الرئيسية / ثقافة وفنون / أشرف الريس يكتب عن : ذكرى رحيل زكى رستُم

أشرف الريس يكتب عن : ذكرى رحيل زكى رستُم

يوافق اليوم الذكرى السنوية الـ 47 لرحيل ” شرير السينما المصرية الأعزب ” و ” الباشا ” و ” الفنان ذو الألف وجه ” و ” مُحطم أحلام جميلات السينما المصرية ” و  ” صاحب نظرية الإندماج ” الفنان العملاق ” محمد زكى مُحرم محمود رستم الشهير بزكى رُستُم ” و الذي برع فى تجسيد جميع الشخصيات بمصداقية مُتقنة سواء الباشا أو المعلم أو الفتوة أو الأب أو الموظف الفقير أو تاجر المخدرات و غيرها و الذى يُعدُ من أهم نجوم السينما المصرية على مدار تاريخها و لم يكن ذلك بشهادة النُقاد و الجُمهور المصرى فقط إذ اعتبره العديد من النقاد العالميين أحد أكثر الفنانين موهبة على مستوى العالم و اختارته مجلة ” بارى ماتش ” الفرنسية كواحدٌ من أفضل عشرة مُمثلين فى العالم كما وصفته مجلة ” لايف ” الأمريكية بأنه من أعظم مُمثلى الشرق و أنه لا يقلُ مُطلقاً عن المُمثل البريطانى الكبير ” تشارلز لوتون ” و لكن يبدو أن قدر بعض النجوم الذين أمتعونا طوال تاريخهم بأعمال مُتميزة و خالدة فى تاريخ الفن أن تكون حياتهم الخاصة مليئة بالمآسى و الأحزان و لعل من أكثر الفنانين الذين كانت حياتهم الخاصة عبارة عن فيلم تراجيدى طويل هو العملاق زكى رستُم .. ولد زكى رستُم فى 15 / 3 / 1903و فى فمه مِلعقة من ذهب حيث نشأ فى قصر يمتلكُه جده اللواء ” محمود باشا رستم ” فى منطقة الحلمية و الذى كان من كِبار ضُباط الجيش أما والده ” محمود بك رستم ” فكان من كِبار مُلاك الأراضى الزراعية و لم يكُن فى أسرته بالكامل من يحمل لقب أفندى ! و قد عشق رستُم التمثيل منذ الصِغر فكان يخرج مع مُربيته و هو صغير لمُشاهدة الموالد و عروض الأراجوز و عندما أضحى طالباً فى المرحلة الابتدائية كان يذهب مع أسرته لمُشاهدة العروض المسرحية التى تقدمها فرقة ” جورج أبيض ” و فى أحد المرات شاهد جورج أبيض و هو يؤدى شخصية أوديب فى مسرحية ” أوديب ملكاً ” فعاد لمنزله و حاول استرجاع طريقة تمثيله و لم يكتف بذلك فقط فجمع أصدقائه و أقاربه لتمثيل الرواية معه فى بدروم القصر ! و الحقُ يُقال أن التمثيل لم يكن هو هواية رستُم الوحيدة إذ كان بطلاً رياضياً أيضاً و كان يهوى رفع الأثقال و حصُل على بطولة هذه اللعبة عام 1923م و فى العام التالى حصُل على شهادة البكالوريا و كان من المُفترض أن يستكمل دراسته لكلية الحُقوق طِبقا للتقليد السائد فى العائلات الارُستقراطية آنذاك و الذى يلزم أبنائها باستكمال دراستهم الجامعية و لكن المُفاجأة أنه رفض دراسة الحُقوق و أخبر والدته برغبته فى أن يكون مُمثلا و هنا ثارت الأم بشدة و خيرته بين الفن و العيش معها فاختار الفن و ترك المنزل فأصيبت الأم بالشلل ! حُزناً على عمل ابنها بالتمثيل .. كانت بداية زكى رستُم فى مجال الفن من خلال الفنان ” سليمان نجيب ” الذى كان والده صديقا لوالد رستُم فقدمه للفنان ” عبد الوارث عسر ” الذى نجح فى ترتيب لقاء مع جورج أبيض و عندما رآه طلب منه أداء مشهد تمثيلى و بعد نجاحه فى أداء هذا المشهد بتفوق واضح وافق على انضمامه لفرقته حيث ظل رستُم يعمل فيها لمدة عامٍ و نصف تعلم خلالها الإندماج الكامل فى الشخصية و هو الأسلوب الذى اشتهر به جورج أبيض و ما لا يعلمه الكثيرين أن زكى رستم قد رفض طيلة مُدة عمله مع جورج أبيض أن يتقاضى أى أجر ! فكان حُبه للتمثيل يجعله سعيداً بمُمارسة هوايته دون مُقابل رغم أن الأجر المُحدد له كان نحو 7 جنيهات و هو ثروة بمقاييس ذلك العصر و قد ظل يعمل أيضاً بدون أجر فى فرقة رمسيس التى انتقل إليها بعد تركه فرقة جورج أبيض إلا أن يوسف وهبى أقنعه بأهمية الإحتراف و تقاضى أجر و بالفعل تقاضى أول أجر شهرى فى حياته و هو 15 جنيها و كان هذا الأجر يُعد من الأجور المُميزة داخل الفرقة حيث كان البطل الأول يحصُل على 25 جنيها و بعد عامين من عمل رستُم بالفرقة التحق بفرقة ” فاطمة رشدى ” و عزيز عيد و كانت محطته المسرحية الأخيرة فى الفرقة القومية .. يُعد رستُم من الرعيل الأول الذى قامت صناعة السينما على أكتافهم فبدأ مع السينما الصامتة و ظهر فى فيلم زينب عام 1930م و كان شديد الطيبة و الإنطوائية ! بدرجة كبيرة و خفيف الظل بصورة غير مسبوقة و من المواقف الطريفة التى حدثت فى تصوير فيلم زينب و تدل على ذلك عكس ما كان يُشاع عنه أنه مُتجهم و مُتعالى و حاد المزاج أن المُخرج محمد كريم طلب منه فى أحد مشاهد الفيلم أن يحمل زوجته المريضة بالسُل و التى تُجسد دورها الفنانة ” بهيجة حافظ ” و بالفعل أدى المشهد و لكن كريم لم يعجبه أدائه و طلب منه إعادة المشهد ليكون أكثر رومانسية فغضب رستُم لأن بهيجة كانت ثقيلة الوزن فألقاها من يده على الأرض و صرخ فى وجه كريم ” اتفضل شيلها أنت عشان أنا مش مستغنى عن عمودى الفقرى .. و بعدين زومانسية إيه و نيلة إيه من واحد وزنه 65 كيلو زيى مع واحدة مبقلظة و قده مرتين زى بهيجة ؟! .. أبوس إيدك إرحمنى لاجل خاطر النبى ” و بعد نجاح رستُم فى فيلم زينب قدم مجموعة من الأدوار الصغيرة فى أفلام ” الضحايا ” و ” الوردة البيضاء ” و ” العزيمة ” و ” ليلى بنت الصحراء ” و قد ساعدت ملامحه الحادة على إتقان أدوار الشر و التى وصلت لدرجة أن الناس كانت تكرهُه بالفعل و تصوروا أنه فعلاً شرير كما تميز أيضاً فى أدوار الباشا الارُستقراطى فى العديد من الأفلام و لكن رغم تميُزه فى هذه الأدوار إلا أنه جسد أيضاً شخصية الموظف المطحون ببراعة ملحوظة لا تقل عن براعته فى تقمص دور ابن البلد أو البلطجى أو تاجر المُخدرات أو رجُل القانون و لهذا أطلق عليه النقاد لقب ” الفنان ذو الألف وجه ” و كان أهم ما يُميز رستُم هى قدرته العالية على تقمص أى شخصية يقدمها و فى كثير من الأحيان عندما ينتهى من أداء مشهد مُعين تتصاعد موجة من التصفيق من جميع الحاضرين بمن فيهم من شاركوه أداء المشهد تعبيراً عن إعجابهم بقُدرته العالية على الاندماج مع الدور و قد ظل رُستُم تؤرقه عُقدة والدته التى توفت بعد إصابتها بالشلل بسبب اتجاهه للفن و مع ضغط أسرته عليه للزواج تقدم لفتاة من خارج الوسط الفنى و لكن عريس آخر كان أسرع إليها منه فلم يُكرر التجربة ثانية و عندما تقدم فى العُمر نصحته شقيقاته بالزواج من امرأة فى مثل سنه لترعاه و لكنه رفض قائلاً ” لا أنا مش هظلم معايا بنات الناس و اتجوزهم عشان يخدمونى ” .. عانى رستُم فى أوائل الستينيات من القرن الماضى من ضعف السمع و قد أعتقد فى البداية أنه مُجرد عارض سيزول مع الأيام و أنه بحِفظه جيداً لدوره و قراءته لشفاه المُمثلين أمامه قد يحل المُشكلة و لكن هذا لم يحدث ففى آخر أفلامه ” إجازة صيف ” كان قد فقد حاسة السمع تماماً فكان ينسى جُملاً فى الحوار أو يرفعُ صوته بطريقة مسرحية و عندما كان المُخرج يوجهه أو يُعطيه مُلاحظاته لا يسمعها كان يحزن كثيراً حتى أنه فى أحد المرات بكى فى الإستوديو من هذا الموقف و بعد انتهائه من تصوير الفيلم هجر رستُم السينما و الأضواء تماماً و عاد لطبيعته الإنطوائيه و كان صديقه الوحيد هو كلب وولف يملُكه فكان يصحبُه عندما يغادر المنزل لتناول الطعام فى أحد مطاعم وسط القاهرة ثم يعود لعُزلته داخل المنزل و ظل على هذا المنوال حتى أصيب فى أواخر أيامه بأزمة قلبية دخل على إثرها المُستشفى و مكث فيها أياماً عديدة حتى توفى يوم 15 فبراير عام 1972م عن عُمرٍ يناهز الـ 69 عاماً ليرحل جسداً و يظل روحاً و فناً بأعمالٍ خالدة ستظل محفورة بأذهاننا إلى يوم يُبعثون .. رحم الله زكى رُستم و تجاوز عن سيئاته و أسكنه فسيح جناته .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *