الأربعاء , يونيو 26 2019
الرئيسية / كتاب وشعراء / لحظات شتوية…. بقلم سوسن الشريف

لحظات شتوية…. بقلم سوسن الشريف

لحظات شتوية دافئة
قضيت حياتي أرفض السير في طرق ليس لها نهاية، توقفت عن طرق الأبواب المغلقة، عزُفت عن الدخول إلى الأبواب المفتوحة، فضلت أن أقف في المنتصف.. في اللامكان. اخترت أن أعيش بين ثنيات اللون الرمادي، لون الغيام والغموض، ولم أسعِ إلى تغيير هذه الحياة، أمنت أن التغيير لا يأتي إلا لمن لا يبحث عنه، وعندما كان يأتيني كنت أرفضه.
اعتدت أن أعيش داخل الوحدة، فألفنا بعضنا البعض، اعتدت الاستمتاع بكل ما في الحياة بمفردي، اتشارك السعادة مع ما يُمتعني، مع زهرة برية، ضوء القمر، برودة الشتاء، مع ابتسامة طفل، موج البحر.
شعرت بالسعادة مع عبير الزهور، سبحت هائمة في ضوء القمر، استمتعت بالدفء كلما زادت برودة الشتاء، تملئ البراءة حياتي بابتسامة طفل، ويده الصغيرة تلتف حول عنقي ويحتضني بكل قوته الضعيفة، أذوب في موج البحر، وأتناثر مع مياهه فوق حبات الرمال.
وبينما أستمتع بحياتي بكل ما هو كائن وموجود، قادتني قدماي إلى أحد الابواب المفتوحة أمامي من زمن ليس ببعيد، ولا بالقصير. إنه من تلك الابواب التي لا يشكل الدخول إليها أي خطر، سرت إليه، وهو مفتوحًا على مصرعيه، ينتظر قدومي، كأننا على ميعاد دون أن ندري.
هكذا قابلته في المرة الأولى، كخيال، أو حلم، لربما هذا ما جعلني أستغرق فيه، اعتقدته حلمًا يمكنني نسيانه بمجرد الاستيقاظ، لكن ليست كل الأحلام يمكن نسيانها بسهولة. لقد أتى مع الشتاء، أتى مع أكثر الأوقات التي أتخلى فيها عن دفاعاتي، وأترك مقاومتي تتساقط مع ثلوجه لتذوب فوق دفء القلب. أعلن عن قدومه في هدوء ونقاء، في عمق وصدق، اجتاحني بجراءة وحياء لم أعهدهما من قبل، جذبني بقوة وبرفق من اللا مكان ليضعني بجواره، أسلمت له مفاتيحي بعد مقاومة لم أكن فيها جادة.
عشت معه معنى الألوان وهي تسبح على وجهه، مُعلنة عما يشعر به، لم أكن أنظر إليه، بل أقرأ ملامحه، فأعرف متى يكون سعيداً، متى يتظاهر بالسعادة، أرحل مع قسمات وجهه، ونبرات صوته، كنت أشرد منه معه.
أتَذكر أخر لقاء بيننا في يوم شتاء بارد، قطرات المطر تتساقط، تعانق حبات الثلج الماسية، تتراقص مع الهواء البارد تحت ضوء القمر، تتكثف على الزجاج أمامنا. كدنا نرسم أسماءنا داخل قلوباً صغيرة كما كنا نفعل في المراهقة، حتى ألقيت عليَّ بنظرات لوم باسمة، متسائلاً عن ما فعلته بك، لتعود بك الأعوام إلى الخلف. فتشعر ونحن معاً بشعور الطفل الذي لا يريد من الحياة سوى حضن دافئ من أمه، إلى مراهق لا يُمكنه كبح جماح عاطفته أمام أول حب، وفجأة إلى الرجل الناضج الذي يُريد أن يخفي حبيبته بين ذراعيه، يمنحها كل ما يملك من دفء وحنان وحماية، مسمدًا قوته من براءتها، وأنوثتها.
كنت أنظر إليك بخجل الفتاة التي لم تر رجل من قبل، أنتظر لتلتفت عني، أترك عيناي تسبح فوق ملامحك، كأنني أُعيد اكتشافك من جديد. أتوق إلى أن تلمس يدي، وأرى ذات الرغبة في عينيك. يوم ما انطلقت من بين شفتيك كلمة “حبيبتي”، حاملة كل الحنان والأمان، لم أعرف أن وقعها علي سوف يسحرني، يأسرني إلى هذا الحد. امتلأت عيناي بالدموع، لم أدر أهي سعادة أم نشوة، أم كلاهما. هممت بأن تمد يدك لتمسح دمعة هاربة، لكنك توقفت، محترمًا رغبتي في الرفض، كلانا كان يعلم أن اللمسة الأولى لن تكون الأخيرة، وأن موعدها لم يحن بعد..
قاطع اللقاء صديق لك ذهبت لتتحدث إليه، وتركتني لدقائق بمفردي، لكنك كنت معي. عدت لتجدني ألمس كل شيء لمسته يدك، لأشعر بك جانبي، أشعر بدفئك، وتلتصق بيدي رائحة عطرك التي امتلئ بها المكان. فنجان القهوة الذي لم تنهِه بعد، أنهيته بدلاً منك، اطبقت شفتاي على موضع فمك، أغمضت عيني كي لا يشغلني شيء عنك، إلى أن عدت تجذبني من الشرود بك إليك.
معك كل شيء مختلف.. الفراق واللقاء حتى البُعد.. قد نبتعد قليلاً.. لكننا لا نبعد أبدًا.
معك الحب مختلف.. إنه مثل حب الشتاء له مذاق القهوة وطعم الشكولاتة.. تختلط فيه المرارة والحلاوة.. لتبعث في النفس شعوراً بالسعادة والدفء في عز البرد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: