الرئيسية / ثقافة وفنون / أشرف الريس يكتب عن: ذكرى رحيل أحمد زكى

أشرف الريس يكتب عن: ذكرى رحيل أحمد زكى

يوافق اليوم الذكرى السنوية الـ 14 لرحيل ” النمر الأسود ” و ” العبقرى ” و ” الإمبراطور ” الفنان العِملاق ” أحمد زكى متولى عبد الرحمن بدوى ” الشهير بأحمد زكى و هو الفنان الرائع صاحب المشوار الفنى الذى تجاوز الثلاثة عقودٍ من العطاء المُتواصل الذى مكنه من تدوين اسمه فى سِجل عُظماء السينما العربية بعد أن استطاع أن يُغيَرَ من مفهوم و نظرة السينما المصرية للنجم و للبطل بعدما كانت الوسامة للرجال قبل مجيئه مُرتبطة بالوجه الحسن أو بالمظهر الأوربى و لكن زكى غير هذا كُله بعدها و حول المِعيار لشدة إتقان الدور و تقمُصه حتى يتوهم المُشاهد بأن الشخصية الحقيقية هى من تقوم بالدور و ليس أحمد زكى ! و الحقيقة أن زكى فناناً تحتاج أدواره إلى كُتبٍ كثيرة من أجل التعرُف على مفاتيح تقديمه لها و لم تقل حياته العاطفية دراما عما قدمه من أعمال فارتبط فى حياته بشائعات كثيرة و ألغاز حيرت الجميع ممن أكدوا ارتباطه بتلك الفنانة أو غيرها دون حقيقة مؤكدة سوى زواجه الرسمى بواحدة فقط آلمه رحيلها عن الحياة أشد الأم رغم انفصاله عنها ! .. ولد زكى فى 18 / 11 / 1949م فى مدينة الزقازيق بمُحافظة الشرقية و كان الابن الوحيد لأبيه الذى توفى بعد ولادته ثم تزوجت أمه فرباه جده حتى حصُل على الشهادة الإعدادية ثم دخل المدرسة الصناعية بالزقازيق حيث شجعه ناظر المدرسة الذى كان يعشق المسرح على التمثيل لما وجد فيه من موهبة فِطرية فى تقليد الفنانين و فى حفل المدرسة تمت دعوة مجموعة من الفنانين من القاهرة و قابلوه و نصحوه بالإلتحاق بمعهد الفنون المسرحية و كانت مُفاجأته السيئة حين رفضه الفنان ” عبد الرحيم الزرقانى ” بعد أن أدى إمتحان القبول فى المعهد و نصحه بأن يبحث عن وظيفة أخرى لأنه لايمتلك موهبة التمثيل على الإطلاق ! حيث قال له بالحرف الواحد ( إنتا مين إللى ضحك عليك و قالك إنك عندك موهبة فى التمثيل ؟ روح يابنى شوفلك شُغلانة تانية تسترزق منها و سيبك من التمثيل ده خالص ) ! و خرج زكى حزيناً مُبتئساً و لكنه لم ييأس فتقدم مرة أخرى للإمتحان و من سوء حظة أن الزرقانى كان من ضمن لجنة الإختبار و رفضه مرة أخرى بعد أن نهره ! و لكن من حُسن حظ زكى أن الفنان ” حمدى غيث ” كان يُرافق الزرقانى فى اللجنة و كان مبهوراً جداً بأداء زكى لدرجة أنه تشاجر مع الزرقانى و قال له ” الولد الأسمر ده حكاية و أنا مُستعد أراهن إنه حايبقى له مُستقبل كبير جداً بس قولى يا عبد الرحيم بصراحة إنت ماعجبكش تمثيله و لا لون بشرته الغامقة ؟! ” و صمم ” غيث ” بأن يَقبل ” زكى ” طالباً فى المعهد على مسؤليته الشخصية ! و قد أتت فرصة زكى الأولى للعمل بينما كان لا يزال يدرس فى معهد الفنون المسرحية عام  و بالتحديد عام 1969م بعد أدى دوراً بسيطاً كعاملٍ فى خدمة الغُرف فى مسرحيةٍ كوميدية بعنوان ” هالو شلبى ” و قد خدمه الحظ لأن المُمثل الرئيسى لم يظهر فى تلك الليلة و استطاع زكى استكمال الليلة و تمكن من تقديم صورٍ هزلية مُثيرةٍ للإعجاب و لا سيّما انتحال شخصية المُمثل الشرير محمود المليجى و تمكن من كسب رضا الجميع بموهبته تلك و بعد تخرُجه من المعهد عام 1973م كان الأول على دُفعته و كان ” حمدى غيث ” فخوراً به لأنه لم يخسر رهانه على تلك الموهبة الفذة .. قام زكى بعد ذلك بعدة أعمال ناجحة فى المسرح لاقت نجاحاً جماهيرياً غير مسبوق مثل ” مدرسة المشاغبين ” و ” أولادنا فى لندن ” و ” العيال كبرت” كما لمع اسمه أيضا على الشاشة الصغيرة فى مُسلسل ” الأيام ” و مُسلسل ” هو و هى ” و ” اللسان المُر ” و ” الرجل الذى فقد ذاكرته مرتين ” كما اشترك على الشاشة الكبيرة فى عدة أعمال بأدوار ثانية أما أول بطولة له فكانت فى فيلم ” شفيقة و متولى ” ثم قدم بعدها العديد من الأفلام مثل ” إسكندرية ليه ” و ” الباطنية ” و ” طائر على الطريق ” و ” العوامة 70 و عُيون لاتنام ” و ” النمر الأسود ” و ” موعد على العشاء ” و ” البريئ ” و ” زوجة رجل مُهم ” و ” أبناء الصمت ” و ” بدور ” و ” شلة المُشاغبيين ” و ” العمر لحظة ” و ” وراء الشمس ” و ” المُدمن ” و ” الإحتياط واجب ” و ” درب الهوى ” و ” الليلة الموعودة ” و ” الراقصة و الطبال ” و ” البداية ” و ” شادر السمك ” و ” البيه البواب ” و ” البيضة و الحجر ” و ” الحُب فوق هضبة الهرم ” و ” مستر كاراتيه ” و ” سواق الهانم ” و ” ناصر 56 ” و ” أيام السادات ” و العديد من الأفلام الأخرى التى حققت نجاحات كبيرة على مُستوى الجماهير و النُقاد على السواء و نال جائزته الأولى عن فيلم ” طائر على الطريق” و ظل يتألق فى شخصيات عديدة و راح فى كل مرة يُقدم وجهاً أكثر صدقاً للمصرى الأصيل فجسد شخصية الرئيس جمال عبد الناصر فى فيلم” ناصر 56 ” و جسد السادات فى فيلم ” أيام السادات ” .. حصُلَ زكى على جوائز عديدة كان أولها جائزة عن فيلم ” طائر على الطريق” فى مهرجان القاهرة و جائزة عن فيلم ” عيون لا تنام ” من جمعية الفيلم و جائزة عن فيلم ” امرأة واحدة لا تكفى ” من مهرجان الإسكندرية عام 1989م و جائزة عن فيلم ” كابوريا ” من مهرجان القاهرة السينمائى عام 1990م و جديرٌ بالذكر أن أثناء الإحتفال بمئوية السينما العالمية عام 1996م إختار السينمائيون ستة أفلام قام ببطولتها أو شارك فيها الفنان أحمد زكى و ذلك ضمن قائمة أفضل مئة فيلم فى تاريخ السينما المصرية .. لم تكن علاقة زكى بالفنان عادل إمام على مايُرام بسبب بداياته معه فى مسرحية مدرسة المُشاغبين ! حيث أن دوره كان من المُفترض أن يقوم به الفنان ” صلاح السعدنى ” و نظراً لانشغال الأخير رشح له زكى الذى لم يكن إمام مُقتنع به ! و ظل يتهكم عليه بين الحين و الأخر لولا تدخُل الفنان سعيد صالح و إقناعه للمُنتج سمير خفاجى به و هو ماحمله زكى فى نفسه حتى رحيله ! و قد هاجم زكى إمام ذات مرة فى إحدى حواراته الصحفية لأنه لا يقوم بأدوار تُناسب عُمره إلا أنه أنكر ذلك فيما بعد بسبب ردود الفعل العنيفة ضده ما جعله يتراجع بذكاء و يُبرر ماقاله بأنه لم يكُن هجوماً بقدر ما كان نصيحة لحُبه لإمام ! ثُم حرص بعد ذلك حتى يُثبت حُسن نيته تجاهه على حضور حفل زفاف نجله ” ” رامى ” و كعادة إمام المُحب للدعابة ظل يُناكف زكى و يقول له « خلاص كبرنا يا أبو حميد و بنجوز العيال و بكرة نموت » فيتذمر زكى لكن يرد بلطافة « متقولش كده يا عادل إحنا لسه شباب » فيغيب إمام و يعود مرة أخرى « شفت ياعم أحمد بنجوز العيال و هنموت » فلم يستطع زكى تحمل تكرار الجُملة و أخذ بعضه غاضباً و ترك الحفل و بالطبع إمام كان يعلم جيداً أن سيرة الموت تُعكر مزاج مريض السرطان و ما كان يصح أن يُداعب زكى بمثل هذه الدُعابة السخيفة على الإطلاق ! و من وجهة نظر كاتب هذه السطور أن عادل إمام كان يغير فنياً من زكى و يتمنى أن يكون فى موهبته بينما كان زكى يحلم بتحقيق لغة الأرقام التى يجيدها إمام دون بذل مجهودٍ مثله .. تزوج زكى من الفنانة المُعتزلة الراحلة هالة فؤاد و أنجب منها إبنه الوحيد الفنان ” هيثم أحمد زكى ” لكنهما إنفصلا قبل وفاتها بعدة سنوات و التى سببت له ألماً شديداً فى نفسيته ظل يُلازمُه لمدة طويلة و فى 27 / 3 / 2005م صعدت روح زكى إلى بارئها عن عُمرٍ يُناهز على الـ 56 عام بعد صراعٍ طويل و مريرٍ للغاية مع مرض سرطان الرئة نتيجة كثرة السجائر و هو الأمر الذى أدى لاستفحال السرطان فى جسده فلم يكن زكى يشرب السجائر بل كان يأكلها ! و كان ينهم منها بشراهة و كانت النتيجة المتوقعة هى إصابته بالمرض اللعين إضافة لـ ” تليُف الكبد ” ثم انتظار القدر المحتوم بحسرة و ندامة ! بعد أن فات الأوان و قد أصيب بالعمى فى أواخر أيامة إلا أنه طلب من المُحيطين به تكتم ذلك الخبر و الحقيقة أن زكى حين علم بحقيقة مرضه بالسرطان لم يكن الأمر سهلاً عليه و كذلك على طبيبه المُعالج ” أحمد البنا ” بالمرة حيثُ ذكر الأخير فى أحد اللقاءات ” كان زكى يشعُر بخوفٍ شديدٍ من المرض حتى إن كانت أدوار برد عابرة ! و أذكر أنه أصيب ذات مرة بحُمى و ارتفعت درجة حرارته فأصر على إقامتى معه فى الفندق رغم أن الحالة لم تكن تستدعى وجود طبيب معها و لذلك حين علمت بمرضه إضطُررتُ أن أخترع مُصطلح (خلايا نشطة) لأتجنب إبلاغه بإصابته بالسرطان بشكل مباشر حتى لا يشعر بالخوف و قمت بتبسيط موضوع المرض و العلاج و أساليبه فكان رد فعله عنيفاً و قال ( دى جاتلى منين دى ؟! .. إيه المُصيبة اللى أنا فيها دى ! ) حيثُ كان فى وقتها يُعانى من مياه شديدة على الرئة و قد بدأ يُشفى منها و ارتاح فخفت الأعراض التى كان يُعانيها فخف عبء المرض مع عبء المعرفة و بعد عودتنا من فرنسا كانت حالته العامة جيدة فطالبته بالبدء فى تصوير فيلم حليم ليُعلى ذلك من روحه المعنوية و يشغله عن المرض و لكن تأخر التصوير لمُدة 6 أشهر جعل المرض يشتد عليه و ينتشر فى أكثر من منطقة بجسده خلال الأيام الأخيرة من بينها الكَبد و المُخ حتى أنه أثر على عَصب العين و أضعف له البصر بدرجة كبيرة وصلت إلى مُعاناته من عمى جزئى وقتها لكنه لم يريد إخبار من حوله ” .. و ظل زكى يُعانى و يُعانى من آلام مراض السرطان اللعين و من مُضاعفاته حتى حانت لحظة النهاية ليُسدل الستار عن هذا الرائع لتفقد السينما المصرية و العربية فناناً عملاقاً لم يكُن يُتقن فقط فن التمثيل بامتياز بل تخطى هذه المرحلة إلى مرحلة إتقان فن التقمُص باقتدار شديد .. رحم الله أحمد زكى و تجاوز عن سيئاته و أسكنه فسيح جناته .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: