الرئيسية / ثقافة وفنون / أشرف الريس يكتب عن: ذكرى رحيل محمد رُشدى

أشرف الريس يكتب عن: ذكرى رحيل محمد رُشدى

يوافق اليوم الذكرى السنوية الـ 14 لرحيل « عرباوى الأغنية الشعبية » و « صوت الفلاحين » الفنان الشعبى الكبير و القدير ” محمد محمد عبد الرحمن الراجحى ” الشهير بمحمد رشدى و هو المُطرب صاحب الصوت القوى الجميل الذى يرسم فى خيال من يسمعه صورة للنيل فى القرية و بهجة الحقول فى الريف و سحر الليل بنسماته المُنطلقة فى الفجر و هو الصنايعى الماهر الذى نجح أن يجعل غناء الغيطان و الحوارى على كل لسان بعدما أضحى أحد المُطربين الكبار الذين أثروا الساحة الغنائية بالعديد من الأغنيات التى مازالت و ستظل مُرتبطة بوجدان الجماهير و إذا كانت الأفلام المصرية قد اشتهرت فى خمسينيات و ستينيات القرن الماضى بالنهايات السعيدة كانتصار قوى الخير على الشر أو التقاء الحبيبين بعدما ظنا كل الظن ألا تلاقيا و زفافهما بين الأهل و الأحباب و الأصحاب فإن المشهد الأخير فى حياة عدد غير قليل من الفنانين و المشاهير المصريين و العرب كثيراً ما بدا مأساوياً و كان رُشدى على رأس هؤلاء الفنانين بعدما استطاع أن ينال شعبية كبيرة بين جيله من المُطربين فى مصر و الوطن العربى بعد نجاحه فى أداء أغنيات علقت بالوجدان العربى مثل « ملحمة أدهم الشرقاوى » و « ميتى أشوفك » و« على الرملة » و« مجاريح » و « عدوية » و غيرها بما فيهم ألبومه الأخير « دامت لمين » الذى اكتسح ألبومات المُطربين الشباب آنذاك ! مُحققاً نجاحاً مُبهراً .. ولد رشدى فى 20 / 7 / 1932م بمدينة دسوق بمُحافظة كفر الشيخ وسط عائلة بسيطة جدا و حفظ القرآن الكريم فى كُتاب القرية و كان الإبن الوحيد لعامل بسيط كل أمنيته فى الحياة أن يكبر ابنه و يصبح سنده فى الحياة و يعمل مثله عامل فى الأرض أو كاتب إلا أن رشدي كان له رأى آخر و أصر عليه بالرغم من تعرضه فى طفولته لموقف كاد أن يغير حياته للأبد فأثناء لهوه سقط على الأرض و كادت أن تقطع أسنانه لسانه نصفين و ظل لفترة طويلة لا يستطيع النُطق و هى الحادثة التى أثرت على نطقه لحرفين السين و الثاء إلا أنه تغلب عليها فى الغناء و أثناء دراسته الإبتدائية بدأ عشقه للغناء فكان يغنى بمولد سيدى ابراهيم الدسوقى و فى أحد الموالد حضرت بالصدفة السيدة أم كلثوم و سمعت صوته و هو يغنى و قالت له جملتها الشهيرة « روح يا ابنى أنت مُطرب » بعدما آشادت كثيراً بأوكتاف صوته القوى مما كان دافعاً قوياً لرُشدى بعد ذلك ان يُسافر للقاهرة فى عام 1948م و هو فى سن السادسة عشرة من عمره ليلتحق بمعهد فؤاد الأول للموسيقى ” معهد الموسيقى العربية ” و كان المطلوب منه أن يدبر شؤونه بـ 3 جنيهات فقط شهرياً ! يحصل عليها من معهد الموسيقى و كان مبلغاً ضئيلاً جداً لأنه كان مطلوباً منه أن يرسل لوالده بعض الجُنيهات لذا التحق بمسرح بديعة مصابنى مُقابل 9 جنيهات فى الشهر و كان يرسل منها 4 جنيهات لأبيه بالقرية و من الطريف أن الغرفة التى كان يقطُنها رشدى فى حى باب الشعرية كان قد أحضرها له أحد بلدياته الذى كان يعمل ساعياً بمكتب الموسيقار محمد عبد الوهاب فذات يوم طلب منه رشدى أن يجعله يرى مكتب الموسيقار عبد الوهاب فى عدم وجوده و حقق له بلدياته الفراش رغبته فدخل رشدى و راح يلمس الجدران و المكتب و الأوراق ثم وقع نظره على سلة المُهملات و وجد بها أوراقاً كان عبد الوهاب قد مزقها و ألقاها فالتقط رشدى بعضها و راح يقرأها و وجد من بينها كلمات أغنية يقول مطلعها « ياللى انت فى بالى و العمر قضيته أغنيلك » و هنا قال رشدى لقريبه ” هل من المُمكن أن آخذ هذه الورقة ؟ فأكد له قريبه أن الأستاذ طالما ألقى بها هكذا فهى اذن غير مُهمة بالنسبة له فقام رشدى بعمل لحن لها و تقدم بها لامتحانات الإذاعة و كانت اللجنة تضُم عمالقة كبار منهم « أم كلثوم » و « السنباطى » وعبد الوهاب نفسه ! و عندما استمع عبدالوهاب للأغنية جُن جنونه لأنه يمتحن بتلك الكلمات التى شاهدها من قبل و كاد يفتك برُشدى و ظل يسأله بشدة و بحدة حتى عرف منه القصة فضحك و تمت اجازة صوته مُطرباً بالاذاعة و راحت الصُحف تكتب عنه و المجلات تشيد بصوته و أصبحت صوره تحتل أغلفة المجلات و ظل رشدى يتذكر هذه الواقعة المُثيرة طيلة حياته لأنها فى كتابة شهادة ميلاده الفنية و بعدها خاض رشدى اختبارات الاذاعة فى عام 1950م بلحن عاطفى بالرغم من أنه كان يغنى الطقاطيق الشعبية و الفولكلورية ثم قام بوضع لحن لأغنية « قولوا لمأذون البلد » و قام بتسجيلها لبرنامج « عُقبال عندكم » بالاذاعة بناء على طلب مُستشار الاذاعة فى ذلك الوقت ” محمد حسن الشجاعى ” ثم انطلق بعدها رشدى كمُطرب بالأفراح الشعبية حيث لم يكن أمام أمامه بديلاً سوى هذه الأفراح لأن الإذاعة لم تكُن تعطى سوى 17 جنيها فقط للمؤلف و المطرب و الملحن بل و الفرقة الموسيقية و كان نصيب رشدى منها 8 جنيهات و عليه أن ينتظر حتى يأتى دوره لتسجيل عمل آخر فكان غالباً ما يقوم بتسجيل أغنيتين فقط شهرياً .. كانت النقلة المُهمة فى مشوار رشدى هى ملحمة ” أدهم الشرقاوى ” التى انتشرت بشكل ملحوظ و قد كان مُتأثراً جداً بالفنان محمد عبد المطلب لكنه اندفع بشدة لتطوير نفسه بعد أن نجح و معه الأبنودى و بليغ حمدى فى الإنتقال بالأغنية الشعبية لمرحلة مُختلفة عن المرحلة السابقة لهم و التى اشتهر فيها عبد العزيز محمود و كارم محمود و عبد المطلب و غيرهم تلك النقلة لا يمكن أن يكون لها تأثيرها فقط على المُطربين الشعبيين فحسب بل امتدت لمُطربى الأغنية العاطفية و فى مقدمتهم « عبد الحليم حافظ » الذى شعر بخطرٍ شديد ! بعد تعاون رُشدى مع الأبنودى فى أغنية « أنا كل ما أقول التوبة يا بوى ترمينى المجادير » فاستطاع حليم أن يستميل الأبنودى و محمد حمزة ! حتى يُجارى ما أصبح سائداً بعدما تركت مجموعة الأغنيات التى قدمها رشدى ابتداء من « تحت الشجر يا وهيبة ياما كلنا برتقان » ومرورا بـ « عدوية » و « كعب الغزال » و« عرباوى » و« ع الرملة » و« ما على العاشق ملام » و« ميتى أشوفك » و« طاير يا هوا » و غيرها الأثراً الكبير فى آذان الجُمهور و هكذا انطلق رشدى لقمة الشهرة و هو ما عرضه لحروبٍ عديدة بعد أن تم احضار « فهد بلان » بمُباركة من حليم ! ليُنافسه و يسحب البُساط من تحد قدميه الا أن « بلان » فاجأ الجميع بالاشادة برشدى و لم يؤثر ذلك على مسيرته و بعد أن كان رشدى مُجرد مُطرب أفراح يشدو فى المُناسبات السعيدة أصبح أيضاً مُطرباً لأفراح الزعماء و المُلوك و الأمراء العرب بعد أن طلبه الزعيم الراحل ” جمال عبد الناصر ” بالإسم ليُحيى فرح شقيقه بعد أن أبدى اعجابه الشديد بصوته عندما استمع له فى فرح ابنة عضو مجلس قيادة الثورة ” عبد اللطيف البغدادى ” كما أمر الرئيس ” أنور السادات ” بإحضاره لاحياء فرح ابنته و هكذا أصبح رشدى بأغانيه عاملاً مُشتركاً فى معظم حفلات الأفراح و المناسبات سواء التى تقام فى مصر أو خارجها فى جميع الأقطار العربية و الأوروبية الأخرى و لم يقتصر غناؤه على اللون الشعبى فقط بل أمتد ليشمل الأغانى الوطنية و الدينية و كذلك تترات المُسلسلات و كان آخر مسلسل غنى تتراته هو « ابن ماجة » للفنان حسن يوسف .. حصد رشدى العديد من الجوائز و الأوسمة منها « عشر جوائز فى الإذاعة و درع القوات المسلحة أكثر من مرة و ميدالية طلعت حرب و نال وسام الثقافة من رئيس الجمهورية التونسية » .. تزوج رُشدى براقصة من شارع محمد على فى مُقتبل حياته أنجبت له ” عادل ” ثُم انفصل عنها و تزوج بسيدة أخرى من خارج الوسط الفنى أنجبت له ” طارق ” و ” أدهم ” و ” سناء ” و ظل رُشدى يُطرب آذاننا بصوته الجياش بعد أن غنى أكثر من 600 أغنية ما بين « العاطفى و الشعبى و الدينى و الوطنى حتى بدت خيوط المشهد الأخير فى حياته قبل وفاته بعام فى عام 2004م عندما أصيب بفشل كلوى و كان عليه أن يقوم باجراء عملية غسيل كلوى لمدة 3 مرات فى الأسبوع بالاضافة الى اصابته بهشاشة العظام و لكنه دائماً ما كان يُردد « أنا مُستسلم لأمر الله تعالى لأنها ارادته » و كان أخطر ما يعانى منه محمد رشدى هو مرض السرطان الذى ظل يُعانى منه حتى توفى بعد يومين فقط من انتقاله لمُستشفى السلام الدولى فى 2 / 5 / 2005م اثر اصابته بالتهاب رئوى حاد عن عُمرٍ يُناهز الـ 73 عاماً و قبل وفاته بـ 3 أسابيع قامت الشركة المُنتجة لألبومه الجديد « البيت القديم » ببذل مجهودات مُكثفة لتسجيل أغانى ألبومه لاصداره فى نفس التوقيت و كان يضُم 10 آغانى .. رحم الله محمد رُشدى و تجاوز عن سيئاته و أسكنه فسيح جناته .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: