الرئيسية / رؤى ومقالات / عبد المنعم مصطفى يكتب …الى الزميل ياسر رزق مع التحية،،

عبد المنعم مصطفى يكتب …الى الزميل ياسر رزق مع التحية،،

يقول الاستاذ ياسر رزق ان الرئيس السيسي هو الوحيد الذي يمكنه القيام بعملية اصلاح التربة السياسية الجدباء في مصر، وان هذه العملية ذاتها يمكن إنجازها-بضغط المراحل-خلال عشرسنوات على اقل تقدير.. المعنى هو ان الإصلاح السياسي لا يتم بغير السيسي وأنه يستغرق بروح الانجاز والأرقام القياسية لدى السيسي عشرة أعوام على الأقل (داخل فرن المايكروويف ) على حد تعبير ياسر رزق.
ويشترط رزق تعديل الدستور أولاً كمقدمة لبداية عملية الإصلاح السياسي كما يتصوره هو، أي ان هناك شرطان للإصلاح السياسي في رأيه هما:
الأول: تعديل الدستور
الثاني: استمرار السيسي عشرسنوات أخرى لإنجاز برنامج الإصلاح السياسي،باعتبار انه الشخص الوحيد الذي يستطيع إنجاز اصلاح سياسي حقيقي.
هكذا يرى الأستاذ ياسر رزق المشكلة، وهكذا يقترح الحل لها.
لا أرى ان معضلة الحكم في مصر هي عدم وجود شخص واحد مؤهل لخلافةالسيسي عند انتهاء فترته الرئاسية، أو عند شغور المنصب الرئاسي لأي سبب آخر، فالشعب الذي أنجب مصطفى كامل ومحمد فريد وسعد زغلول وجمال عبد الناصر وعبد الفتاح السيسي قادر على تقديم عشرات الخيارات الصائبة والراجحة والمناسبة والملائمة، في مواجهة أي تحد، وتحت أي ظرف مهما بدت قسوته، لكنني أرى صعوبات عملية، ليس مصدرها، الدستور، ولا جدب الحياة السياسية، وانما طبيعة الالتزامات التي ترتبت على مصر منذ تنحية مبارك قبل نحو ثماني سنوات، ومعظمها التزامات مالية ( ديون وتعهدات) تجاه دول في الاقليم( السعودية والإمارات بصفة خاصة) أو تجاه منظمات مالية دولية( البنك الدولي وصندوق النقد الدولي) او تجاه شركات عالمية كبرى( سيمنس مثلا) أو تجاه مشاريع عملاقة باهظة التكاليف، وما تزال وستظل لسنوات أخرى قادمة، قيد الإنشاء او الصيانة.
معظم هذه التعهدات المالية والديون التي ضاعفت الدين الداخلي ثلاث مرات والخارجي اكثر من مرتين خلال اقل من ست سنوات، جرت في غياب رقابة برلمانية حقيقية، ودون رقابة شعبية من أي نوع، وهي مرشحة للزيادة على مدار الساعة.
الديون الخارجية بصفة خاصة، والتي نمت وتراكمت خلال السنوات الخمس الماضية، هي القيد الحقيقي على التغيير في مصر، وهي المعوق الحقيقي للتغيير باتجاه اصلاح سياسي حقيقي.
هات لي عاقل او رشيد وحيد، يتطلع عبر ادوات السياسة الى استلام السلطة مكبلاً بديون تستغرق مخصصات خدمتها اكثر من خمسين بالمائة من ميزانية الدولة!!
الروح الشعبية المصرية التي خرجت طوعاً في التاسع والعاشر من يونيو ١٩٦٧، لإثناء عبد الناصر عن قراره بالتنحي، كانت تقول للرجل- في احدى تجلياتها-لن تغادرقبل ان تعالج ما أنتجته سياساتك الخاطئة، نفس هذه الروح المصرية الخالصة،ربما تقول للسيسي نفس المعنى بشأن ديون مشروعاته العملاقة.
لا اعرف ان كانت آلية الاستدانة، دون رقابة شعبية سابقة ولاحقة، هي ذاتها آلية الاستدامة للسلطة بانصياع شعبي مضطر، تحت وطأة الديون، وبينما( بطن البلد مفتوحة) بالتعبير الطبي،لكنني استشعر حتى بين هؤلاء الذين يطالبون بأن تكون الفترةالرئاسية الثانية للرئيس السيسي هي الأخيرة بموجب الدستور القائم، أن ثمة (تسليم) باستحالة هذا المطلب عملياً،
وأن ثمة صيغة قد تنتجها تفاعلات الظرف الوطني مع اقتراب الاستحقاق الرئاسي الجديد.
ما هي تلك الصيغة؟!
هذا ما يحاوله ياسر رزق،سواء بتمرير أفكار، أو بإطلاق بالونات اختبار ، لكن محاولاته ما تزال قاصرة عن بلوغ غاياتها،اذ تفصح عبر صيغ مواربة عن نوايا الحكم، دون ان تفتح ثغرة كافية في جدار حلم الدولةالمدنية الذي حملته ثورة يناير، ذلك ان حجم التضحيات التي قدمها المصريون في تلك الثورة لا يمكن ان يذهب هباء. ليس مطلوباً ولا ممكناً هدم جدار حلم الدولة المدنية ، فأقصر الطرق للتعامل معه يجب ان تكون بالذهاب الى الحلم وليس بالقفز فوق أسواره او الالتفاف عليه.
هوس السلطة او هوى الاستئثار بها، قد يكون بين دوافع من يفتشون عن مخارج دستورية او سياسية او تعبوية لتمديد فترة حكم الرئيس، لكنه قطعاً ليس الدافع الوحيد، وربما انه ليس الدافع الرئيسي، فثمة من يخافون على مستقبل هذا البلد العريق بتاريخه، العميق بتجربته، الغريق بأعبائه، ومعهم الف حق، لكن هذه المخاوف او الهواجس وبعضها حقيقي، قد تقف شاهداً بذاتها على الحاجة الى التغيير، اذ يعني استمرار المخاوف والهواجس بما فيها هاجس الخوف على بقاء الدولة ذاتها، ان بعض من يعالجون أسباب المخاوف هم اصحاب مصلحة ذاتية في استدامتها، او أنهم غير قادرين على استئصال اسبابها.
نحن اذن بإزاء معضلة حقيقية، نريد ان نحافظ على مقومات الاستقرار والاستمرار فيما يتعلق بالمنصب رقم واحد في البلاد، لكن الاستقرار والاستمرار لا يتحقق مع استخفاف ظاهر بنصوص دستورية، بعضها يتمتع بحصانة ضد التعديل منصوص عليها داخل الدستور ذاته،فالاستقرار ليس ببقاء الحاكم وانما ببقاء النظام المؤسس لحكمه.
المخرج من هذه المعضلة، يستدعي الى ذاكرتي ما حاوله توفيق الحكيم في مسرحية السلطان الحائر، فقد انحاز السلطان لفكرة المشروعية الشكلية من اجل تكريس معنى الشرعية، ووافق على ان يباع في مزاد علني، ثم يعتقه من يشتريه ليعود حراً مؤهلاً لحكم مواطنين احرار، وهو سيناريو شبيه بما فعله فلاديمير بوتين عندما انتهت ولايته الرئاسية بعد اربع سنوات طبقا للدستور، اذ تبادل موقعه مع رئيس وزرائه ميدفيديف لفترة رئاسية واحدة، جرى بعدها تعديل الدستور لتصبح الفترة الرئاسية ست سنوات، ليعود بوتين الى مقعده الرئاسي مجدداً، في إطار من المشروعية.
بعض أنصار السيسي اقترحوا شيئاً مشابهاً، بان يترشح المستشار الجليل عدلي منصور للرئاسة، ويصبح السيسي رئيسا للحكومة، بصلاحيات تنفيذية-متاحة في الدستور بالمناسبة لكنها ليست مفعلة-وذلك لمدة اربع سنوات يجري خلالها حوار مجتمعي حول تعديلات دستورية محدودة، لا أرى ان من بينها استعادة مجلس الشورى، الذي برهنت التجارب السابقة عن محدودية دوره او تأثيره في الحياة السياسية المصرية. ثم يعود السيسي اذا شاء الى خوض الانتخابات الرئاسية التالية.
هذا التصور ربما يبدي عناية اكبر بالجانب الشكلي او الإجرائي ، لكن ذلك لا يتم على حساب الجانب الموضوعي، فما نريده في مصر في اللحظة الراهنة هو تكريس مبدأ تداول السلطة، وتأكيد قاعدة الالتزام بالمدد التي قررها الدستور.
نعود الى حديث ياسر رزق عن انه( ان لم تبدأ عملية الإصلاح السياسي في عهد الرئيس السيسي فإنني أشك كثيراً في أنها ستتم في المستقبل المنظور على يد غيره).. ما افهمه من كلام ياسر رزق هو ان السيسي يحتاج عشر سنوات اخرى بعد انتهاء فترته الرئاسية الثانية من اجل ان يبدأ عملية اصلاح سياسي، وما افهمه من كلامه ايضاً، انه مالم يبدأ السيسي الإصلاح السياسي في عهده- دون ان يحدد مدى زمنياً واضحاً لهذا العهد- فان الإصلاح قد لا يأتي ابداً، وهنا أود التوضيح ان الإصلاح السياسي هو السبيل الوحيد لاستدامة أي نظام سياسي، فهو لا يجري لحساب المواطنين وحدهم، وانما يَصْب ايضا في صالح أهل السلطة، بما يتيحه من اليات الرقابة والحوكمة والمحاسبة والشفافية، تلك الآليات التي توفر بذاتها لأهل الحكم، المعلومات المدققة والدعم الشعبي غير المصطنع.
ولا أفهم، ولا أعرف، ان كان الإصلاح السياسي لا يمكن ان يتم -بحسب ياسر رزق-الا على يد السيسي وفي عهده، فلماذا لا يبدأ الآن، ولماذا يحتاج السيسي الى وقت إضافي، عدا الوقت المستقطع ، من اجل ( البدء) في هذا الإصلاح.
أتابع لقاءات السيسي مع الشباب، لكنني لا أراها آلية للإصلاح السياسي، الذي لا يشتمل فحسب على ما يتعين عليك كحاكم ان تفعله، وانما يشتمل ايضا على ما يتعين عليك الا تفعله، مثل التدخل الحكومي في اداء مؤسسات إعلامية على نحو انتهى بإعلامنا وقنواتنا الى ان أصبحت مهجورة لا يتابعها أحد، وانتهى باحزابنا الى ان اصبح أقصى طموحها ان تصبح كرتونية لا ورقية،وانتهى ببرلماننا الى ان اصبح منبرا يعتليه خطباء باتت خطبهم مادة للسخرية، تنافس ما ذهب اليه اباطرة المسرح الكوميدي في مصر.
البدء الآن وفوراً برد الاعتبار للنقابات والاتحادات والأحزاب، ومنابر الاعلام والرأي، وحرية تداول المعلومات، كلها خطوات صغيرة، تساعدعلى اصلاح الحياة السياسية في مصر، ولا تحتاج لا الى تعديل الدستور، ولا الى عشر سنوات إضافية.
ضخ الدماء في شرايين السياسة المصرية الآن، هو ما يتيح ايجاد المخرج الذي يرهق ياسر رزق نفسه لاكتشافه أو للحصول عليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: