الرئيسية / ثقافة وفنون / أشرف الريس يكتب عن: ذكرى رحيل نزار قبانى

أشرف الريس يكتب عن: ذكرى رحيل نزار قبانى

يوافق اليوم الذكرى السنوية الـ 21 لرحيل ” شاعر الحُب و المرأه ” و ” المُتمرد العنيد ” الشاعر الكبير و القدير و الدُبلوماسى المُخضرم ” نزار بن توفيق القبانى ” الشهير بنزار قبانى و هو الشاعر الذى تميّز بقصائد الحبّ الرائعة التى أصبحت ملاذاً للعُشّاق يبحثون فيها عن تلك الكلمات الجريئة و القويّة التى تُعبّر عما يشعرون به من أحاسيس قد تُفقدهم القدرة على اختيار الكلمات المناسبة فى عاطفتهم تجاه من يعشقون و هو مايجعلهم يستعينوا بقصائده سواء فى الشعر أو فى النثر لما تميّز نزار به من رقّة و عفوية و استخدام الكلمات الدارجة التى تتحول أحياناً إلى خادشة للحياء ! و قد تغزّل بالمرأة و قال فيها الشعر حتّى لُقّب بشاعر الحُب و المرأة و على الرغم من اشتهار نزار بالغزل إلّا أنّ شعره قد انتقل نقلةً نوعيّةً بعد نكسة 1967م حيث صار يُركّز على عناوين السياسة و المُقاومة بدلاً من العشقِ و الغزل و الهيام و اللوع ! و الحق يُقال أن نزار قد استطاع عبر مسيرة حياته الطويلة الغنية و شعره و مواقفه و تحولاته الدراماتيكية أن يُشغل الناس و يُحدث خلال النصف الثانى من القرن العشرين ثورةً على مُستوى بناء القصيدة و موضوعاتها و ربما كتبَ معاصروه الكثير من القصائد التى لقيت استحساناً على مستوى النقاد و مُتذوقى الشعر و ربما تفوقوا عليه فى خلق آفاقٍ جديدة للقصيدة العربية غير أن واحداً منهم لم يحظَ بالحُضور الشعبى الذى حظى به نزار حتى أضحت مُعظم قصائده مُغنَاة يُغنيها مشاهير المُطربين العرب و يتلقفون كلماتها السلسة بإيقاعها المُميز بعد أن كانت مسموعة بحنجرته الخاصة فى التعبير دون استعارة صوت غيره أو الكتابة بأصابع أخرى لا تشبهه فتصبح معها الكتابة عبارة عن زينة و وشاح يتهدل على مقاس الخليفة و السلطان ثُم تتحول لحفلات زار يركض خلفها الدراويش .. ولد نزار فى 21 / 3 / 1923م فى مدينة دمشق عاصمة سورية لعائلة أدبية تجارية فوالده ” توفيق القبانى ” كان مالكا ً لمصنع شوكولاتة بينما الكاتب و المسرحى ” أبو خليل القبانى ” هو أحد أقاربه و لم يكن عمه كما أشيع بالخطأ فى الكثيرِ من أحاديث بعض النُقاد عنه ! و كان له أختان ” وصال ” و ” هيفاء ” و ثلاث أخوة هُم ” مُعتز ” و ” صباح ” و ” رشيد ” .. درس نزار بين عامى 1930-1941م فى مدرسة الكلية العلمية الوطنية التى كانت مملوكة فى وقتها لصديق والده ” أحمد منيف العايدى ” ثُم تابع بعد ذلك دراسته بكلية الحقوق فى جامعة دمشق و كان من النقاط المؤثرة فى طفولتة و حياته هو انتحار شقيقته بسبب رفضها الزواج التقليدى بغير إرادتها و هو مايُفسر الأثر الأكبر فى طبيعة أشعار نزار التى كانت تدافع دوماً عن الحُب و المرأة و قد بدأ نزار كتابة الشعر مُنذ مُراهقته و خلال دراسته الجامعية و تحديداً عام 1944م نشر أول ديوان شعرى له بعنوان ” قالت لى السمراء ” و قد آثارت قصائد هذا الديوان الكثير من الجدل فى المُجتمع السورى و الدمشقى لأن المحتوى كان جديداًعليهم و رغم ذلك فقد دعمه وزير الثقافة آنذاك ” مُنير العجلانى ” و سمح بنشر الديوان .. بعد تخرج نزار من كلية الحُقوق عمل فى وزارة الخارجية السورية سفيراً فى عدة مُدن مثل ” إسطنبول ” و ” مدريد ” و ” القاهرة ” و ” لندن ” و قد نشر بين عامى 1948-1950م ثلاثة دواوين جديدة هي ” طفولة نهد ” و” سامبا ” و” أنت لى ” ثم نشر عام أ1956م ديوان بعنوان ” قصائد ” و الذى يُعد أحد أهم أعماله الأدبية و فى عام 1959م تم تعيينه كنائب سفير الجمهورية العربية المُتحدة فى الصين و خلال فترة الستينيات نشر نزار ثلاثة دواوين هى ” حبيبتى ” و” الرسم بالكلمات ” و” يوميات امرأة لا مُبالية ” و فى عام 1966م استقال نزار من السلك الدبلوماسى ليتفرغ لعمله الأدبى و فى عام 1967م أنشأ دار نشر خاصة به فى بيروت باسم ” منشورات نزار قبانى ” و فى ذات العام حدثت نكسة يونيو التى هُزمت فيها الجيوش العربية أمام إسرائيل و هو ما شكل نقطة تحول فى حياته و لوَّن الكثير من قصائده بعد ذلك بالصبغة السياسية و أهمها قصيدته ” هوامش على دفتر النكسة ” التى تسببت فى منع بث أغنيه و أشعاره فى مصر و وصلت حد منعه من دخول البلاد ! و على أثر ذلك كتب رسالة إلى الرئيس جمال عبد الناصر جاء فى جُزء منها ” لقد أودعت قصيدتى خُلاصة ألمى و تمزُقى و كشفت فيها عن مناطق الوجع فى جسد أمتى العربية و لا أريد أن أصدق أن مثلك يعاقب النازف على نزيفه و المجروح على جراحه و يسمح باضطهاد شاعر عربى يريد أن يكون شريفاً و شجاعاً ” و قد نجحت هذه الرسالة فى مُبتغاها و عادت قصائد نزار قبانى تُردد فى الإذاعة و التليفزيون المصرى و قد أشار نزار لذلك الحدث فى أكثر من مُناسبة فكان يقول ” كسرت الحاجز بين السُلطة والأدب ” .. خلال فترة السبعينيات من القرن الماضى نشر قبانى مجموعة من الدواوين منها ” كتاب الحب ” و ” مئة رسالة حب ” و ” قصائد مُتوحشة ” و ” أشعار خارجة عن القانون ” و” إلى بيروت الأنثى مع حبى ” و” أشهد أن لا امرأة إلا أنت ” و” كل عام وأنت حبيبتى ” كما ألف قصيدتى ” قارئة الفنجان ” و ” رسالة من تحت الماء ” التلا شدى بها العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ ,, أما فترة الثمانينيات فتُعدُ من الفترات الغزيرة شعرياً بالنسبة لنزار فنشر ما يقرب من اثنى عشر ديواناً شعرياً منها ” و هكذا أكتب تاريخ النساء ” و” قاموس العاشقين ” و” قصيدة بلقيس ” التى كتبها فى ذكرى زوجته ( بلقيس الراوى ) و” الحب لا يقف على الضوء الأحمر” و” قصائد مغضوب عليها ” و” سيبقى الحب سيدى ” و” تزوجتك أيتها الحرية ” و” الكبريت في يدى ” و ” دويلاتكم من ورق ” و” ثلاثية أطفال الحجارة ” و” لا غالب إلا الحب ” و” الأوراق السرية لعاشق قرمطى ” أما فى عقد التسعينيات نشر نزار دواوين و” هل تسمعين صَهيل أحزانى ” و” هوامش على الهوامش ” و” أحلى قصائدى ” و” أنا رجل واحد و أنت قبيلة من النساء ” و” خمسون عاماً فى مديح النساء ” و” تنويعات نزارية على مقام العشق” و ” أبجدية الياسمين ” و” الأعمال السياسية ” و” لا ” و كان لنزار أقوال مأثورة أبرزها ” المأساة هى عندما يجتمع العقل المنطقى مع القلب الرومانسى فى نفس الجسد ” و ” إذا أردت قتل أحدهم فاحتل قلبه ثم غادر ببطء تاركاً إياه بين الموت و الجُنون ” و ” لا تُحب بعُمق قبل أن تتأكد أن الطرف الآخر يُحبك بنفس العُمق كى لا يكون عُمق حُبك اليوم هو عُمق جرحك غداً ” .. تزوج نزار من قريبة له و هى ” زهراء أقبيق ” أم ابنه ” توفيق ” و ابنته ” هدباء ” و كانت تلك فترة انطلاقه نحو عالم الكفاح بشعره و بداية شهرته فكانت تنهمر عليه اتصالات و رسائل المُعجبات و هو ما لم تحتمله زوجته المُحافظة فحدث بينهما الطلاق بالتراضى و كان نزار قد ارتبط فى عقد الخمسينيات بعلاقة حُب مع ” كوليت خورى ” التى وثقت تفاصيل هذه العلاقة العاصفة فى روايتها الأولى ” أيام معه ” ثُم التقى نزار بـ ” بلقيس الراوى ” التى أحبها من النظرة الأولى و تقدّم لخطبتها فى عام 1962م إلا أن عائلتها رفضت لما تسمع عن نزار من أنه شاعر النساء و الغزل و الحُب و لكن نزار بقى على حُبه و تقدم لها مرة ثانية بعد سبع سنوات و تزوجا و عاشا فى بيروت ليرزقا بطفلين ” زينب ” و ” عُمر ” و عاشا حياة جميلة يسودها الحُب حتى أتى اليوم المشؤوم عام 1981م و الذى قتلت فيه بلقيس إثر انفجار سيارة مُفخخة استهدف السفارة العراقية فى بيروت و عاش نزار بعدها و حتى آخر سنوات حياته حزيناً مكسوراً مُسافراً بين دمشق و لندن حتى ودع دمشق فى زيارة أخيرة قبل أن يُسلمَ الروح بلندن فى 30 / 4 / 1998م عن عُمرٍ ناهز على الـ 75 عاماً و يعود إلى دمشق مُجدداً لكن هذه المرة كجُثماناً محمولاً بالطائرة و قد أوصى نزار بأن يُدفن فى مسقط رأسه فكتب فى وصيته ” أريد أن أدفن فى دمشق فهى الرحم التى علمتنى الشعر و الإبداع و العشق و الحنان و أهدتنى أبجدية الياسمين و عقود الفل و نسائم الريحان ” .. رحم الله نزار قبانى و تجاوز عن سيئاته و أسكنه فسيح جناته .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: