الإثنين , ديسمبر 17 2018
الرئيسية / كتاب وشعراء / قراءة لقصيدة الشاعر/ جهاد الكرمي: قراءة في قصيدة (خيط ومغزل) ……………. للناقد/ محمد عبدالباقي الوهباني

قراءة لقصيدة الشاعر/ جهاد الكرمي: قراءة في قصيدة (خيط ومغزل) ……………. للناقد/ محمد عبدالباقي الوهباني

تشرفت بهذا التتويج الباذخ،من رافعي اليمن الأديب الناقد أ / محمد الوهباني
ــ ــ ــ ــ
قراءة في قصيدة:
(خيط ومغزل)
للشاعر : جهاد الكريمي.

كتبها / محمد عبدالباقي الوهباني.

مع القصيدة:
—————–
تواثبت الآهاتُ نشوى تُململُ
تميسُ على أنقاض روحي وترفلُ

وتغْزلُ ليْ سُوْدُ الليالي مواجعاً
كأنّي وليلَ البين خيطٌ ومغزلُ

أبشُّ مُراعاةً لإشراق رفْقتي
وفي القلب من فيح التناهيد مِرْجلُ

متى حقّقت نفسي نجاحاً تقدّمتْ
لتحطيم إنجازيْ لسانٌ ومِعْوَلُ

ولمّا رآني عاثراً مَنْ أفُوْقُهم
تشفّوا بمأساتي – سرورا-ً وطبّلوا

وما علموا أن البلايا مواهبٌ
تُرَبّي طِبَاعَ الأكرميْن وتصْقلُ!

لعمْرُك ما قتلي بسيفٍ ولا قنَاً
ولكنّ سهْماً من فم المرء يقتلُ

وليس ثقيلاً حملُ “عَيْرٍ وكبْكبٍ”
بل المنّ بالإحسان من ذاك أثقلُ

وليس يعيب المرء صُنعةُ أهلهِ
وإن سؤال الناس عيبٌ ومُخجلُ

أرى الناس للأموال تحني جباهها
تحجُّ لأصحاب الغنى، وتُهلّلُ

ألا شاهت الأرواحُ! كيف اغتذت قذى!
وصارت لمن في كفّه الذُّلّ تسألُ

ونفسُ الونى “جلّالةٌ” إن تُردْ لها
سُمُوّاً ،أبتْ.. والرّقُُّ للعبد أفضلُ

حنانيك لا ترفع نفوساً تشرّبتْ
دُنوّاً ،وفي أحداقها الشهدُ حنظلُ

وكيف تريد الشمس تدنو لعاجزٍ
وترقى بمن تعليمهُ السهل مُشْكِلُ؟!

يُعيّرُني أنّي من المال مُعْدِمٌ
وأحشاؤهُ من لَوْثة الذّل تأكلُ

رويدك لا تذكر خُدوشاً بحائطي
وبيتك مهْدوم الزوايا مجندلُ

ولو شئت أن ألقى الدراري لنلتها
ونلت غنى قارون..بل منه أطول

ولكن بأفقي ألف فجر رسمته
وإني لأسعى نحو حلمي وأرمل

يرومون لي كدّاً، وعلماً أرومُهُ
فأيّهما يا كامل العقل أكْمَلُ ؟

إذا لاح أفقٌ صرت أكدى لنيلهِ
وأتركُ خصْمي في تدنّيْهِ يُوْغِلُ

وفي الناس من صادقتهُ نلت روحهُ
وكم من لئيمٍ إذ تُرقّيه يجهلُ

كأرض الشقا إن زارها السيل أوجمَتْ
وأرض الهنا من قطرة الماء تُبْقلُ
————————————–

مع الشاعر والشعر:
———————–
جهاد الكريمي شاعر مطبوع على حب القصيدة،يأنس إلى الشعر،ويأنس الشعر به،وحين يجتمع شمل الأنس على مائدة شعوره، تتجلى تجربة شعرية مُعجِبة على صورة كلمات مطرزة بالحكمة،متنغمة بالغنى الوجداني،والإيقاع المتزن،والفكرة الشاعرة..
ذاك هو الكريمي في فلسفة الشعر، أما في تاريخ نفسه،وفي تاريخ القصيدة،فهو شاعر في مقتبل شبابه،كما هو في مقتبل شاعريته،لكن شاعريته الشابة سبقت سبقًا بعيدًا في استلهام الشعور إلى عالم الشعر،أو استلهام العالم الشعوري إلى واحة الشعر..
وُلد جهاد الكريمي في شهر سبتمبر عام (١٩٩٠م بمديرية خارف ،محافظة عمران.اليمن..
يدرس الماجستير في كلية الآداب،جامعة صنعاء، له ديوان عنوانه :(ربيع الحرية) وله ديوان آخر في طريقه إلى النشر بعنوان:(بوح الآهات).

العنوان:
———-
(خيط ومغزل) معطوف ومعطوف عليه،وما بعد الواو وما قبله تتجلى رمزية العنوان لقصيدة عمودية تمجّد الشطرين،لكنها تجعل منهما مجتمعًا فريدًا يقود إلى وحدة موضوعية متماسكة ذات خيط شعوري يتسلل خلال البناء الشعري حتى يحقق له سمة الوحدة العضوية المترابطة..
وكلا الكلمتين؛ الخيط والمغزل تحملان رمزية إيحائية ذات بعدين اثنين :
الأول: أن الخيط وسيلة التقارب المادي،والمغزل يمثل العملية الحاسمة لغزل تقارب القلوب،وتعايش العروش،وامتداد المحبة..
أما البعد الآخر،فيتمثل في اتجاه الخيط والمغزل إلى جانبٍ قد يكون سلبيًا على الفكر والضمير والمصير.

على أن التنكير في كلمتي العنوان يوحي بأحقية كل فرد في امتلاكهما،وبرم الأمور بواسطتهما…

الانتماء الشعري:
——————-
يظهر أن الكريمي يشتد إلى المدرسة التراثية أكثر من أي مدرسة أخرى..لكن هذا التوجه ليس على إطلاقه،فثمة مؤثرات قيمية وموضوعية تخرج بالذات الشعرية لديه إلى الرومانسية الضاربة في زوايا الخيال،والأحلام المتحركة في عالم اللاشعور..
وفي الخيط والمغزل مزيج من ثنائية متآخية تتأصلان في صبغة كلاسيكية ساطعة،ولمسة رومانسية هادئة.
والمظنون أن الشاعر يمتد على أريكة شعرية كلاسيكية،بيدأن تلك الأريكة لم يكتب لها صاحبها الخلوص الاتباعي،بل جدّد حجالها،وعدّد متكآتها برومانسيات المشاعر العميقة،ثم توّج التجربة الكلية للاتباع والتجديد بترميز عنواني يغزل شكل القصيدة ومضمونها بمخيط الرؤية الذاتية التي يعيش في جوها،ويحيا على تربتها…
وفي بيان الملمح الرومانسي نقرأ استهلال القصيدة الذي يخرج من أعماق عمق مشاعر الشاعر:
تواثبت الآهات نشوى تململ تميس على أنقاض روحي وترفل

وتغزل لي سود الليالي مواجعا
كأني وليل البين خيط ومغزل

أبش مراعاة لإشراق رفقتي
وفي القلب من فيض التناهيدمرجل.

إن مجموع الأهات هو المؤثر الأول في وجدان الشاعر،وهو مؤثر معنوي لا مادي،ومن الصورة المعنوية يتركب الخيط الذي يصاحب المغزل على الدوام.
ولقد يتمرد الشاعر عن كلاسيكيته ذات المواضيع المتعددة؛ فيلوذ إلى رومانسية الوحدة الشعورية حين تسري في جسد القصيدة من المطلع حتى الختام،وهذا ما هو مشعور في أبيات الكريمي؛إذ نقرأ في البيت الثاني مواجعه بشكل مجمل،ثم ما يلبث الإجمال إلا أنْ يتحول إلى سبيل التفصيل في صوت شعري أليم:

وتغزل لي سود الليالي مواجعا
كأني وليل البين خيط ومغزل

وتفصيل المواجع كثيف في القصيدة،وحسبنا أن نأخذ منها ما ورد في الختام من صفات اللئيم،ومن ذلك أنه لا يقبل التقدير الراقي،ولا الترقي التقديري كأرضٍ يابسة حصوةٍ إذا نزلها الماء لم تنبت ولم تبقل؛وهي بهذا الحال الناكر كأنها واجمة غير باسمة:

وفي الناس من صادقته نلت روحه
وكم من لئيم إذ ترقيه يجهل.
كأرض الشقاء إن زارها السيل أوجمت
وأرض الهنا من قطرة الماء تبقل

إن تفصيل المواجع بآلامها وآهاتها على طول القصيدة وعرضها وقد تزامنت مع عواطف الشاعر،إن هذا لتتويج جميل للوحدة العضوية وقد صاغتها البصيرة الشعرية بأدواتها المكونة من الأفكار والوجدان واللفظ والإيقاع،فإذا الفعل الشعري تام الخلق،متفاعل النمو،كامل التكوين…

الفكرة والمضمون:
———————-
على ساحة الخيط والمغزل يبرز الاحتدام العاطفي بفعالية شعرية تغدو وتروح بين مضمون القصيدة وألفاظها،ومن تلاقي الغدو والرواح تتولد الفكرة،ثم تزداد تمظهرًا من ورائيات العنوان المصوِّر لفلسفة خاصة هي أقرب ما تكون للذاتية في عالم الحس،وفي عالم الروح،ثم تنتقل من الذات حسًا ومعنى إلى عالم الإنسان كله بجسده وروحه..
ويمكن أن نلمح ذلك في بدايات القصيدة،إذ يطالعنا الكريمي بآهاته متململة نشوى تتواثب رافلة على بقايا روحه،فإذا الليالي السوداء تغزل له المواجع حتى يصير بين عنصري الخيط والمغزل أليمًا وسط آهات تنبض بأضداد ما يحس به و يشعر..
وفي وسط هذا الشعور ينهض الشاعر باسمًا للحياة،ويصوغ أنقاض روحه من جديد كثوب أُعيد غزله بقوة بعد تعرضه للنقض أنكاثًا،فإذا نفسه باشة مستبشرة رغم ما في القلب من تناهيد تتلظى دون وقوف أو همود..وهنا نسمعه يقول:

أبشُّ مراعاة لإشراق رفقتي
وفي القلب من فيح التناهيد
مرجل

ثم نلقى الشاعر يبدأ في توسيع الدائرة الذاتية إلى علاقته ببعض أفراد المجتمع،ولتلك البعضية وسم خاص في تفاصيل حياتها؛إذ تعتمد خساسة النفس،وسوء الطوية،وعبادة الأنا..تعتمد ذلك كله طبعًا وخلقًا يكرهان الآخرين،ويودان لهم العثار،ويتربصان أن يحل بهم الدمار،فإذا ما حدث ذلك،كانت راحة الاستشفاء،وغاية السرور،و زهو التطبيل..يقول:

ولما رآني عاثرًا من أفوقهم
تشفوا بمأساتي- سرورًا- وطبلوا

وهنا يستنبط الشاعر من وحي تجربته الذاتية قاعدة من قواعد الحياة يشير الشاعر فيها إلى أن البلايا لو فهمناها حق الفهم رأيناها عطايا تشحذ طباع الأكرمين وحدهم وتصقلها..كأن أهل اللؤم لا تنفعهم موعظة،ولا تزجرهم بلية..فيقول في هذا المعنى على سبيل الحكمة الشاعرة:

وما علموا أن البلايا مواهب
تربي طباع الأكرمين وتصقل

إن مضمون القصيدة ليسير مع الذات والناس،حتى ليجوس خلال ديار الآداب التي يتوجب التحلية بها،أو الأخلاق التي يتوجب التخلية عنها،كأن القصيدة تقوم على عمود الضدية بين الآداب،أو مبدأ التقابلية بين الصفات..
وعلى هذا التقابل الضدي نُلفي الأبيات تتحدث بثقة عجيبة عن صفاء القلب و أدب الحديث و جمال الإحسان كما نلفي صفات الناس أمام المال وموقفهم منه،و ميلهم إلى صاحب المال،كما حمل المضمون نظرةً في آداب الصداقة بين صنف الكرام وصنف اللئام..
ولابأس أن نمر على بعض الأبيات بحسب العناوين التي سلف ذكرها:
ففي أهمية صفاء القلب،وحب الخير للآخرين نقرأ تجربة الشاعر مع بعض من أوجعته خساسة نفوسهم..يقول:

ولما رآني عاثرًا من أفوقهم
تشفوا بمأساتي سرورًا وطبلوا

وفي أدب اللسان يصور أن القتل الحقيقي للإنسان كامن في أذى القول المصور بألسنتهم يصيبه في مقتل.. يقول:

لعمرك ما قتلي بسيف ولا قنا
ولكن سهمًا من فم المرء يقتل.

وفي الإحسان إلى الإنسان يشير الشاعر إلى ضرورة أن يكون الإحسان بعيدًا عن المنّ المورِّث للحرج الثقيل،فإنْ جرَّ العطاء نصيبًا من المن،فليحرص المُعطَى له -بعدئذٍ -أن يعتمد على نفسه أو يعود إلى أهله ،فذلك خير من سؤال الناس المصحوب بالذلة والتحرج.. وهنا يقول:

وليس ثقيلا حمل عير وكبكب
بل المن بالإحسان من ذاك أثقل

وليس يعيب المرء صنعة أهله
و إن سؤال الناس عيب ومخجل

وفي طبائع الناس أمام المال نجد الشاعر يحشد تصوراته وصوره على نحو كثيف في معالجته اللفظية،وعلى نحو ساخر في أدائه المضموني؛إذ نراه يصور المال إلهًا معبودًا ،و الأغنياء هم السدنة المنصَّبون على مفردات الأموال،وهنالك أناس تلهث وراء تلك الأموال،فتتجرد من كل فضيلة،وتتخذ من كل وسيلة سببًا في الحصول على فتات المال حتى تتشرب قلوبهم تعظيم السدنة،وتقتع عقولهم بتأليه المال.
وفي ظل هذا التأليه للمال،يقود الشاعر الفكر الإنساني إلى أن محصول سؤْل للسائلين يصدق عليه وصف القذى تتغذى به أرواحهم وقد رهقتهم الذلة من كل مكان أمام من يحمل في الكف ذلًا، لا من يحمل عليه عزًا..يقول:

أرى الناس للأموال تحني جباهها
تحج لأصحاب الغنى وتهلل

ألا شاهت الأرواح كيف اغتدت قذى
وصارت لمن في كفه الذل تسأل

وفي نظرة الشاعر للمال،نلقاه مرة أخرى يدلي بفلسفته الخاصة المستوحاة من واقع الحياة وقوانين الأخلاق،إذ يرى أن ضعف النفس أمام مغريات الحياة قد يقود إلى قبول الرق كحل للطبيعة الانهزامية؛لأن استبقاء الضعف النفسي مرض يُدخل الحرية باب الاسترقاق بغير شعور،ومثل هذه النفوس لا تسمو ولا ترتفع ولا ترتقي،بل تظل متوافقة مع الدون،وحينئذ ينقلب التفكير إلى تقابل عجيب، حتى لترى العالي دانيًا،والشهد حنظلًا،والسهل مشكلًا،وتلك النفوس ستبقى على دركات الدُّنو،ولو طلبت لقاء المعالي،فلن تصل إليها حتى تتحرر من العجز الخلقي،والجموح الأدبي،ثم يستعير الشاعر هنا من الشمس مادةً للآداب السنية التي لا تلتقي مع ذوي النفوس الوضيعة…يقول:

ونفس الونى جلالة إن تُرِد لها
سموًا،أبتْ..والرق للعبد أفضل

حنانيك لا ترفع نفوسًا تشربت
دنوًا وفي أحداقها الشهد حنظل

وكيف تريد الشمس تدنوا لعاجز
وترقى بمن تعليمه السهل مشكل

على أن الشاعر في فلسفته تجاه المال ليس متشائما من أصحابه،بل يرى أهمية اقتران المال بالأخلاق الطيبة،وأن تكون مسالك الحصول عليه نقية من الشوائب..وهنا نجده يخاطب ذوي الأفكار القاصرة عن فهم سياسة المال:
يعيرني أني من المال معدم
وأحشاؤه من لوثة الذل تأكل

وفي ذروة التجربة النفسية الكريمية مع المال،نلقاها على معنى آخر يوجزه في أهداف مرسومة في فلسفته تود لو تجد طريقها في الحياة،وهنا نسمعه قائلًا :

ولو شئت أن ألقى الدراري لنلتها
ونلت غنى قارون..بل منه أطول

ولكن بأفقي ألف فجر رسمته
وإني لأسعى نحو حلمي وأرمل

ثم يتساءل عن مقادير الكمال في النفوس على أسلوب الاستفهام التعجيبي :
يرومون لي كدًا وعلمًا أرومه
فأيهما يا وافر العقل أكمل؟!

وفي الختام يعرج الشاعر إلى آفاق الصدق في مصاحبة الناس،حتى يلقى مشاعره بين متقابلين لا يلتقيان في نفس أبية زاكية:

وفي الناس من صادقته نلت روحه
وكم من لئيم إذ ترقيه يجهل

ثم يحشد للختام صورة فنية تستنطق الكرام واللئام معا،بل تستنطق القصيدة وتستجوبها،فكأن هذه الصورة تلخيص لمضمون الأبيات كلها وقد أتى عليها من أولها إلى آخرها..

كأرض الشقا إن زارها السيل أوجمت
وأرض الهنا من قطرة الماء تبقل

وعلى هذا النسق تتسق القصيدة في مضمونها بين التأمل الذاتي و الدرس الإنساني وفق مستوى تأثيري قائم على الحس الفلسفي العميق،والمدلول الثنائي الخصيب.

الصياغة التعبيرية:
————————
تتآزر ثلاثية اللفظ والصورة والإيقاع على خلق مناخ خاص في القصيدة يتولد عنه المعنى،فيعيشه القارئ بجوه وظلاله ،ويحيا مع أفيائه وإيحائياته…
إن الثلاثية المذكورة هي عاقبة حسنة لثلاثتها المتآزرة التي تمنحها حروفنا هذا التفصيل على صورة أنماط متتابعة:
《النمط اللفظي》:
——————–
و هذا النمط يتجه الشاعر فيه إلى لغة معجمية تقف وسطًا بين سلوك الجزالة المستقوية بمستدعيات التراث وبين سلوك السهولة المتربعة على تخصيبات وقائع الحياة،فيأخذ من الأول أصالة اللفظ ومن الثاني معاصرته للمتلقين،وعلى تعبير آخر،يمكن القول إن لفظ التجربة الشعرية للكريمي مسلوك ضمن(البساطة المتعمقة،أو التعميق البسيط)..
ولسنا نعني بمادة البساطة طريق الابتذال..ليس كذاك،لكنا نعني بها عفوية الاختيار،والبعد عن المعاظلة،والهروب من جدد الوعورة،والنفور من غريب الألفاظ..
أما مادة العمق، فتعني وفرة التأويل للفظ حتى ليذهب الفكر كل مذهب في تأويله،وما ذلك إلا لتزاحم مشاعر الشاعر المعبَّر عنها في صورة الألفاظ،ولكل لفظ صوت،ولكل صوت إحساس يتلاطف مع معناه،وينسجم مع مغزاه..
ومن استقراء القصيدة،نلحظ مسارها اللفظي يسير على اتجاهين:
الأول : إتجاه ذات الشاعر.
والآخر: أتجاه الذات الإنسانية..
أما الأول،فقد بثه الكريمي على أجواء أبياته حتى كأن القصيدة أدبًا ذاتيًا صرفًا،ومما يبرز هذا الاتجاه تطواف ضمير المتكلم على مطاف الأبيات ،و استعمال الفعل المُقَام حدثه بواسطة إحساس الشاعر وخياله ووجدانه،وذلك على صورتين اثنتين؛ صورة بروز الضمير،وصورة استتاره.
ولننظر في اتجاه ذاتيات المشاعر من وحي القصيدة الكريمية:

(روحي..تغزل لي..أبش..رفقتي
.نفسي..حققتْ..تقدمتْ…إنجازي..رآني..مأساتي..قتلي..أرى.يعيرني..ألقى..نلتُ..أفقي..إني..حلمي..يرومون لي..صرت أكدي..أترك)

ولعل السر وراء تتابع الذاتيات النفسية يرجع إلى دوران الشاعر حول عالم النفس ومشاعرها،ذلك العالم الذي ألهم الشعراء أن يقولوا في الموقف الواحد ما يتسع لزمن ممدود..
وأما الاتجاه الآخر،فيتجلى على شكل نتائج عامة تترجم معاناة الشاعر،وهذا الاتجاه يقترب كثيرًا من صناعة الحكمة؛كأنه توطئةً لها،ورابطًا لما بين يديها وما خلفها،وفي هذا الاتجاه، نقرأ هذه الأبيات المضمخة بأدبيات الذات الإنسانية :

وما علموا أن البلايا مواهب
تربي طباع الأكرمين وتصقل

فهو يجعل من البلية موهبة يُفيد منها الكريم وتصقل طباعه.

وقريب من هذا النسيج ما تحمل هذه الأبيات من مضامين:

لعمرك ما قتلي بسيف ولا قنا
ولكن سهما من فم المرء يقتل

أرى الناس للأموال تحني جباهها
تحج لأصحاب الغنى وتهلل

يعيرني أني من المال معدم
وأحشاؤه من لوثة الذل تأكل.

《النمط التصويري》:
————————
الصورة كون تشبيهي يأتي نتيجة اجتماع الصوغ الساني مع الفعل الذهني..
و الصورة الكُرَيمية التي تتوزع القصيدة تتمظهر من خلال أمرين :
الأول:الجمال والبساطة.
والآخر: التشبيه المباشر المترافق مع التشبيه الموحي المرمَّز.
وكلا الطريقين يترصّعان باللفظ الإيحائي المُترمِّز ، والتوزيع الوتري المتموسق.
و نعرض هنا سياقات تصويرية مباشرة،ومن ذلك صورتي اللئيم والكريم في باب طبيعة العلاقة بينهما وبين الآخرين،فالكريم يكاد يعطي صاحبه روحه كأرض طيبة تُخرج نباتها حال وقوع قطراتٍ قليلة من الماء عليها،أما اللئيم،فكأرض لا تنتفع بالسيل،فكأنها شخص يتوجم وجهه حال مجيء الخير إليه..
يقول:
وفي الناس من صادقته نلت روحه
وكم من لئيم إذ ترقيه يجهل

كأرض الشقاء إن زارها السيل أوجمت
وأرض الهنا من قطرة الماء تبقل

وقبل هذه الصورة المباشرة تطالعنا القصيدة بأجمل ما فيها من تصوير،إذ خاطب الشاعر فيه عمق ذاتيته،ودليل إنسانيته،وجماع أفكاره،حتى لكأنه يود لو يلخص مراده عليها،ويجمل تجربته فيها.
إنها تلك الصورة التشبيهية المركبة التي جاءت على نحو مكثف،و استعلت عليها مسحة جمالية بريئة،مع اقتراب نِسْبي من التداخل الشعري الرمزي:

وتغزل لي سود الليالي مواجعًا
كأني وليل البين خيط ومغزل

وفي التصوير الرامز نجد الحيوية الصورية فيه ناضرة، و تأتي هذه الحيوية من مناخ الصورة ولفظها ومعناها وموسيقاها..وعلى هذا نلقى بعضًا من النماذج الإيحائية من وحي التصويرات الرمزية:
(تواثبت الآهات نشوى تململ.. تميس على أنقاض روحي وترفل)
(وفي القلب من فيح التناهيد مرجل)(لتحطيم إنجازي لسان ومعول)

《النمط الإيقاعي》:
———————–
يأتي الإيقاع الشعري للقصيدة على أحد أنغام القصيدة العمودية،وهو نغم بحر الطويل المكون من ثمان تفعيلات مقسومة بين الشطرين على أربع:

فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلين
فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن

و هذه التفعيلات هي عناصر موسيقية تتهادى مع الألفاظ والصور والأخيلةوالدلالات،وتسير سيرًا هادئًا لا يعوّقه نشوز في الأصوات كما لا يعوق الأذن تشويش في النغم..
ولكل وحدة شعرية في القصيدة لحظتها الزمنية يتموج معها الإيقاع وقد اتحد بالمضمون والوجدان والصورة،ليصل هذا التوحيد الصوتي إلى المتلقي،وحين يصل إليه ،تبدأ أذنه تتموسق بالوزن والقافية لتمتاز به عن المنثور،ثم يطرب عقله بعدئذٍ لفيوض الفكر المشعور..
وتأتي القافية على صوت اللام المضموم،ولعل في اختيار الضمة توفيقًا مع مضامين القصيدة التي ترفع النفس إلى مكان سامق من الأخلاق،وتبعد عنها طباع العُتُل الظلوم..
ومن وراء الموسيقا البارزة،موسيقى أخرى مستترة تُلائم بين الأصوات و كلماتها،فتتحرك المشاعر بنبراتها،وتشارك الشاعر ما يعتلج في خلجات صدره،وما يعتمل في مرايا وجدانه..
وقد تكررت في القصيدة أصوات صفيرية كصوت( السين ) ويلحق به صوت(الزاي) وأصوات تكرارية كصوت الراء،وصوت آخر يتفشّى بنفَسه العريض،وهو صوت (الشين).
ولو تتبعنا هذا السلوك الصوتي التكراري في الثلاث الأبيات الأولى،فسنلقى هذه الكلمات:(روحي،ترفل،مراعاة،إشراق،
رفقتي،مرجل)(تميس،سود،تغزل،مغزل)(نشوى،ابش،إشراق)..
وتلك الأصوات -مع غيرها- تُكسب المساق الشعري أنغامًا موقَّعة على قوالب لفظية متجرسة يتكرر اهتزازها بأوتار متتابعة،ولربما يكون للصوت تناسب مع معنى الكلمة و مقصدها..
ومن جميل التناسب بين جرسيّة الصوت و معنى الكلمة ما نستحليه في هذا البيت:

يعيرني أني من المال معدم
وأحشاؤه من لوثة الذل تأكل

نلحظ الحرفين: (الثاء والذال) في الكلمتين المتلاقيتين بالإضافة:(لوثة الذل)..
إن( لوثة الذل) هنا مشخَّصة على أنها مادة مأكولة،والأسنان آلة للأكل،و الحرفان المذكوران يخرجان من بين أطراف الأسنان الملامسة لللسان،فكأنهما مأكولان،و من ورائهما صوت الواو الخارج من بين الشفتين،والتاء الخارج صوتها من طرف اللسان مع أصول ثنايا الأسنان العليا..

وهكذا تترافق الأصوات مع الكلمات والإيحاءات لتكوّن حفلة موسيقية على صورة الإلهام الشعري المشطور.

الحكمة الشعرية:
———————–
وفي خيمة قصائد الكريمي تتداخل الحكمة الشاعرة على أرجائها المنفوحة بالإحساس والفكر ،المحمولة على فُلك الصوغ التعبيري المنغوم، وتجد لها موضعها الطبيعي دونما قلق أو اضطراب،سواء أكان الموضع على ساحة الشعر أم على ساحة الذات الإنسانية..
وإذا كانت الحكمة تُحكَم من وحي التجربة الذاتية،ومن التأملات الخاصة في الحياة والطباع،فإنها على أصلها موهوبة على سبيل الخلقة،أو مخلوقة على وجه الهبة من الشاعر ذي العمر الممدود الذي خبر الطبائع الإنسانية وخالطها مخالطة العارف،وعرفها معرفة المتيقن،إلا أن الكريمي-وهو عشريني العمر-قد ضرب بسهم وافر في غرض الحكمة،و صنع منه شخصية الترجمان الأمين لأبهى تجليات الرؤية الشعرية لديه، حتى لكأن هذا الغرض يأخذ منه لبّه وجوارحه؛ويسلبه تجربته وخلاصته..
ولنتأمل هذه الأبيات المولودة على جمال الحكمة،وقد بعث بها من ساحة المال وما تطفو على سطحه من رغائب قد تفضي إلى مذلة السؤال،وصفاقة الوجه،وانخداش السلوك:

وليس يعيب المرء صنعة أهله
وإن سؤال الناس عيب ومخجل

وكيف تريد الشمس تدنو لعاجز وترقى بمن تعليمه السهل مشكل

وفي دنيا الكرام واللئام نقرأ قوله:
ونفس الونى جلّالة إن ترد لها
سموًا،أبت….والرق للعبد أفضل

وفي الناس من صادقته نلت روحه
وكم من لئيم إذ ترقيه يجهلُ

التزاحم العاطفي.
———————-
تتزاحم عواطف الشاعر بين أفكاره،وتتلاقى على مدلولات تعبيره،حتى ليتقرر لدى المتلقي أن وجدان القصيدة يتوزع بين الألم المصبوغ بالغضب،و التفاؤل المشفوع بالرضا..
وهذه الأحاسيس المزدوجة إنما هي تعبير عن الحياة بتقابلاتها وأضدادها…
في مطلع العمل الشعري نجد الشاعر متألمًا متوجعًا،ثم نلقاه يحتدُّ بصوت جاهر على من أساؤوا السوء في ميدان المال:

ألا شاهت الأرواح كيف اغتدت قذى
وصارت لمن في كفه الذل تسأل

ثم يبلغ الغضب به تمامه،فيصرخ في وجه من يعيره بفراغ جيبه من المال قائلًا له:

رويدك لا تذكر خدوشا بحائطي
وبيتك مهدوم الزوايا مجندل

ثم نلقاه متفائلًا مجللًا بالرضا النفسي، والنعيم العقلي..يقول:

ولو شئتُ أن ألقى الدراري لنلتها
ونلتُ غنى قارون..بل منه أطول

ولكن بأفقي ألف فجر رسمته
وإني لأسعى نحو حلمي وأرمل

العلاقة التناصِّيّة:
——————-
قد تلتقي بعض معاني القصيدة مع معان أخرى مبثوثة في قصائد مختلفة لشعراء تتباين عصورهم وبيئاتهم،وجُل هذه المعاني هي مشتركة في نطاق الأدب التهذيبي حول اللسان ومصائب الأيام،ولاريب أن الاشتراك الشعري،أو الشعر المشترك في ركني اللفظ والمعنى مغتفر في دائرة العفو النقدي لو تناصَّ فيه شاعران أو أكثر على مدلول معين،أمّا ما هو جارٍ مجرى الابتداع،وساكن في مسالك الاختراع،فهذا يقود إلى وصف نقدي يمكن أن نصفه بالتناص السلبي..
و كمثال واضح على سلبية التناص في القصيدة ما جاء سياقه عن الناس الذين يعطون للمال قداسة تشبه قدسية الألوهية يخضعون لها،ويحنون الجباه بين يديها..
يقول:
أرى الناس للأموال تحني جباهها
تحج لأصحاب الغنى وتهلل

والشاعر هنا يتناص مع ما شاع في العصر العباسي عن حب الدينار و الدنيا حبًا قُدسيًا:

أظهروا للناس زهدًا
وعلى الدينار داروا

وله صلوا و صاموا
وله حجوا وزاروا

خاتمة القراءة
—————–
وعلى سبيل ما سبق،يتضح أن جهاد الكريمي شاعر له تجربته الخاصة التي يحلق على أجواء فنيتها مبدعًا ،وفوق سماوات مضمونيتها مفكرًا،وهو بهذا التفكير المبدع،والإبداع التفكيري في ظلال شاعريته..هو في ذلك يتوشح بثياب الكلاسيكية الجديدة، ويتلفع بعوالم الخيالات الرومانسية،و يوسع القصيدة بإيحاءات المدارس الشعرية الرامزة….
ثم هو فوق ذلك شاعر يستشرف المستقبل بقريحته الطامحة للأمور السنيّة، والإنجازات الإيجابية،والمعنى النبيل في ميادين الحياة..
و لعل أجمل ترجمة لهذا الاستشراف بيته المغزول بخيطه الشعري الشفيف:
(ولكنْ بأفْقي ألفُ فجر رسمتُهُ
وإني لأسعى نحو حلمي وأرمل)
—————————————-

1/12/2018

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *