الأربعاء , يونيو 26 2019
الرئيسية / رؤى ومقالات / عصام الزهيري يكتب …لماذا لا يتقبل الله دعاء مشايخنا؟!

عصام الزهيري يكتب …لماذا لا يتقبل الله دعاء مشايخنا؟!

بفضل مخزون من الحديث ظل يتضخم لأكثر من خمسة قرون بعد رحيل النبي صار الأصوليون في الإسلام يملكون دعاء لكل شيء تقريبا، وأصبح المسلم شبه ملزم بأن يردد هذا الدعاء كلما همّ بفعل شيء أو في أعقابه، منذ أن يستيقظ حتى ينام، وربما في أثناء نومه أيضا أو إذا حلم حلما جيدا أو سيئا، قبل أن يأكل وبعد أن يشرب، وكلما همّ بدخول الحمام أو خرج منه، وأثناء ركوب الدابة التي أصبحت سيارة وطائرة وغواصة وحتى أسانسيرا، وقبل وبعد لقاء زوجته وكلما ولد له ولد أو بنت، وفرح أو حزن أو أصابه رزق أو أصابته مصيبة، وإذا رأى ظاهرة من ظواهر الطبيعة أو طائرا يطير بجناحيه.. وهلم جرا.
ورغم أن الدعاء يعني بأشمل وأخص معانيه صلاة شخصية ومناجاة فردية يناجي بها الإنسان ربه، “الدعاء هو العبادة” كما ينسب للنبي القول، ورغم أن اختلاف الدعاء عن الصلاة المفروضة يتمثل في أنه صلاة حرة وشخصية تربط الإنسان بربه في لحظات صفاء باطنية وفي غير سمت محدد معلوم، أي أنه صلاة قلبية غير موقوتة ولا مجهزة سلفا ولا تنطوي على طقوس ملزمة وممارسات ظاهرة، وأيضا..رغم أن كل ما يربط الحديث المنسوب للنبي بالنبي محض سلسلة من العنعنات الشفاهية التي تجعل منه قولا ظنيا كله، إلا أن الفقهاء لم يتركوا للمسلم هذه المساحة الصغيرة الباطنية من العلاقة بالله حرة ليضع فيها بصمته الروحية الشخصية الخاصة به في علاقته بربه، ولم يفسحوا المجال لبناء هذه العلاقة شديدة الخصوصية بإلهام روح الإنسان وعلى هدى ضميره الباطني وعبر محبته وارتباطه المفرد بالله، بل آثر الفقهاء على عادتهم أن يتدخلوا بوساطتهم وتقنينهم المفروض على كل صغيرة وكبيرة في حياة المسلم ليلزموه بنصوص مناجاة مؤطرة بنفس الرغبة في فرض الهيمنة الكهنوتية التي جعلتهم يرفعون الحديث إلى مقام الوحي القرآني*. لذلك صار التعريف المحبب الرائج بينهم أن الدعاء “مخ العبادة”، وهو تعبير دل دلالة قاطعة على الطبيعة النقلية التلقينية التي آل إليها المخ الأصولي نفسه، فلم يعد يفسح لشخصية المسلم ولا لإبداعه الروحي أدنى استقلالية لتتشكل بحرية ولو في مقام منفرد بالحضرة الإلهية والدعاء لله.
والحقيقة أن الأصوليين لم يمتلكوا نصوص الأدعية المقدسة التي ألزموا أتباعهم بترديدها أو ترديد بعضها في كل مناسبة وحسب، ولكنهم امتلكوا معها مفاتيح الاستجابة التي يفتحون بها أبواب السماء ويضمنون بها تلبية العليّ القدير لدعائهم وهو الأغرب، فهم نسبوا للنبي ما لو دعي به إنسان فلابد أن يستجيب الله له حتما ولزوما!، وكأنها سلاسل من كلمات السحر الغابر الذي اعتقد الإنسان القديم أنها أحرف وكلمات مسكونة بقوى كونية مسخرة ومستبطنة فيها، وفي استعادة لما أتى الإسلام لإزالته جعلوا لله اسما أعظم إذا دُعي به أجاب بالضرورة، بل ونسبوا لأدعية معينة قوة السحر تلك فما سأل إنسان بها شيئا إلا أعطاه الله ما طلب، وكأن هذه الكلمات تمتلك قوة خاصة للسيطرة على الطبيعة أو على السماء نفسها، وليس ذلك فقط وإنما نسبوا للنبي أقوالا مثل: “من دعا بهذا الدعاء استجاب الله له ولو دعي بهذا الدعاء على مجنون لأفاق, ولو دعي بهذا الدعاء على امرأه قد عسر عليها لسهل الله عليها, ولو دعي بهذا الدعاء على صفائح الحديد لذابت, ولو دعي بهذا الدعاء على ماء جار لجمد حتى يمشى عليه, ولو دعي بها رجل أربعين ليلة جمعة غفر الله له ما بينه وبين الأدميين وبين ربه”!. والأكثر غلوا أنهم جعلوا الدعاء في قوة القدر نفسه، رغم أنهم قالوا إن القدر هو علم الله وهو قدرته ومشيئته، فنسب للنبي قوله: “لا يزال القضاء والدعاء يعتلجان ما بين الأرض والسماء”، وفسروا ذلك بأن الدعاء الذي يرفعه العبد إلى الله يلتقي مع القضاء الذي قدّره الله ما بين السماء والأرض، ويحدث بينهما تصارع فإذا كان دعاء الإنسان أقوى رد الله به قضاءه الذي قدّره، دون أن يُفْهموا الناس كيف يكون دعاء العبد أقوى من مشيئة الله وإرادته؟!.
أما وقد وضع الأصوليون أنفسهم بهذا المأزق السحري العجيب مبتكرين فكرة الدعاء الذي لا يُرَد، وكأن وصايتهم على الدعاء تعدت مجال الأرض وصعدت معه للسماء، فقد كان عليهم تفسير الأسباب التي تنزع عن الأدعية قوتها فلا يستجيب لها الله، وهو ما فعلوه بروايات مثل رواية الترمذي وأحمد وفيها: “ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه”، وهو ما ينزع عن الدعاء هويته كصلة محض بين السماء والأرض، وصلاة عميقة تتوجه من العبد لله، وحوّله إلى قائمة من المطلوبات والمنافع المادية دافعها ومشروطيتها التلبية الملزمة، متجاوزين ذلك إلى الاعتقاد بأن استجابة الدعاء مرهونة بالعبد وليس بتقدير الله، ويضيف ابن القيم مشبها الدعاء بسهم الصيّاد: “الدعاء من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب، ولكن قد يتخلف أثره عنه، إما لضعفه في نفسه بأن يكون دعاء لا يحبه الله لما فيه من العدوان، وإما لضعف القلب وعدم إقباله على الله وجمعيته عليه وقت الدعاء فيكون بمنزلة القوس الرخو جدا فإن السهم يخرج منه خروجا ضعيفا”، ويتجاوز حديث آخر في صحيح مسلم، كتاب الزكاة، عن أبي هريرة هذا الحد إلى القول: “أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا..ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك”!، ما يعني أن سبب عدم استجابة الدعاء هو الكسب من الحرام، وهو ما يفترض أن الدعاء ليس صلاة باطنية وعلاقة روحية خالصة لكنه قائمة من المطلوبات المادية، وما يضع المسلم في مأزق لا مخرج منه، فما من مسلم مهما بلغ إيمانه وتقواه ونزاهته يمكن أن يكون مستجاب الدعاء بشكل دائم، وليس كل مسلم دعا الله خلال حياته استجيب له على طول الخط. ويمتد المأزق لمشايخنا أنفسهم الذين يدعون الله ليلا ونهارا في المساجد والكتب وعلى شاشات التلفزيون وأثير الإذاعات دون أن يستجيب الله لهم!.
من أهم الأبواب المعروفة لدعاء مشايخنا غير المستجاب باب الدعاء على الكافرين، فمنذ مئات السنين تقريبا يواصل مشايخنا الدعاء على الغرب، ومنذ أكثر من سبعة عقود يواصلون الدعاء على إسرائيل، فلا يزداد الغرب إلا علوا وتحضرا، ولا تزداد إسرائيل إلا قوة وتسلطا، ولا يزداد المسلمون إلا ضعفا وهزالا وتخلفا وتفككا وانقساما. ورغم أن القرآن لا يذكر عن الدعاء على المشركين غير دعاء استغاثة الأنبياء خوفا من أذاهم وضررهم كقول موسى: “وقال موسى ربنا إنك أتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم”، وكقول نوح: “وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا”، ومثل المنسوب للنبي يوم حصار المدينة كما رواه مسلم من قوله: “اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب”، ولم يقل النبي هذه الكلمات القاسية المتداولة على ألسنة المشايخ في الدعاء وفيها: “اللهم احصهم عددا واقتلهم بددا ولا تبق منهم أحدا”، فهو دعاء “حبيب بن عدي” على المشركين حينما أرادوا قتله. وإذا كان المسلم يحب ألا يرى فوق الأرض كفرا، فمن المعلوم أن الله هو من قدّر بقاء الكفر على الأرض، وجعله سنة وناموسا من نواميس الكون كما يخبر القرآن، فالدعاء بهلاك الكافرين دعاء بما قدّر الله عدم وقوعه، وهو ما يعد حسب قول ابن القيم اعتداء في الدعاء. بينما يرد عن النبي فيما رواه البخاري أنه قيل له: “يا رسول الله إن قبيلة دوس عصت وأبت فادع الله عليها، فقيل: هلكت دوس، قال: اللهم اهد دوسا وائت بهم”.
وقد حاول عقل التخريج الأصولي أن يوجد مهربا بالقول أن النبي لم يكن يعجل بالدعاء على المشركين مادام يطمع في إجابتهم للإسلام، لكنه كان يدعو على من لا يرجو إسلامه ويخشى ضرره وشوكته، وهو ما ينفيه كليا ما يورده البخاري في كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، من أن عائشة رضي الله عنها سألت النبي: “هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أُحُد؟ قال: لقد لقيت من قومك ما لقيت وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة.. فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم عليّ ثم قال: يا محمد إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فقال النبي: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا”.
وبعد ذلك لا يملك المرء إلا الدعاء لمشايخنا الذين لم نسمعهم مرة واحدة يرفعون أيديهم للسماء من أجل الدعاء على الدواعش والإرهابيين بالهداية وبأن يتقبل الله منا ومنهم.

هوامش:
*يرفعون الحديث إلى مقام الوحي القرآني: عند الإمام الشافعي (150-204هـ) وهو المنظّر الأول للأيديولوجيا الأصولية أن “الكتاب والحكمة” كما عناهما الله في القرآن هما الكتاب والسُّنة، وأن الوحي وحيان: وحي قرآني ووحي نبوي، وجعل روايات الحديث الشفهية ترتقي لمقام القول الموحى به، ورغم أن الشافعي لم يقل بنسخ القرآن بالحديث إلا أن من تلاه وصل الخط لنهايته ونسبوا للنبي قوله: أوتيت الكتاب ومثله معه، والسنة قاضية على الكتاب، وصار وضع الأحكام على لسان النبي حسبة لله.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: