الرئيسية / كتاب وشعراء / حملة العرش..قصة طويلة..بقلم/ أحمد فكرون..ليبيا

حملة العرش..قصة طويلة..بقلم/ أحمد فكرون..ليبيا

وقف عند رأس السلطان وهو مسجى على سريره يستعد للانطلاق في رحلة الغروب الأبدي

قال السلطان: اعلم يا بني أن الحكم لا يستقيم إلا بالحكمة، وأن الحكم لا يقوى عليه فرد، فاختر زبانية يعينون أمرك ويرشدون رأيك، فإن الزبانية هم الحمّالون للعرش الصائنون للحكم.

بعد الانتهاء من مراسم عزاء السلطان وقف أهل السراي ينتظرون كتاب السلطان الذي أودعه لدى كاتم أسراره، قال كاتم السر: أتبايعونني على هذا؟ ورفع الكتاب أمامهم.

عم صمت رهيب قبل أن يهتف أحدهم، ألا نعلم ما فيه أولا؟

أعاد الكاتم سؤاله أتبايعونني على هذا الكتاب؟

أجاب الجمع بالقبول والبيعة

فتح الكاتم الكتاب وبدأ بتلاوة ما فيه

” بسم الله الرحمن الرحيم

بعد أن فاضت روحي إلى بارئها أسلم راية السلطان إلى نجلنا رضوان باشا وأوصي أهل السراي أن يكونوا عونا له شادين لأزره

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ”

علا صوت من الحاضرين لا والله لا نقبل بهذا الفتى سلطانا علينا

قال الكاتم: علي باشا أضرب والله عنقك إن لم تصمت

صعد رضوان باشا العرش بعد أن اصطف أهل السراي صفين وهو مار بينهم متوشحا سيفين مهيبين – سيف ولاية السلطان وسيف الحكم تحت مظلة الخلافة العثمانية – انتظر الجمع خطاب رضوان باشا فيهم وهو فتى لم يكمل ربيعه العشرين

بعد أن نظر فيهم نظرات حازمة تبعث الثقة في النفس قال السلطان: إننا سائرون على ما بناه سليم باشا رحمه الله من السياسة والحكم الرشيد وإنني لم أنظر في أمر الوزراء والولاة بعد فانتظروا أمري بهذا.

في قاعة العرش بعد أن عين السلطان وزراءه وولاته أصبح الأمر رتيبا لدى السلطان، نهار جديد في ثوب يوم قديم، بعد أن يجلس على عرشه ويقدم له الحاضرون المثول والتحية لا شيء يفعله سوى الاستماع إلى كاتم أسراره وبعض أهل السراي ، قال الكاتم: مولاي أراك هذه الأيام كثير الشرود، لعلك في حاجة إلى تجديد نشاطك ربما أنت بحاجة إلى زيارة مزرعتك لتنتعش أنفاسك بالهواء العليل

نعم الرأي، حتى أنني اشتقت لأكل البازين وركوب الجياد.

في الضاحية الجنوبية حيث الهواء النقي، والماء العذب، نزل السلطان في مزرعته بعد أن تناول إفطاره، أمر بالجواد ليمتطيه، ومن على صهوة الجواد أمر البستاني أن يعد له وجبة البازين على الغداء، بعد أن أنهى جولته جلس في باحة منزله الريفي في المزرعة وضعت أمام السلطان وجبة البازين وضل البستاني واقفا،قال السلطان تعال كل معي

معاذ الله يا مولاي

قلت تعال كل معي فلا ترفض الأمر

ما اسمك؟

خادمك عبدون يا مولاي

قل لي يا عبدون كيف حال الناس؟ وكيف يعيشون؟

هم في ظل حكمك الرشيد في خير حال.

نظر السلطان في عيني عبدون مطولا ثم أردف قائلا : لم لا تقول الصدق؟ أخبرني عن حال عامة الناس

لا أعرف كيف أخبرك يا سيدي، ولكن إن أحببت سأرافقك لترى حالهم بنفسك

بنظرات من الاستغراب قال السلطان : وكيف هذا ؟

سأحضر إلى جنابك ثوبا مما يرتديه العامة وتخرج إليهم لتعلم حالهم

هذا أمر جيد إذا موعدنا يوم الجمعة القادم

في صبيحة يوم الجمعة صرف السلطان الحرس عن المزرعة وفي غفلة عن الحاشية ارتدى السلطان الثياب التي أحضرها عبدون ، قال السلطان أهكذا يلبس العامة ؟

حرك عبدون رأسه علامة بالإيجاب

تجول السلطان صحبة عبدون في شوارع وأزقة المدينة، مرا معا بسوق النحاسين بعد أن قطعا سوق اللفة، نظر السلطان حال الشحوب في وجه أهل السوق، امتعض كثيرا لما وقعت عليه عيناه

في أحد المقاهي القريبة من السراي جلس السلطان صحبة عبدون، حيث كان يعلو الحديث بين رواد المقهى عن وعورة العيش، وغلاء الأسعار، وسخطهم على ما آلت إليه الأحوال في عهد رضوان باشا, قاطعهم أحد الجالسين، اخفضوا أصواتكم فإن الجدران تنقل الأخبار إلى السلطان، علت ضحكة عارمة في المكان، بينما نهض السلطان في جو من الغضب.

في قاعة العرش اجتمع السلطان مع وزرائه وصمت موحش يعم القاعة وبعد أن زفر السلطان زفرات من الغضب نادى صاحب الشرطة :

صبري بيك

أمر مولاي

اقطع رؤوس هؤلاء جميعا وعلقها على جدران السراي، ومن يخالف هذا الأمر اقطع رأسه أيضا .

في المقهى ذاته تحدث الجمع عن أمر إعدام الوزراء وبعض رجال الحاشية، قال أحدهم: يبدو أن الجدران أوصلت حديثنا إلى السلطان هاهاهاها …أو أن السلطان اقتنع أخيرا بفكرة التغيير هاهاهاها.

ذات مساء زار السلطان مزرعته ليلتقي بصديقه عبدون، وبعد أن تناولا الشاي الأخضر بادر السلطان بالسؤال كيف أصبح حال العامة يا عبدون ؟

تحسنت أحوالهم كثيرا ويشكرون صنيعك بمن ضيق عليهم العيش.

أثناء عودة السلطان إلى السراي لفت انتباهه ذلك التحرك المريب في أنحاء السراي نادى السلطان بأعلى صوته أغلقوا أبواب السراي.

حوصر السلطان صحبة مؤيديه من أهل السراي من قبل جند جمعهم خالد بيك

قال صاحب الشرطة نحن في انتظار أوامر مولاي

بعد صمت قصير رفع السلطان عينيه في وجه صاحب الشرطة ثم اتبع نظراته قائلا:

لا أفهم ما الذي يريده خالد بيك؟ كان ضعيفا فقوينا وقدمناه وأدنيناه منا

إن أذنت لي يا مولاي

تكلم هات ما عندك

هو لا تربطه بالسراي سوى أخته التي تزوجها جدكم حمدي باشا، ولكن هو إكرام اللئيم يا سيدي، فلقد أنزلت البوم منازل الصقر يا مولاي، فقاده جشعه إلى الثورة عليكم والطمع في سلطانكم.

نعم صدقت

ولكنني لن أجعل له فرصة لينال استعطاف العامة، ولن أستخدم القوة، كما أنني أخشي أن تسقط قذائف المدافع وقطع البارود على رؤوس العامة، استمرت ثورة خالد بيك بضعة شهور، والعامة بين مؤيد لها ومعارض، ومع بزوغ فجر أحد الأيام ضرب المدفع ومن بعده الطبل، خرج السلطان من شرفة السراي المطلة على المدينة ليعلن عن عودة استتباب الأمن من جديد، كما اصدر عفوه العام على من أيد ثورة خالد بيك من العامة، وأمر لناس بالعودة إلى وظائفهم وصنائعهم، وعاد من فورا إلى قاعة العرش ليتداول هو ووزراءه أمور الحكم وأعمال السياسة، قال احد الوزراء:الآن وبعد عودة المياه إلى مجاريها أقترح على مولاي السلطان الخروج في رحلة إلى الصحراء ليجمع أهلها وقبائلها حوله وعلى ولائه ليكونوا لجنابه عونا على النوائب.

في مساحات الصحراء الواسعة حيث اكتست ببساطها الرملي وتزينت بحلي من الحجارة وبقايا العظم والشمس المتسلطة التي تعترف بسلطان الفصول الأربعة لمح السلطان قبة نصبت فوق سفح رملي سحيق ترجل السلطان من جواده، ودخل القبة، ووجد فيها ناسكا يتعبد وبعد أن ألقى عليه التحية طلب السلطان إلى الناسك أن يمده بشيء من الحكمة تعينه على أحداث الزمان حدق الناسك في كف السلطان مطولا ثم أردف قائلا: إنك يا بني من بلاد البحر حيث فيض الرحمات وأصل الحكم منه فهي أولى أن تأخذها وتشد بها أزرك أما الصحراء فهمي موطن القحط والجدب والحكمة فيها الصبر والخديعة .

عاد السلطان إلى السراي في ليلة اكتمال البدر بعد أن غاب عنها شهرا ونيفا، في تلك الليلة رفعت امرأة يديها تلهج بالدعاء وتجود بالدمع متضرعة إلى الرحمن لينتقم في كل من ارتكب فيها الجرم الفظيع، فهي تميزت بحسنها رغم فقرها فروادها الوالي عن نفسها فاستعصمت واختارت الطهر والعفاف رغم أنها تعلم ما قد يأتيها من جراء رفضها، ففي ليلة خريفية حالكة السواد أثناء عودتها من بئر الماء عند الزقاق الجنوبي للمدينة انقض علها اثنان من أعوان الوالي فحملاها إليه في خان قريب وارتكب فيها الجرم ، لم تنجها صرخاتها ودمعاتها فالتهمتها أيدي الوالي وهتكت سترها.

قيل للسلطان إن المرأة بغي والواقعة ليست اغتصابا وإنما كان تخاصم حول أجر بغائها، وأن ما نقل إلى السلطان من قول بخلاف هذا الكلام المراد منه الوقيعة بأحد ولاته لما علموا من ولائه للسلطان

أهمل السلطان هذه الواقعة خاصة بعد أن مات من ارتكب هذا الجرم بداء فتك به ، كما أن السلطان انصرف ليهتم بوجع تسلل إلى أحشائه يمنع عنه النوم من شدته، وعلى فراش المرض قال أحد المحيطين بالسلطان مهونا عليه سبحان الله إذا أحب عبده ابتلاه فهنيئا لك حب الله يا مولاي.

حدجه السلطان بنظرة غاضبة وألحق نظرته بقوله وما يدريك أنه ابتلاء لم لا يكون عقاب الله وسخطه، ألست أنا من تولى أمر الرعية وأهمله؟ ألست من أقصى خيار الناس وأدنى شرارهم ، واتكأ على وسادته لتضرب مدافع السراي بضعة قذائف معلنة انتهاء عهد رضوان باشا وتولي رمزي باشا زمام الحكم وولاية السلطان.

في المقهى القريب من السراي قال أحد الجالسين هي الأيام دول فبعد أن تولى سليم باشا زمام الحكم بالوصاية وموت ابنه رضا باشا في غزوات البحر يكون ابنه رضوان باشا عقيما ليعود السلطان إلى أسرة منجي باشا من جديد.

هاهاها هل سيعدم وزراء رضوان باشا هاهاها أم أن لديه حيلا أخرى يلهينا بها.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.