الثلاثاء , يوليو 16 2019
الرئيسية / ثقافة وفنون / أشرف الريس يكتب عن: ذكرى رحيل عبد الحليم حافظ

أشرف الريس يكتب عن: ذكرى رحيل عبد الحليم حافظ

يوافق اليوم الذكرى السنوية الـ 42 لرحيل العندليب الأسمر ” عبد الحليم على إسماعيل شبانة ” الشهير بعبد الحليم حافظ الذى يُعد واحداً من قِمم الغناء العربى الذى لم يستسلم لتآمر المرض العُضال ليُصيغ من آلامه مجداً و من آهات يُتم الصِغر ترانيم موسيقية باقية بقاء الوطن صانعاً من مُعاناته زاداً لإبداعه و من أوجاعه و عُزلة قلبه و ضربات القدر حالة فنية غير قابلة للتكرار فيعيش رغم المآسى مُتعافياً شامخاً بدفء جُمهور منحه عشقاً لا حدود له تخطى به كل ربوع العروبة ليدق أبواب التاريخ دون استئذان و ليكتب اسمه بحبرٍ ذهبىٍ فى سجل الأغنية العاطفية و الوطنية أيضاً و المولود فى 21 / 6 / 1929م فى قرية الحلوات بمُحافظة الشرقية و الذى ودعناه بسبب مُضاعفات مرض البلهارسيا اللعين و هو لم يتجاوز الـ 48 عاماً أى أنه لو كان بيننا كان سيصل إلى 90 عاماً فهل كان سيواصل الغناء أم سيكتفى بالحديث المُمل عن زمن الفن الجميل و الحسرة على فساد الذوق العام كما فعل و لازال يفعل الآخرون ؟ و هو السؤال الذىآجاب عنه الموسيقار  ” كمال الطويل ” فى إحدى البرامج الإذاعية بأن سر حليم يكمُن فى أنه كان ابناً للزمن الذى يعيشه بل سابقاً أيضاً له فكان يُراهن على الكلمة و اللحن القادم فقال ( كنا نعيش فى مطلع الخمسينيات ثورة سياسية و تحرراً وطنياً و جاء حليم و أنا معه بالإضافة لـ” محمد الموجى ” و” صلاح جاهين ” و انضم إليهم من الجيل السابق عليهم الشعراء “مأمون الشناوى” و”مرسى جميل عزيز” و” حسين السيد ” فأحلنا تلك الثورة السياسية إلى ثورة عاطفية أيضاً ! ) و للحقيقة فأن المُجتمع فى الزمن الماضى كان يسمح بعض الشيئ بثورة ضد الجُمود و” عبد الحليم ” هو ابن شرعى لزمن التمرُد ! ففى عام 1953م عند إعلان الجُمهورية رسمياً قال ” يوسف وهبى ” فى حفل لأضواء المدينة ” اليوم تعلن الجُمهورية و يعلن أيضاً مولد مطرب جديد ” ! و هكذا ارتبط اسم  حليم بالثورة المصرية و غنى لها ” ثورتنا المصرية عدالة .. اشتراكية “و بعد تولى الزعيم جمال عبد الناصر رئاسة الجمهورية غنى ” إحنا الشعب اخترناك من قلب الشعب و ” يا فاتح باب الحرية يا ريس يا كبير القلب ” و غنى” يا جمال يا حبيب الملايين” و استمرت رحلة حليم الوطنية مع الثورة و فى نفس الوقت كان زعيم الأغنية العاطفية فى مصر و العالم العربى فحلق بجناحى الوطن و الحُب و غنى للوطن فى لحظة المد الثورى العربى و أيضاً للحُب حيث كان هو رسول العُشاق بأغنياته الرومانسية الجميلة و قد أدرك حليم مُنذُ البداية أن صاحب الثورة ينبغى ألا يدخل فى معارك مع الكبار قبل أن يشتد عوده لهذا لم يستمر خلافه الأول مع ” محمد عبد الوهاب ” أكثر من عام و ذلك عندما تعاقد معه على تقديم فيلمين مُقابل 300 جنيه للفيلم الواحد و تقاعس “عبد الوهاب” عن التنفيذ خوفاً من ألا يملك اسم “عبد الحليم” جاذبية للجمهور و عندما جاءت الفرصة لعبد الحليم مع ” إبراهيم عمارة ” قدم فيلم ” لحن الوفاء ” و نجح الفيلم و ارتفع أجر “عبد الحليم” إلى ألف جنيه فى ثانى أفلامه ” ليالى الحب ” لكنه ارتضى بتنفيذ عقده مع ” عبد الوهاب ” مُقابل 300 جنيه حتى يكسب ” عبد الوهاب ” إلى صفه و يُشاطره نجاحه و بعد بطولة فيلم ” أيام و ليالى” تحولا إلى شريكين فى شركة ” صوت الفن ” و كان الشاعر مأمون الشناوى هو صاحب مُبادرة الصُلح بين الطرفين فأصبح صوت “عبد الحليم” يُدر ربحاً على عبد الوهاب و ألحان عبد الوهاب تدر ربحاً على عبد الحليم ! و ظل حليم يمتلك ترمومتراً يُدرك من خلاله الخطوة التالية فهو يقدم الأغنية المُتطورة و فى نفس الوقت ينبغى أن تحقق رواجاً جماهيرياً لهذا التقط فى عام 1957م الموسيقار الشاب بليغ حمدى و ضمه إلى رفيقى الكفاح ” الطويل ” و ” الموجى” و إلى الأستاذ ” محمد عبد الوهاب ” و إلى الملحن صاحب الألحان خفيفة الظل ” منير مراد ” و هؤلاء كانوا هم القوة الغنائية الضاربة لعبد الحليم ! و كان عبد الحليم لا يعيش إلا لكى يغنى و هو على استعداد أن يستخدم أى سلاح للبقاء على القمة و الإستحواذ على اللحن الأجمل حتى لو ساهم بشكلٍ أو بآخر فى إقصاء مُطربيين مُنافسين له مثل الفنان عبد اللطيف التلبانى ! و فى مشوار إصراره على البقاء مُتربعاً على عرش الأغنية كان بين الحين و الآخر يتعرض لمُحاولات إقصائه أو استبداله أو – على أقل تقدير- مُشاركة العرش ! و بدأت تلك المُحاولات مع ” كمال حسنى” هذا المُطرب الذى وقفت وراءه المُنتجة “مارى كوينى” بمُشاركة الموجى ! بعد أن رفض حليم أن يلعب بطولة فيلم لحساب شركتها لأنه لم ينس لها رفضها فى مطلع حياته الفنية بأن يُصور أغنية من فيلم ” فجر” إخراج عاطف سالم و قالت للمُخرج بعد أن رشحه إن وجهه ليس ” فوتوجينيك ” ! و اكتفت فقط بالتسجيل الصوتى ! كما أنتجت لكمال حسنى فيلم “ربيع الحب ” بعد عامٍ واحد من تقديم ” لحن الوفاء ” لعبد الحليم و أكثر من ذلك بنفس مُخرج ” لحن الوفاء ” إبراهيم عمارة و نفس البطلة ” شادية ” و صديق البطل “عبد السلام النابلسى” ! و وقف الصحفى الكبير ” موسى صبرى ” مؤيداً لكمال حُسنى الذى لم يستطع الصمود طويلاً لأنه كان مُجرد تنويعة على صوت عبد الحليم ! و عندما اختلف حليم مع محمد الموجى أطلق الموجى أصوات ” مُحرم فؤاد ” و ” عبد اللطيف التلبانى” و” ماهر العطار ” و صولاً إلى ” هانى شاكر” ! و بالفعل انزعج حليم من صعود “هانى” فى مطلع السبعينيات و خاصة بعد نجاح أغنية ” كده برضه يا قمر” التى لحنها له ” خالد الأمير” بتوصية من ” أم كلثوم ” ! و كان الرد العملى أن حليم أخذ بنصيحة صديقه الكاتب الكبير ” إحسان عبد القدوس ” عندما قال له ” العيل يحاربه عيل ” فقدم حليم للساحة الفنية ” عماد عبد الحليم ” ليواجه به ” هانى شاكر” ! و لم يكتف بذلك بل ظل يُشيد فى كُل حواراته الصحفية و الإذاعية بالفنان الصاعد ” أحمد السُنباطى ” ! نجل الموسيقار العملاق رياض السُنباطى برغم عدم إعتراف الآخير بحليم كصوتاً قوياً كى يُلحن له أياً من آغانيه ! ثم يعود حليم بعد قطيعة طويلة لمحمد الموجى رفيق دربه فى ” قارئة الفنجان” و ” رسالة من تحت الماء ” و موشح ” يا مالكاً قلبى” و كانت سبب هذه القطيعة أن حليم كان يبحث عن بليغ ليُلحن له أغنية ” حاول تفتكرنى ” و لكنه لم يجده فى منزله و لا فى أى من الأماكن التى يداوم التردُد عليها ! فاضطر أن يتفق مع صحفى بجريدة الأهرام على نشر خبر مفبرك مفاده بأن الموجى قارب على الإنتهاء من اللحن الجديد لحليم ! و ما أن قرأ بليغ هذا الخبر حتى جُن جنونه و بلع الطُعم الذى نصبه له حليم حتى يصل إليه و اتصل به يُعاتبه لأنه وعده بإسناد لحن أغنيته القادمه له و ليس للموجى و عندما أدرك الموجى هذا الأمر عن طريق صحفى مُقرب له بالجريدة غضب بشدة و اتصل بحليم و قال له ” هيه وصلت للدرجة دى ياحليم إنك تعملنى كوبرى توصل به لبليغ ؟! ” و كانت القطيعة التى دامت قْرابة الـ 5 سنوات و قد كان حليم شديد الذكاء حين أدرك تعُلق جمهوره بأغنيات أفلامه لهذا أعاد توزيع الأغنيات القصيرة مثل ” أهواك ” و” فى يوم من الأيام ” و” توبة ” و حرص على تقديمها فى كل حفلاته فكان حليم أيضاً قادراً على تسويق فنه و الدفاع عن نفسه و ظل على هذا المنوال حتى رحل قبل أن يكمل عامه الـ 48 و عدد كبير من مُطربينا قد وصلوا إلى نفس العُمر بل تجاوزوه و لا يزالون محلك سر ! و أنهى حليم مشروعه الغنائى قبل الثامنة و الأربعين و هم لا يزالون يبحثون عن مشروع ! و عرف أن السينما هى رصيده فى الزمن القادم لهذا فإن أكثر من 80% من أغنياته هى أغنيات سينمائية لهذا فلو أدرك حليم عصر الفيديو كليب” لأحاله إلى قوة دفع جديدة تمد فى عمره الفنى سنوات حتى بعد أن تجاوز الـ 90 !! ففنان بحجم و فكر و ذكاء و ثعلبة ! حليم لا يُمكن أن يتحول إلى ” ندابة ” تُهاجم جيلاً و عصراً و نبضاً و إيقاعاً و نغماً جديداً لكن من المؤكد أنه كان قادراً – لو امتد به الأجل- على أن يُغنى على إيقاع هذا الزمن بأسلوب حليمى المذاق ليغير بوصلة الفيديو كليب إلى الاتجاه الصحيح .. هى بلا شك مسيرة حافلة قدّمها “حليم” إلا أن خاتمتها كانت حزينة كانت بدايتها عندما اشتبك مع جمهوره فى أبريل 1976م فى حفل عيد الربيع الذى تعوّد أن يحييه سنوياً و غنى قصيدة ” قارئة الفنجان ” لكنه فوجئ بمجرد أن بدأ الغناء بمجموعة من الأشخاص يُحاولون التشويش عليه فى أثناء غنائه و هنا توقف عن الغناء و قال بعصبية شديدة ” بس بقى أنا أعرف أصفر و أزعق زيّكم ” و راح يصفر لهم ثم أخذ منديلًا من جيبه ليمسح العرق الذى كان يتصبب من جبينه و هو في حالة انفعال شديد و تعرض لحملة إعلامية قاسية نتيجة لذلك اضطرته لاحقاً لتقديم الاعتذار عما بدر منه و لم يكد يخرج من هذه الواقعة حتى شهد وضعه الصحى بعد عدة أشهر تدهوراً خطيراً فى أثناء مُراجعته الدورية لمُستشفى ” كنغز كوليج ” فى لندن مطلع عام 1977م لإجراء عملية حقن الشعيرات الدموية إذ كان يعانى من تليف بالكبد نتيجة إصابته بالبلهارسيا منذ الصغر و لم يكن له علاج و اكتشف الطبيب أن حليم يُعانى من نزيف فى المريئ يتطلب عملية زراعة كبد لكنه رفض إجراء العملية و أصرّ على أن يتم التركيز فقط على إيقاف النزيف و اضطر الطبيب للرضوخ لطلبه بعد أن فشل فى إقناعه قبل أن يتوقف قلبه فى أثناء مُحاولات وقف النزيف ليلفظ أنفاسه الأخيرة مساء يوم 30 / 3 / 1977م عن عُمر ناهز على الـ 48 عاماً ليرحل تاركاً إرثاً جعله أهم مطربى مصر و العالم العربى في القرن الماضى و هو الإرث الذي جعل منه كياناً فنياً شامخاً مُتفرداً حتى عصرنا الحالى و إلى يوم يُبعثون .. رحم الله العندليب الأسمر و تجاوز عن سيئاته و أسكنه فسيح جناته .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: