الرئيسية / كتاب وشعراء / راهبة في محراب الحب …..قصه قصيره بقلم أشرف غازي

راهبة في محراب الحب …..قصه قصيره بقلم أشرف غازي

ما اشد حماقة البعض ! هؤلاء الذين يرفعون المادة بكآفة اشكالها فوق رؤوسهم ويضعون كل القيم تحت أقدامهم ..كنت علي موعد مع احد هؤلاء الحمقي بلا سابق موعد فلقد كان احد جيراني…كان يؤمن إيمانا ليس بعده إيمان بأن المال بإمكانه أن يشتري كل شيئ حتي النفوس..وكان صاحب ذلك المعتقد قد ورث عن ابيه متجرا لبيع الكتب..كانت مكتبة بحق عظيمة يقصدها كل طالب كتاب نادر أو من يبتغي نصا شحيحا بات صعب المنال …وكان والده بحق رجلا من هؤلاء الذين نسمع عن محاسنهم وجميل صنيعهم وكأنه احد سكان المدينة الفاضلة-بعكس ابنه تماما- فكما قالوا يخلق من ضهر العالم فاسد …
رأيت هذا الرجل مصادفة ونحن نستقل المصعد معا فدعاني لمشاركته إحتساء فنجانا من القهوة فتعجبت لأمره فلقد كان بخيلا شحيحا ليس له صاحب ولا انيس…ولكني امام إصراره لم أجد مفرا من الذهاب معه…وهناك عرفت منه انه ينوي بيع الكتب القديمة التي لا تزال باقية …فالمكتبة مغلقة منذ ما يقرب من عشر سنوات وهو الآن يريد تأجيرها لطبيب صيدلي كي يجعلها(صيدلية ) ولقد علمت في نفسي ان الأمر بكل تأكيد مربح وإلا ما الذي يدعوه لتلك العجلة والتسرع فلقد كان ينوي ان ننتهي من إحتساء القهوة وننزل إلي حيث المكتبة فاشتري ما يلزمني من كتب …بل انه يصر علي ان اشتريها كلها …وامام لجاجته وإلحاحه سرت معه بغير هدي ومن جانب آخر ولعي وشغفي بالكتب القديمة ورائحتها المحببة إلي روحي وملمس الورق الأصفر السميك وطباعته الفاخرة…
• ألقيت بالقهوة في جوفي علي عجل وهرولنا بالنزول إلي المكتبة وهناك رأيت كتب لا تقدر بثمن…مجموعة الجاحظ…والرافعي ..وروايات دوستوفيسكي وتولستوي و تشارلز ديكنز…ويحيي حقي وعبد الحليم عبدلله وغيرهم كثير ..ووسط كل هذا وجدت وجدت مجموعة قصصية ذات غلاف جميل جذاب وعنوان لست ادري لما قد استرعي إنتباهي…مذكرات عانس…ووجدتني اردد العنوان بداخلي بينما اقول لنفسي ان تلك القضية لم تلقي حظها من تسليط الضوء برغم خطورتها وبشاعتها وهناك من يسلطون الضوء علي اشياء لا يجوز الخوض فيها لا من قريب أو بعيد ولا حتي بداعي نشر الواقع..
واستفقت من شرودي علي صوت جاري يقول بصوت أجش:
_ ها ….. ما رأيك ؟؟
وحينما باغتني بسؤاله الصريح هذا وجدت انه من الأفضل ألا ابدي سعادتي وإنبهاري وإلا لغالي في الثمن وساوم وابتز ولكني تجاهلت سؤاله وقلت له بعدم إكتراث:
– للاسف يا صديقي معظم هذة الكتب لدَّي ولا حاجة لي بها…ولكن سأتحدث مع احد اصدقائي ربما كان بحاجة لها…
فوجدته يقول بحماس:
– كلمه الآن إذن
فأخرجت هاتفي وتظاهرت بالحديث مع صديق وفي نهاية الأمر اخبرت جاري بانه سيدفع مأتين جنيه في مجموعة الكتب.
فنظر لي جاري وقد فغر فاها وقال:
– ماذا تقول ؟
= كما سمعت ولو حاولت أن تبيعهم لتاجر روبابيكيا لاعطاك مائة واحدة…..قلتها ثم استدرت بوجهي لكي احاول منع نفسي من ضحكة كادت ان تفضح امري…ثم استعدت رباط جأشي وإتزاني والتفت إلي جاري وقلت له بلهجة جادة:
– علي ما يبدو أن صديقي هذا لا يعرف قيمة الكتب ولا اوضاع الطباعة ومستجداتها…سادفع فوق مأتيه مائة اخري ولا تنبس ببنت شفه وإلا فابحث لك عن مشتري آخر.
واخرجت النقود فأختطفها من يدي وقال هيا احمل كتبك…
وحينما نطقها وجدتني أهرول كالمجنون وأحضر (كرتونة ) كبيرة ثم جلست ارتب فيها الكتب بعناية…كانت قيمة الكتب الأدبية لا تقدر بثمن وكذلك قيمتها المادية تتعدي ألفين من الجنيهات..لم ابخس الرجل حقة فالكتب لديه لا تعني شيئا علي كل حال .
في ليلتي تلك انهيت كل مشاغلي وتفرغت فقط لمطالعة الكتب وترتيبها ونفض الأتربة العالقة بها واثناء ذلك استرعي إنتباهي من.جديد ذلك الكتاب الصغير صاحب عنوان مذكرات عانس لم اضع الكتاب جانبا مثلما حدث في المرة الأولي بل نفضت عنه التراب العالق وفتحت غلافه وقرأت الاهداء…كان إهداء برغم قلة كلماته إلا انه قد نال من روحي..
أشرف غازى
إليكِ ..نعم إليكِ وحدك لا تلتفتي إليهم..وضعي تاجك فوق رأسك وعيشي كما كان يحلو لك العيش وإلا فأنتِ شريكة معهم في قتل نفسك.

قرأت الأهداء مرة ومرتان ومرات عديدة وفي كل مرة اعود إليه مجددا مما دعاني إلي البحث عن إسم المؤلف وراعني ان اجد الكتاب لكاتبة لم اسمع عنها من قبل ….ديكنا رؤوف وقررت أن اعد لنفسي فنجانا من القهوة واعود إليه فألتهم سطوره.
دقائق معدودة وكان أمامي العشق كله كتاب سحرتني مقدمته واستهوتني قراءته وفنجان قهوة اعددته بميزاج صافي رائق لا تشوبة شائبة .
وضعت الكتاب امامي وبدأت في قراءته وبعد إنتهائي منه أحسست بأن يدا قوية تعتصر قلبي ومطارق ثقيلة تتهاوي علي روحي فتتناثر اشلاء القلب والروح ولا يتوقف الألم..بل يتصاعد…وما اراكم أنتم ايضا بأقل مني لوعة وحزن لو قرأتم قصتها….هاكم هي دون أدني زيادة مني أو نقص:
*******
كان لي صديقة اعتبرها هي وامها سندي بعد الله..وما من كبيرة ولا صغيرة إلا واقصها عليهم واستشيرهما فيها ، كانا يقطنان في المنزل المجاور لمنزلنا وكانت هند إذا ما ارادتني في إمر ما تقف في نافذة المطبخ المطلة علي بيتنا من الخلف وتضرب غطائين من أغطية الأواني ببعضهما فيصدران صوتا اشبه بصاج الدرامز ، فأسارع أنا بفتح نافذة المطبخ لأجدها أمامي مباشرة فنتحدث قليلا ثم إذا كان أمرا لا يحتاج التأجيل استأذنت أمي وذهبت إليهم من فوري.. ولما حدث ما حدث من أمر امي وقولها لي بأني سألتحق بالثانوي الفني وجدتني أسير إلي هند والحاجة زينب والدتها..ذهبت إليهم بنفس معذبة ملتاعة وروح حيري لا يستقر لها قرار ..وكنت احاول ان أُخفي دموعي ولكن غالبا ما تفضح الدموع أمرنا ، واستقبلتني الحاجة زينب وأحتوتني بين أحضانها وراحت تربت علي ظهري بحنان لم أعهده من امي وهي تهمس لي في وداعة وحنان:
هوني عليك يا أبنتي وكل مصاب نظنه بلا حلول وقد نُسجت خيوط حلوله من مقدر الأقدار…لا تبتئسي ولا تجزعي وطيبي نفسا…ثم عانقتني من جديد .
وعدت من عند الحاجة زينب بوجه غير الذي ذهبت به وروح هادئة هانئة ..وتلك هي هبات يهبها ايانا الخالق في صورة بشر .

مرت الأيام سريعة وتحقق حلمي وإلتحقت بالثانوي العام وكذلك تزوجت شقيقتي الكبري وتخرج اخي من الجامعة وحصل علي بكالوريوس هندسة ..وكان يراسل حينها شركة هولندية وفور تخرجه بإمتياز أرسلوا له لكي يسافر إليهم وانهوا له كل الإمور المتعلقة بالسفر.. وودعنا وداعا أنخلعت له قلوبنا وأيقنت في نفسي بأنه لا ينوي العودة بل سيستقر هناك.. وخلا البيت علينا انا وابي الذي أُحيل إلي المعاش وأصبح يقضي جل وقته علي المقهي ليهرب بفكره من هذيان الوحده وأوجاع تذكر الماضي السحيق…والبكاء علي شباب خلف كهولة…وأمي التي ما زالت منكبة علي ماكينة الحياكة لتوفر لنا ما نقتات به ، برغم ضعف بصرها وإنحناء ظهرها..وكنت بالإضافة إلي مهام البيت اعاون أمي في كل صغيرة وكبيرة من أمور الحياكة والسرفلة ومقابلة (الزبائن ) .
أشرف غازى
استطعت أن اوفق ما بين دراستي واعباء المنزل ومساعدة أمي وكذلك استطعت أن احصل علي مجموع يرضي طموحي وغروري…وعدت من المدرسة وقدمي لا تقوي علي حملي من فرط سعادتي والأحلام الوردية تداعب خيالي وانا ارتدي البالطو الأبيض وتتدلي من اذناي سماعات طبية…بل سمعت أمي وهي تناديني دكتورة سهااااااام .
وما هي سوي دقائق وكنت أمام والدتي اسوق اليها بشري نجاحي وأنتظر إن تُطلق (زغرودة ) يصل رنينها عنان السماء..وان تحتضنني وتبارك لي وتفعل مثل أي أم في مثل تلك المواقف ..لكنها فاجأتني بدموع منهمرة وهي تقول لي بصوت يخنقه البكاء:
– سامحيني يا ابنتي لن استطيع الوفاء بعهدي معك..فقد عرف اباكِ بعض اصدقاء السوء الذين غرروا به وجعلوه مدمنا ..وكل أموالي وامواله ينفقها علي ميزاجه..ويا ليت الأمر قد وقف عند هذا الحد بل استدان من زوج اختك أموالا طائلة وقد علمت أختك وزوجها بما آل إليه مصير أبيكِ ..وقد حدثتني أختك وهي تبكي وتئن وزوجها يريد إسترداد أمواله..وعلينا الآن ان نوفر تلك المبالغ التي استدانها ونوفر ايضا مبلغا لعلاجه.

اي زلزال ذاك الذي عصف بروحي ؟ واي يدٍ قاسية تلك التي إعتصرت قلبي ووجدتني أتهاوي علي الأرض فاقدة الوعي..
لقد تبددت كل أحلامي دفعة واحدة وحل محلها يأس وخوف من حاضر ممسوخ ربما يجتاح الحاضر في طريقه ولا يدع لنا سوي فقر مدقع وعار مقيم.

كان أبي يعود إلي المنزل في ساعات متأخرة من الليل وكثيرا ما كنت اسمع شجاره الدائم مع أمي ..حتي سمعتها ذات مرة تصرخ بأنهيار وتقول:
ماذا ستبيع هذه المرة ؟ ألم يكفيك بيع شاشة التلفاز والصالون الذي إدعيت أننا لسنا بحاجة لديه …حتي الكتب القديمة ميراث اولادي وذكراهم وبقايا رائحتهم لم يسلموا منك…ثم خبا صوتها بعد أن اجهشت بالبكاء..بينما ابي لا يستمع لتوسلاتها وأخذ ما اراد وركل الباب بقدمه واندفع خارجا كقوس إنطلق من سهم .
لم أتمالك نفسي ووجدتني اخرج مسرعة لالقي بنفسي في أحضان الحاجة زينب شبه منهاره وراحت تهدأ من روعي وتسألني ما بكِ ؟ وأنا صامته لا أتحدث…كيف اجرؤ علي البوح لها بأن أبي مربي الأجيال قد صار مدمنا….وكيف أصف لها هوان حالنا وقلة حيلتنا وضياع حلمي الذي ذقت الأمرين من أجله…ولكن والحق يقال أن هند والحاجة زينب لم يدعا وسيلة للتخفيف عني إلا وفعلاها ولكن بماذا تفيد الورود الموضوعة فوق قبر ميت ؟

عدت إلي المنزل وقررت أن ادع احلامي جانبا وانتشل أمي من محنتها وان أفكر بعقلي لا بخيالي واهتديت إلي بيع ذلك الخاتم الذهبي الذي اهدته لي الحاجة زينب فور حصولي علي المركز الأول بالثانوية العامة ..واستأجرت حانوت صغير اسفل العقار الذي نقطن به ..وانزلت ماكينات الحياكة واعددت المكان ليكون اشبه بورش التصميمات الحديثة..واستطعت الحصول علي أحدث صيحات الموضة النسائية من خلال النت واحضرت الاقمشة والأكسسوارات اللازمة وبدأت مرحلة التحدي …وخلال سنه استطعت أن اصنع لنفسي اسما واصبحت تصميماتي مطلوبة في كبري المولات وقد در علينا هذا ربحا استطعت من خلاله أن ألبي إحتياجات اسرتي واستطعت ايضا ان اوفر مبلغا لا بأس به لعلاج ابي من الأدمان في إحدي المصحات الخاصة.

مرت السنين سريعة وتعافي ابي مما ألم به وتزوجت هند صديقتي وماتت الحاجة زينب التي كانت سندي وعضدي ولكم احسست من موتها بفجيعة وكأن بعضي قد فارق بعضي .. وقد قامت هند بتأجير المنزل لطبيب شاب ولست ادري لما احسست اني اعرفه برغم اننا لم نلتقي من قبل..كنت أراه من خلال نافذة المطبخ..تلك النافذة الصغيرة التي كانت بمثابة الروح للجسد ..وكثيرا ما كانت تلتقي اعيننا وتتحدث حديثا صامتا ابلغ من أحاديث اللسان ..وذات مرة مرض ابي وفقد الوعي ولم اجد أمامي سوي جارنا الطبيب الشاب فهرعت إليه واتي معي مسرعا وقام بكل ما يلزم ولم يدخر جهدا من أجل انقاذ أبي من غيبوبة سكر كادت أن تودي بحياته ..ومنذ ذلك اليوم وقد طرأ تغيرا كبيرا علي حياتي ..وكان منشأ ذلك التغيير أمرين أبي ..وصاحبي

أما أبي فقد بدا شخصا آخر ولأول مرة أحس بعطفه وحنانه ولا ادري أكان مبعث هذا من فرط جزعي عليه خلال مرضه والتفاني في خدمته..أم إحساسه بتقصيره ناحيتي وإهماله في حقي ؟
أما صاحبي فقد أنفذ إلي روحي شعاعا بدد ظلماتها ..وجعلني اشعر أن الحياة جميلة باسمة..واصبحت لا افكر في شيئ عداه .. ولأول مرة في حياتي اشعر بلذة التفكير ..ولو قال لي إنسان قبل ذلك أن للتفكير لذة لقلت عنه مجنون.

لم تمضي سوي شهور قليلة وأتي الطبيب الشاب لخطبتي ورحب الجميع بالامر وابلغنا (حبيبي) بأنه سيسافر إلي قريته مسقط رأسه ليحضر والديه لإتمام الخطوبة والأتفاق علي مراسم الزواج …ولكن متي تعطي الدنيا دون أن تأخذ ؟ ومتي تمنحنا سعادة مطلقة ؟ بل بقدر ما تمنحنا سعادة تضاعف لنا الحزن أضعاف … لقد أصيب حبيبي في حادث طريق مروع وفارق علي أثره الحياة وفارقتها انا ايضا.. فماذا تعني لنا الدنيا بعد أن نصبح احياء كالأموات…لم أحزن لموت ابي ولم أجزع لفراق امي وهل يمكن لمقتول أن يُقتل مرتين ؟؟ وأستأجرت الأتيليه لأقتات منه وودعت الناس والدنيا واعيش مع نافذة المطبخ الصغيرة وانتظر في كل لحظة ان يناديني حبيبي.

ت

تعليق واحد

  1. احسنت رائع جدا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *