الرئيسية / منوعات ومجتمع / لجين بغدادي تكتب : فى السفر فوائد كثيرة أهمها أنه يعرفك على نفسك !

لجين بغدادي تكتب : فى السفر فوائد كثيرة أهمها أنه يعرفك على نفسك !


ليس سفراً مالم يُسفر عن خصال جديدة فيك، مالم يستفز أشياء كامنة في قلبك، مالم تعُد
شخصاً آخر غير ذاك الذي أطلّ من النافذة مودعاً بلده“

إذا
كان هناك شيئاً تعلّمته خلال سفري، هو أن السفر يعرّفك على نفسك أكثر، يجعلك حقيقياً
وواضحاً في مواجهتك لأفكارك بينك وبين نفسك.

خروجك
من “منطقة الراحة (Comfort zone
)”،
واختلاطك مع شعوب وثقافات مختلفة عنك، تجعل منك شخصاً آخر أكثر نضجاً وأكثر حكمة في
انتقاء قناعاتك.

وأنت
هنا بعيداً آلاف الكيلومترات عن أهلك ومجتمعك المعتاد، فاقداً كل دعمك الاجتماعي، يجعلك
واعياً أكثر لاختيار الشخص الذي تريد أن تكونه، فهنا لا اسم عائلتك ولا تاريخ جدك يعطيك
مرتبة وإطاراً اجتماعياً محدد، ولا انتماؤك لدين أو طائفة معينة سيعطيك الأفضلية في
تعاملاتك! وحدها إنجازاتك وقدراتك الفردية ستكون ميزان الناس ومصدر حكمهم، لتغدوا كل
الأشياء التي اعتدت عليها والتي كنت تأخذها كشيء مُسلّم به (for granted
) هباءً منثوراً، لتجد نفسك تشكُّ في أبسط وأصغر
أفكارك، تطرح على نفسك أسئلة للمرة الأولى، وتستغرب كيف لم تفكر بها من قبل!

نشأتك
داخل مجتمعنا العربي المغلق، الذي يقوم بتلقينك أفكاراً معلّبة وأجوبة جاهزة على كل
تساؤلاتك من لحظة ولادتك، تُفقد الفرد منّا حسّ التساؤل والتفكير النقدي الذي لايقبل
كل مايسمعه، فأصبحت أغلب معتقداتنا وقناعاتنا مبنيّة على أسس هشّة من أمثال: “لأنو
هيك تربينا”، “وعيت عالدنيا هيك لقيت!”، “لانو عيب”، “لأنو حرام”، لأنو الناس بتحكي
علينا”، لأنو مابيصير”، وفي أفضل الأحوال “لأنو هيك!”.

تسافر
لتجد كل تلك التبريرات لن تجدي نفعاً ضمن محيط لايشبه محيطك، ولا يعترف بعاداتك الاجتماعية
ولا بتقاليد دينك، فما كان عيباً هناك أصبح متاحاً هنا، ولا رقيب على نفسك إلا نفسك.

فتمسي
مثقلاً بقناعات لاتُشبهك، وتصرفات تقوم بها دون وعي منك، لتبدأ رحلة الاستكشاف الجديدة،
مزعزعاً ثوابتك القديمة.

“ليش
أنتي مسلمة؟”، “ليش الإسلام الدين الصحيح؟”، ليش دينكن بيفرض الحجاب؟”، لتكتشف أن أغلب
أجوبتك مرجعها اجتماعي، أكثر منها مرجع منطقي أو إنساني، كقول قريش هذا ما وجدنا عليه
آباؤنا.

يخطئ
من يظن أن أن عكس العلم هو الجهل، عكس العلم هو وهم المعرفة، وهم أنك خبيراً ومُلِّمّاً
بكل الأسباب الدفينة لقناعاتك، لتتفاجئ عند خروجك أن كل ماكنت تفعله “بحكم العادة”،
أصبح هنا يحتاج لتبريرات منطقيّة وأسباباً مقنعة لنفسك أولاً، ولمن حولك ثانياً.

هناك
من يجد كل قيمه وأخلاقياته السابقة أمست حملاً يُثقل كاهله، فيخرج من عباءته المحليّة،
ليلبس وجهه الأوروبي الجديد، بشخصية مزدوجة تؤمن بلا ماتفعل، وتقول عكس ماتفعل، لا
يملك جرأة الاعتراف بما يفعل، فاقداً لبوصلته، وغارقاً حتى القاع في الجو الجديد.

وهناك
من يُغلق على نفسه كليّاً رافضاً أن يتفاعل مع كل ما هو جديد، لأانه أضعف من أن يُثبت
قوة أفكاره، فيعيش في عالمه المثالي الخيالي وحيداً، رافضاً كل اختلاف، ظناً منه أن
استمرار تصرفه حسب المعتاد حيث كان، سيبقي على تلك الصلة الوهمية بينه وبين وطنه الأم،
فيستمد شعوره بالأمان المزيّف من تلك التصرفات.

شخصياً
وجدت انتقالي لمكان جديد فرصة لأعيد بناء منظومة أفكاري وقناعاتي من جديد، وأن استكشف
كل الاحتمالات من حولي، وأختبر كل الإمكانيات، لأشبع فضولي، ولأجد أجوبة، وأصل إلى
المعنى!

ووجدت
أن الوصفة الناجحة لذلك هو أن تكون بسيطاً، أن تكون تبريراتك لما تفعله أمام نفسك واضحة
وحقيقية ومباشرة، آمنت فعلاً بقول “أينشتاين”: “إذا لم تستطع شرح فكرتك لطفل عمره ستة
أعوام، فهذا يعني أنك لم تفهمها بعد.”

إحدى
مشاكل المجتمع العربي أنه يربط العمق مع التعقيد، فكل قضايانا الوجوديّة، نتفنن في
تعقيدها، لنوهم الآخرين أنها مهمّة وجوهريّة. الدين والسياسة أبسط مثالين على ذلك،
تجرؤك لطرح سؤال في إحداهما كافٍ ليرمقك أحدهم بنظرة “هي القصص نحنا مامنعرف فيها،
في عالم أفهم منا، وين فايت بهالعجقة؟”. كيف تمنعوني من سبر أغوار ما أنا معنيّ به،
وماجاء ليسهل حياتي في الأساس!

لا أنكر
أهمية البحث والتحقق في كل شيء لفهم أساسياته وقواعده، ولكني أرى الموضوع من منظار
أبسط. كل ما وافق منطقك ومبادئك الإنسانيّة، تمسّك به. كل ما أملاه عليك قلبك، ووافق
عليه عقلك، اذهب إليه. وتخلًى عن كل مالم يتوافق مع حكمك العقلي، ونظرتك الشخصيّة
“الفرداوية” للخطأ والصواب. ابحث قبل أن تقرر، ولكن كن حقيقياً، لا تختزل كل ماتؤمن
به بطقوس وشعائر فارغة، مالم تشعر بها أثناء تأديتها، لاتفعلها من أجل المجتمع، ولا
من أجل الحفاظ على الصورة النمطيّة لك في أذهان الناس، احترام العالم لك لن يساوي شيئاً
إذا ماخسرت احترامك لنفسك.

كن منسجماً
مع نفسك، وتصالح مع أخطائك، واعمل جاهداً لردم الهوّة بين أفكارك وتصرفاتك. واجه العالم
بقناعات قوية مرنة، وقيماً واضحة، وروحاً خفيفة، واقطع حبال “الماريونيت” التي كانت
تجبرك على التصرف عكس إرادتك. دماغك وضِعَ في جمجمتك لسببٍ ما، فلا تعطلّه عن التفكير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: