ أبكي ولا أحد يهتم لبكائي، حتى الأطفال كأنهم لا يسمعوني، إلى أن استنفدت ما عندي من دموع، فوجدت الأطفال ينصرفون سريعا إلى أحدى الغرف، فمسحت دموعي وتبعتهم، دخلت معهم وراح الأطفال يجلسون بهدوء على المقاعد خشبية أنيقة، فجلست معهم، كانت أمامنا؛ على جزء مرتفع منصة يقف خلفها رجل كبير في العمر، يرتدي قميصا أبيض، ولما جلس الجميع بدأ الرجل بالتحدث:
هذهِ مدينتكم… أتمنى أن تجدوا السعادة فيها، والسعادة موجودة في أنفسكم النقية، وما أجمل أن يكون الأنسان نقيًا كالماء العذب، نظيف اليد واللسان، يا صغاري حافظوا على مدينتكم من الانحراف وفساد الأخلاق…
كل شيء هو ملك للجميع، إلا الابتسامة فأنتم يا أصحاب هذه المدينة النقية…لكم نصفها فقط…
أنهى الرجل كلامه ثم هبط من فوق المنصة، وأخذ الجميع ينصرف من القاعة، ليعودوا إلى الممر الطويل، ويدخل كل خمسة أطفال غرفة من الغرف التي على جانبي الممر، كانوا يدخلون بنظام، وكأن الجَمع يوجه بيد خفيه، دخلت ومعي أربعة أطفال أحدى الغرف، ارتمى كُلّن منا على سريرهِ، ورأيت كل وآحد منهم يضع الصورة التي كان يمسكها تحت وسادته، إلا أنا لا املك صورة، ولما جاءت المرأة البدنية التي دخلت غرفتنا ربما لتتأكد؛ أننا لازمنا أسَرَّتنا.
سألتها، لِمَ لا املك صورة مثل بقية الأطفال؟
قالت لي: من أين جاءوا بك؟
من مكب النفايات… قلتُ
قالتْ: الأطفال الذين يُتركون هناك؛ ليس لديهم صور تذكارية مع عائلاتهم.
حينها غطيتُ وجهي، وشعرت بأن دموعي في تلك اللحظة كانت غزيرة أكثر من أي وقت مضى، وعرفت أن ذاك اليوم هو اليوم الأول لي في دار الأيتام وأني سأعيش حياتي بنصف ابتسامة.

تعليق واحد

  1. ابو مصطفى العكيلي

    القصه جيده جدا تتحدث عن واقعنا الحالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *