الرئيسية / ثقافة وفنون / أشرف الريس يكتب عن: ذكرى رحيل محمد القصبجى

أشرف الريس يكتب عن: ذكرى رحيل محمد القصبجى

يوافق اليوم الذكرى السنوية الـ 53 لرحيل ” قصب الألحان الجميل ” و ” أسطورة الموسيقى ” و ” أستاذ التجديد الموسيقى ” و ” العبقرى ” الموسيقار العملاق ” محمد أحمد القصبجى ” الشهير بمحمد القصبجى و هو الفنان الجميل الذى يُعد واحداً من أبرز أساتذة الموسيقى العربية و التلحين الغنائى فى القرن العشرين دون أدنى تهويل و صاحب مدرسة خاصة فى التلحين و الغناء بعد أن استطاع أن يصنع من ألحانه نسيجاً مُتجانساً بين أصالة الشرق و الأساليب الغربية المُتطورة و هو الذى ارتضى الجلوس على مِقعده الخشبى  وراء « الست » مُحتضناً عوده لسنوات مؤثراً أن يكون عضواً عازفاً كباقى أعضاء فرقتها ! على الرغم من أثراءه الموسيقى العربية بالعديد من الأعمال التى كانت سبباً جوهرياً فى تطورها علاوة على تلحينه لنجوم الطرب فى عصره بداية من مُنيرة المهدية و صالح عبد الحى و نجاة على مرورا بليلى مُراد و أسمهان و انتهاءاً بكوكب الشرق السيدة أم كلثوم التى عشق العزف على آلة العود فى فرقتها ليظل بجوارها حتى عند مماته فى نهاية الستينيات ظلت سومة مُحتفظة بمقعده خاليا خلفها على المسرح ! تقديراً لدوره العظيم و مشواره المُضيئ معها .. ولد القصبجى فى 15 / 4 / 1892م بحى الدرب الأحمر بمُحافظة القاهرة وسط عائلة موسيقية حيث كان والده أحمد القصبجى مُدرساً لآلة العود مما نما لدى القصبجى الإبن حُب الموسيقى منذ صغره و تعلق بها و لكنه لم يحد عن طريق العلم فالتحق بالكُتاب و حفظ القرآن الكريم و انتقل إلى الأزهر الشريف و درس اللغة العربية و المنطق و الفقه و التوحيد ثم التحق بعد ذلك بدار المُعلمين و تخرج منها معلماً و كان عليه بعد ذلك أن يلتحق بالسِلك التعليمى و لكن هوايته للموسيقى لم تبرُد فى صدره بعد اشتغاله عقب تخرجه فى مجال التعليم فلم ينقطع عن الموسيقى بعد مواعيد العمل مما كان له الحافز الكبير ليتمكن من إتقان أصول العزف و التلحين و قد ساعدت ثقافته العامة على خوض غمار هذا المجال باقتدارٍ ملحوظ و بدأ يعمل فى مجال الفن على فترات حتى قرر ترك مهنة التدريس و التفرُغ تماماً للعمل الفنى بعد نظمه و تلحينه لأغنية يبدأ مطلعها بـ ” ما ليش مليك فى القلب غيرك ” و تسجيلها بصوت المُطرب ” زكى مراد ” والد الفنانة ليلى مراد و الذى يُعد أحد مشاهير المُطربين فى ذلك الوقت و بعد نجاح الأغنية الساحق التفت المُطربون له و من هنا بدأت رحلة القصبجى الإحترافية فى عالم الفن فكان أول عمل تلحينى احترافى له هو دور ( وطن جمالك فؤادى يهون عليك ينضام ) من كلمات شاعر عصره الشيخ ” أحمد عاشور ” ثم أنضم القصبجى بعدها إلى تخت ” العقاد الكبير ” عازف القانون بعد أن أعجب به هو و المرحوم ” مصطفى بك رضا ” رئيس نادى الموسيقى الشرقية و فى عام 1920م اتجه القصبجى اتجاها آخر فى تلحين الطقاطيق و التى كتبها ” الشيخ يونس ” منها طقطوقة ” بعد العشا يحلى الهزار و الفرفشة ” و طقطوقة ” شال الحمام حط الحمام ” و فى عام 1923م أستمع محمد القصبجى إلى السيدة أم كلثوم و كانت تنشد قصائد فى مدح الرسول و أعجب بها كثيراً فلحن لها فى عام 1924م أغنية ” آلـ إيه حلف مايكلمنيش ” و ظل مُنذ ذلك اليوم و حتى آخر يوم فى حياته يُعاون كوكب الشرق كما يُنسب للقصبجى أيضاً فضل التجديد فى المونولوج الغنائى بداية من ” إن كنت اسامح و أنسى الآسية ” إلى ” رق الحبيب ” و قد كان فى كل هذه الألحان و غيرها و باعتراف أبرز الموسيقيين و النقاد هو زعيم التجديد فى الموسيقى المصرية و فى عام 1927م كون القصبجى فرقته الموسيقية التى ضمت أبرع العازفين أمثال ” محمد العقاد ” للقانون و ” سامى الشوا ” المُلقب بأمير الكمان و كان هو عازف العود فى الفرقة و لم يتوقف عند الشكل التقليدى للفرقة الموسيقية العربية فأضاف إلى فرقته آلة ” التشيلو ” و آلة ” الكونترباص ” و هما آلتان غربيتان استطاع القصبجى أن يُدمجهُما وسط الآلات الشرقية دون أدنى نشازُ موسيقى كما كان يتنبأ له العقاد و الشوا ! كما قدم القصبجى ألحاناً عديدةً للسينما و كان من أكثر المُلحنين إنتاجاً طيلة 50 عاماً و قدم للمسرح الغنائى الكثير فقدم لمُنيرة المهدية مسرحيات ” المظلومة ” و” كيد النسا ” و” حياة النُفوس ” و” حرم المُفتش ” و لنجيب الريحانى ثلاثة ألحان فى أوبريت ” نجمة الصباح ” كما قام أيضاً بتلحين الفصل الأول من ” أوبرا عايدة ” الذى غنته أم كلثوم فى فيلمها ” عايدة ” فى أوائل أربعينيات القرن الماضى و الحق يُقال أن القصبجى كان يُطور فى ألحانه و لكن فى إطار المُحافظة على النغمة الشرقية الأصيلة و قد تتلمذ على يديه فى العزف على العود موسيقار الأجيال ” محمد عبد الوهاب ” و أخذ منه مدرسة دمج الشرقى بالغربى و لكنه اتجه فيما بعد للتغريب و لم يسر على خُطى أستاذه ! .. أحب القصبجى ثومه حُباً كبيراً تحدث عنه معاصروه و لكن سومة لم تبادله هذا الحب مُطلقاً ! و كان القصبجى يعلم ذلك جيداً و مع ذلك لم تتأثر علاقته بها فظل يلعب دوراً كبيراً فى حياتها الفنية على الرغم أن تلك العلاقة الإنسانية و الفنية الرائعة لم تخلُ من بعض الخلافات منها تعاون القصبجى مع ” أسمهان ” و ” ليلى مراد ”  الذى أثار غيرة سومة الفنية و التى تعودت أن تكون هى الصوت الذى يُغنى ألحانه و قد ردت ثومه على القصبجى بتعاونها مع المُلحن الشاب حينها ” رياض السُنباطى ” أحد تلاميذ القصبجى ثُم جاء الخلاف الثانى بين الست و قصب بعد فيلم “ عايدة ”عام 1942م و قدمت فيه ثومة أوبرا “ عايدة ” من تلحين القصبجى و السُنباطى و لكن فشل الفيلم جماهيرياً نذاك أدى لابتعاد سومة عن القصبجى حيت اعتبرته مسئولاً عن هذا الفشل السينمائى الذى لم تعتده سومة بعد أن كانت أفلامها تُحقق نجاحاً جماهيرياً غير مسبوق و هو ما جعلها ترفُض التعاون معه فى فيلمها اللاحق “ سلامة ” ! و ظلت سومة ترفض ألحان القصبجى بعد ذلك لحناً بعد الآخر ! حتى توقف هو عن التلحين تماماً لأنه لم يتخيل أن يُلحن لأى فناناً آخر بعد الست ! و هو السر الذى ذكره لثومة و هو على فراش المرض بعد أن سألته عن توقفه طيلة هذه الفترة و هو ماجعل الدموع تنزل من عيونها لشعورها بتقديره الشديد لها دون أدنى تقديرٍ منها تجاهه ! و بعد أن تعافى القصبجى ظل على هذا المنوال فارتضى بدور العازف للعود خلف الست رافضاً التلحين لغيرها حتى جاء يوم 26 مارس 1966م حيث بروفة أغنية ” الأطلال ” و الجميع فى انتظار قدوم القصبجى ليجلس خلف الست و لكن الإنتظار طال كثيراً لأنه كان قد فارق الحياة قبل ميعاد البروفة بساعتين عن عمر ناهز الـ 74 بعد أن قدم فيها للموسيقى العربية آثاراً و إثراءات ثمينة و أضاف للموسيقى الشرقية ألواناً من الإيقاعات الجديدة و الألحان السريعة و الجمل اللحنية المُنضبطة و البعيدة عن الارتجال و بعد أن هجر التلحين لأكثر من عشرين عاماً و ظل حبيس عشقها الفنى و الإنسانى لسنوات طويلة امتنع فيها عن الزواج بأى امرأة أخرى و ظلت تتحدث أم كلثوم عن قيمة القصبجى و تجديده الموسيقى حتى بعد وفاته فى آخر حوار إذاعى لها فقالت و هى تبكى إن كل من ينتمى لعالم الموسيقى لابُد و أن يُقدر قيمة القصبجى الفنية لأنه كان فناناً مُبدعاً حتى النُخاع و كُل من على الساحة الآن هُم تلاميذٌ له .. رحم اللهُ محمد القصبجى و أسكنه فسيح جناته .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.