الإثنين , ديسمبر 17 2018
الرئيسية / إسهامات القراء / عبد الرحمن عكاشةيكتب ….حكاية عم بلبل العطار

عبد الرحمن عكاشةيكتب ….حكاية عم بلبل العطار

بقرب حلول شهر رمضان يعاد على ذاكرتي تلك الأيام التي كان يذهب فيها والدي إلى مدينة القاهرة لشراء ما يلزم من عطارة وياميش ومكسرات حيث كان والدي “عطارا” بالإضافة لكونه موظفا حكوميا فكان لديه “دكانا” في قريتنا بصعيد مصر يحتوى على بعض أنواع البقالة والعطارة وجميع ما يلزم من مستلزمات صناعة كعك وبسكوت العيد .
اعتاد والدي السفر إلى مدينة القاهرة كل عام قبل حلول شهر رمضان بخمسة عشرة يوما، لم يكن يذهب بمفرده فكان يصطحب معه احد اخوتى الأكبر منى سنا احمد أو “محمود” وبمجرد وصوله إلى مدينة القاهرة كان يحرص على تناول الإفطار من على عربة الفول بالشارع وبعدها يشرب كوب من الشاي ثم يقوم بإشعال سيجارة “كليوباترا” إلى أن تدق الساعة التاسعة بالتمام والكمال ثم يبدأ بالتحرك نحو منطقة العتبة الخضراء حتى يصل إلى منطقة الموسكى وتحديدا مكان اسمه “حارة اليهود” حيث يقصد محلات بيع العطارة والياميش، حيث كان لا يقصد اى دكان، فقط كان يقصد دكان شخص يدعى “عم بلبل” حيث انه يتعامل معه منذ سنين.
الغريب في الأمر أن دكان عم بلبل كان لا يرقى أن نطلق عليه دكاناً، فقد كان لا يتعدى المتر ونصف في متر ونصف، مما يجعله أشبه بعلبة السردين، وبمجرد أن يصل والدي إلى دكان عم بلبل كان يجلس على كرسي خشبي أمام المحل ممازحا عم بلبل قائلا له:
عندك شطه وكمون يا بلبل فيرد عم بلبل:
لأ عندي جبنه !!
ثم يبدأون في السلامات والتحيات ويعرض عم بلبل على والدي تناول شيء، والمضحك انه كان يحدد المشروب قائلا تشرب شاي يابو احمد فإذا رفض والدي كنوع من الذوق أو عدم القدرة على الشرب كان عم بلبل يعتبر ذلك بمثابة قولا فصلاً ولا يكرر الأمر ثانيه ومن ثم يقوم هو بطلب واحد شاي من قهوجي الشارع لنفسه فقط ثم يقوم بإشعال سيجارة دون أن يعزم على والدي !!.
عم بلبل كان يتعامل مع كوب الشاي والسيجارة بمنتهى الهدوء، فهو يصعب عليه أن ينتهي كوب الشاي حتى يصل إلى “تفل” الشاي نفسه في قاع الكوب، ونهاية السيجارة حتى يحترق الفلتر!، فيقول له والدي مازحا:
شنبك هيتحرق يا بلبل !
لكن بلبل لا يبالى، بعد ذلك يبدأ أبى في إملاء اخو عم بلبل ما يريد فيكتب الفاتورة التي يحتاجها والدي ثم يطلب من الصبي الذي يعمل معه أن يذهب إلى المخازن وتحضير المطلوب هذا ما سمعته من والدي عن عم بلبل، ولكن في احدى المرات ذهبت أنا مع والدي إلى مكان عم بلبل وهنا كانت المفاجأة بالنسبة لى وكنت مراهقاً وقتها وفي المرحلة الإعدادية، إذ عندما وصلت وجدت رجلا في عمر الخمسين قصير القامة بشرته ما بين الأسمر والأبيض مهلهل الثياب شاربه طويل ولحيته غير مهذبه ورائحته لحد ما كريهة !!، اعتقدت في بداية الأمر انه شحاذ أو درويش إلا اننى عرفت أن هذا الجالس أمامي هو “عم بلبل” !!، لم اصدق ما أرى، جلست خارجا وبدأت أراقب تعامله مع الناس، فقد كان سريع الكلام، أبن نكته، يحب المزح والضحك بأسلوب غير متوقع، يتحدث مع أكثر من شخص في وقت واحد، ويسلم على الجميع في وقت واحد، ويدخن كثيرا ولكن ببطيء، لدية قدرة خارقة في جمع الحسابات والفواتير دون استخدام الآلة الحاسبة، وما اضحكنى في سلوك هذا الرجل انه كان يعامل كل زبون حسب أهميته وحسب قيمة كل فاتورة، فمثلا إذا وجد أن فاتورة والدي تتعدى مبلغا كبيراً، كان يصمم أن يعزم والدي على الغداء فإذا وافق أبى على الغداء يجد نفسه أمام طبق من الكشري لا يتعدى ثمنه الخمسة جنيهات !!، وبالنسبة لعم بلبل فإن طبق الكشري هذا هو آخر درجة من درجات إكرام الضيف العزيز أو الزبون العزيز عنده !! ومما لفت انتباهي أيضا انه رغم صغر دكانه إلا انه كان يملك زبائنَ تتهافت عليه دوماً !!، كانت الناس تصطف عنده صفوفا ليست طويلة نظرا لضيق المكان إلا أنها كانت لا تنتهي، ثم انظر إلى المحلات التي بجواره وهى في غاية الفخامة والمساحة فأجدهم خاليوا الوفاض !!، بينما عم بلبل لا يتوقف عن البيع وقبض الفلوس وهو يحسب كل ذلك في ثواني معدودة !!، وبعد أن ينتهي من الزبائن يلتفت إلى أبى ويخبره أن بضاعته ستكون جاهزة في غضون وقت قصير، وبالفعل يذهب الصبي الذي يعمل معه ويحضر البضاعة ثم يعود ليخبرنا عم بلبل أن كل شئ تمام وجاهز للنقل ثم ينادى على شيالين حارة اليهود وكانوا شباباً لا تتجاوز أعمارهم العشرين وأوائل الثلاثين ويملكون عربات مصنوعة من الحديد تسير على عجلتين من الكاوتش ينقلون بها بضائع الزبائن إلى خارج شوارع حارة اليهود حيث بالخارج تقف سيارات صغيرة إلى جانب سيارات التاكسي نظير مبلغ رمزي معين على كل “جوال بضائع”، أما عم بلبل فكان لا يتنازل أبداً عن اى مبلغ في الفاتورة، لا خصومات ولا غيره، وكان يقول دائما عبارة أتذكرها جيدا:
أنا بديك بضاعة، وإنت ولا كلمه !!، الأمر الذي كان يدفع الزبائن للسكوت.
وكنا عند العودة مع أبى نستقل القطار المتجهة للصعيد من محطة رمسيس وكان يساعدنا في حمل البضاعة حمالين داخل محطة القطار وعندما نصل، كان ينتظر أبي أحد أخوتي “احمد” أو أو “محمود” بسيارة نقل صغيرة، تأخذ الجميع للمنزل، حيث يتم عرض وفرز البضاعة وعرضها في الدكان لاستقبال الشهر الكريم .
لا استطيع أن أمحو من ذاكرتي شخصية عم بلبل، تلك الشخصية التي سيطرت على عقلي، ذلك الرجل المتناقض في تكوينه، حيث تنظر إلى فكره فتجده عبقري رغم جهله التام بمبادئ القراءة والكتابة، وتنظر إلى طيبته المفرطة و شدة بخله الزائدة تندهش من تلاقي هذين الضدين في قلب رجل واحد، ثم ذكائه الفطري، ومهارته في البيع بسرعة لا تجدها إلا في شخصية عم بلبل الذي لا اعرف إذا كان موجود منه الآن ما يشبهه أم لا ؟؟.
عم بلبل شخصية مصرية شعبية لو جُسدت في عمل سينمائي لنالت حظ عظيم من الشهرة، فهو رغم أنه كان غنيا جدا لما إلا أنك لو كنت لا تعرفه وصادفته يوما في الشارع لعطفت عليه من شدة بساطة هيئته وبخله!!، هو يعتبر نفسه رجل أعمال شاطر، لا يهتم لمنظره، ولا ينظر إلى هيئته، و لا يعمل حسابا لردود أفعال أحد تجاهه.
لا اعلم إذا كان عم بلبل حيا أو ميتا اليوم، لكن كل ما أعلمه انه سيظل من الشخصيات الغريبة التي صادفتها في حياتي، وأنه دنيا خاصة، وحكاية شعبية خاصة من حكايات مصر المحروسة التي لا تنتهي.
إنها ذكريات جميلة، كانت يوماً تنبض بالحياة في الشوارع والأسواق، لبشر رحل منهم من رحل وبقى منهم من بقى، لكن تظل حكاياتهم محفورة فى الذاكرة، بحلوها ومرها، وصدقوني وكانت بهذا الحلو والمر، أيام خير وبركه، مليئة بالذكريات الطيبة التي أصبحت نادرة في وقتنا الحالي. .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *