الرئيسية / رؤى ومقالات / إبراهيم نوار يكتب ….الجباية، والإستدانة، وتبديد الموارد في الموازنة العامة للدولة 2019/2020

إبراهيم نوار يكتب ….الجباية، والإستدانة، وتبديد الموارد في الموازنة العامة للدولة 2019/2020

تقوم السياسة المالية للدولة على ثلاثة أضلاع رئيسية. الضلع الأول، هو التوسع في الجباية و (تنفيض) جيوب المواطنين، وذلك بابتكار ضرائب ورسوم جديدة، وبزيادة معدلات الضرائب، وبتوسيع دائرة الشمول الضريبي (او ما يسمى المجتمع الضريبي).

الضلع الثاني، يتمثل في التوسع في الإستدانة المحلية والخارجية عن طريق زيادة إصدارات أذون وسندات الخزانة، وإصدار سندات مقومة بعملات أجنبية في أسواق المال الخارجية، وزيادة القروض والتسهيلات الإئتمانية من الخارج.

الضلع الثالث، من أضلاع السياسة المالية يتمثل في تبديد الموارد الوطنية عن طريق تصفية الشركات التي أقيمت بأموال مدخرات الشعب، ومنح امتيازات وحقوق للأجانب على موارد مصر الوطنية ومنها الذهب والنفط والغاز والمرافق العامة، وإهدار الحق العام في ملكية الأراضي وذلك عن طريق تحويل مساحات كبيرة منها إلى أراضي “مملوكة للدولة ملكية خاصة” ثم التصرف فيها لمصلحة شركات أو هيئات خارج الموازنة العامة للدولة.

وتعتبر تلك الأضلاع الثلاثة هي الركائز الأساسية للسياسة المالية للدولة منذ عام 2014 حتى الآن. ويظهر أثر تلك السياسة واضحا في الموازنة العامة للدولة 2019 /2020 ، وهي الموازنة التي نحاول قراءة أرقامها الأولية من منظور العلاقات بين الدولة وبين المجتمع.

هذا المنظور غائب تماما عن مشروع الموازنة وعن السياسة المالية، لأن تلك السياسة معنية ب “مالية الحكومة” وغير معنية ب “مالية المجتمع”. الفرق بينهما هو أن مالية الحكومة معنية فقط بتحقيق التوازن المالي المحاسبي على الورق، حتى لو كان ذلك على حساب المجتمع. بينما مالية المجتمع هي معنية أولا وكل شيئ بتحقيق التنمية. المجتمع ليس أمامه خيار غير التنمية؛ لأن عدد أفراد الأسرة يزيد كل سنة، ولأن احتياجات فرص العمل تزيد، ولأن الحاجة إلى تغطية نفقات التعليم والصحة والمواصلات والسكن وغيرها تزيد، وفوق كل ذلك لأن أفراد المجتمع يطمحون إلى رفع مستوى المعيشة التي يعيشونها، سواء بغرض الإرتقاء او بغرض مواجهة الزيادة في تكاليف الحياة.

وعلى أساس ما تقدم، فإن موازنة العام المالى المقبل مبنية على الأسس والأهداف التالية:

أولا: أولوية تحقيق فائض أولى في الموازنة الحسابية، وباستبعاد تكاليف خدمة الديون، بنسبة 2% من الناتج المحلي الإجمالي على كل ما عداه، بما في ذلك استثمارات التعليم والصحة. وقد تعهدت الحكومة بذلك لصندوق النقد الدولي، وأكدت هذا التعهد في مشروع الموازنة المقدم إلى مجلس النواب.

ثانيا: زيادة الضرائب من الجهات غير السيادية بما يعادل 0.5% من الناتج المحلي الإجمالي (حوالي 30 مليار جنيه في العام الحالي). وزيادة حصيلة الضرائب بنسبة 13% بما في ذلك ضريبة القيمة المضافة، التي تعتزم الحكومة إلغاء بعض الإعفاءات المعمول بها على بعض السلع والخدمات، بحيث ترتفع حصيلة ضريبة القيمة المضافة وحدها إلى 365 مليار جنيه ، أي بما يعادل حوالي 43% من الإيرادات الضريبية الكلية المتوقعة (856.6 مليار جنيه). كما تعتزم الحكومة وضع نظام لتحصيل الضرائب من الشركات والأعمال الصغيرة والمتناهية الصغر.

ثالثا: إنهاء دعم كل مواد الوقود (باستثناء دعم البوتاجاز وزيت الوقود للمخابز، ومحطات توليد الكهرباء) قبل بداية السنة المالية (في 15 يونيو 2019)، أو مع بداية يوليو. وتعتزم الحكومة إنشاء نظام جديد لتسعير الطاقة (باستثناء الكهرباء) يرتبط بالأسعار العالمية وتكاليف الإنتاج cost recovery prices، يتم تعديله كل 3 أشهر بهامش 10% من متوسط معدل السعر السائد. وقد تعهدت الحكومة بإنهاء دعم الكهرباء في الموازنة التالية 2020/2021.

ومن المتوقع أن تعلن الحكومة زيادة أسعار مواد الوقود بنسبة لن تقل عن 10 – 15% في شهر يونيو المقبل، بافتراض بقاء الأسعار العالمية على ما هي عليه. لكن الزيادة من المرجح أن ترتفع عن ذلك إذا استمرت أسعار النفط في الارتفاع فوق معدل 68 دولارا للبرميل (المعدل المفترض لأسعار النفط في الموازنة القادمة). في الوقت الحالي تواصل أسعار النفط الإرتفاع، خصوصا مع الحظر الأمريكي على تصدير النفط من إيران ومن فنزويلا، وكذلك اضطراب إنتاج النفط في ليبيا. هذا يعني أن الزيادة الجديدة في أسعار الوقود قد تتراوح بين 20 إلى 25% من الأسعار الحالية.

هذه الزيادة في أسعار الوقود ستضيف إلى إيرادات الموازنة العامة للدولة ما يقرب من 86 مليار جنيه، أو ما يعادل 1.4% من الناتج المحلي الإجمالي. وسيؤدي هذا الإرتفاع في أسعار الطاقة إلى موجة تضخمية أعلى في قطاعات النقل والمواصلات والسلع الغذائية على وجه الخصوص.

رابعا: تخفيض حصة الأجور من الناتج المحلي الإجمالي بما يعادل 0.3% من الناتج المحلي الإجمالي أي بقيمة تبلغ نحو 18 مليار جنيه. مع إحكام السيطرة على الأجور ومعدلات زيادتها، وهو ما أوضحناه في مقال سابق.

خامسا: زيادة أسعار الخدمات والسلع الحكومية، بزيادة رسوم تنمية موارد الدولة وغيرها.

سادسا: التخلص تدريجيا من نصيب الملكية العامة في عدد من المشاريع الإقتصادية، في كل القطاعات، في إطار خطة متوسطة المدى تهدف جمع 80 مليار جنيه (وفي قول آخر 100 مليار جنيه على مدى عشر سنوات) منها حوالي 4 شركات في الموازنة الجديدة، تم تنفيذ صفقة واحدة منها (الشرقية للدخان) في فبراير 2019. ويتبقي ان تعلن الحكومة في السنة المالية الجديدة بيع جزء من حصة المال العام في شركتين أو ثلاثة خلال الفترة من يوليو 2019 إلى يونيو 2020، وهو ما يقل كثيرا عن طموحات برنامج الخصخصة الذي تلتزم به الحكومة.

سابعا: بدء الإستعدادات لخصخصة سكك حديد مصر، وذلك بإنشاء جهاز مستقل لتنظيم النقل، بما يضمن تنفيذ الالتزامات التي تعهدت بها الحكومة لصندوق النقد الدولي. وسيصبح هذا الجهاز في المستقبل هو الجهة التي تتولى وضع برنامج لخصخصة خدمات النقل بالسكك الحديد وقطاع النقل بشكل عام. الهدف من ذلك هو فتح هذا القطاع للإستثمارات الخاصة المحلية والأجنبية، والسماح بوجود امتيازات لتشغيل خطوط السكك الحديد، سواء بالمشاركة مع الدولة من خلال صيغة المشاركة PPP او من خلال حقوق الانتفاع على غرار ما هو حاصل حاليا في امتيازات تشغيل الطرق السريعة.

ثامنا: زيادة الإقتراض المحلي بنسبة 45%، منها زيادة في إصدارات أذون الخزانة بنسبة 24% لتصل إلى 435 مليار جنيه، وزيادة في إصدارات سندات الخزانة بنسبة 93% لتصل إلى 291 مليار جنيه تقريبا. وتفترض الحكومة في الموازنة الجديدة ان متوسط سعر الفائدة على أذون وسندات الخزانة سيتراجع إلى 15.5% في العام القادم.

تاسعا: زيادة الاقتراض الخارجي بنسبة تصل إلى 40% بقيمة في حدود 10 مليارات دولار منها الشريحة الأخيرة من قرض الصندوق (2 مليار دولار) ، وقرض من البنك الدولي بقيمة مليار دولار، وقرض من ألمانيا بقيمة 250 مليون دولار، وإصدار سندات بعملات أجنبية في الخارج في حدود من 4 مليارات إلى 7 مليارات دولار. هذا إضافة إلى القروض والتسهيلات المالية المربوطة بمشروعات او بامتيازات على مشروعات، مثل تلك التي تقوم الصين بتمويلها.

عاشرا: إنهاء العمل ببرامج التمويل المعتمدة من البنك المركزي لقطاعات الأعمال المختلفة، بما في ذلك برنامج تمويل الإسكان الإجتماعي، وذلك بعد استنفاذ الموارد المالية التي كانت مخصصة لهذه البرامج.

ويتضمن ذلك البرامج التالية:

– (مبادرة تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة) حيث تم بالفعل استهلاك الموارد المخصصة للمبادرة بقيمة 10 مليارات جنيه.

– (مبادرة تمويل الإسكان الإجتماعي) التي كان مخصصا لها 20 مليار جنيه، تم استهلاك 17 مليار جنيه منها، وسيتم استهلاك باقي الرصيد (حوالي 3.5 مليار جنيه) في السنة المالية المقبلة، طبقا لتصريح أفاد به رئيس الوزراء.

– (مبادرة تمويل المشروعات الزراعية الصغيرة) التي كان مخصصا لها 30 مليار جنيه، وبدأ العمل بها في يناير 2018، بعد استهلاك 20 مليار جنيه من هذه المخصصات. وربما تستمر الحكومة في تشغيل البرنامج حتى استهلاك كل مخصصاته.

– تتضمن الترتيبات الجديدة لإقراض المشروعات الصغيرة والمتوسطة إلغاء دعم القروض لهذه المشروعات، وتحويلها إلى حساب الموازنة العامة للدولة.

تلك كانت قراءتنا العامة لمشروع الموازنة العامة للدولة للسنة المالية المقبلة 2019/2020 من بوابة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وعلي أساس عدد من الوثائق الرئيسية الصادرة عن الحكومة، هي البيان المالي التمهيدي المقدم إلى البرلمان (مارس 2019) ، ومنشور إعداد الموازنة العامة للدولة الصادر عن وزارة المالية (أكتوبر 2018) ، ومذكرة صندوق النقد الدولي عن المراجعة الرابعة لقرض الصندوق إلى مصر، والمنشور في الشهر الماضي.

في هذه الموازنة ستقتطع الحكومة من رفاهية المجتمع ما يقرب من 2.5% من الناتج المحلي الاجمالي، لتحقيق فائض في الميزان الحسابي الأولى للموازانة بنسبة 2% من الناتج، وذلك غير ما ستلجأ إليه من الإستدانة وتبديد الموارد.

نحن نعرف ذلك الآن. وبناء على هذه المعرفة يتوجب على مجلس النواب مساءلة الحكومة: ماذا سيعود على المجتمع من هذا، وما هو العائد الذي ستستفيد منه البلاد. السؤال مهم جدا، لأن تلك السياسة المالية سارية بملامحها تلك منذ نحو خمس سنوات، وزادت قسوة إجراءاتها منذ نوفمبر 2016، ولا تبدو في الأفق ثمار للمجتمع منها، بينما المجتمع والأجيال المقبلة والمدخرات السابقة، هم من يتحملون تكلفة تمويل تلك السياسة البائسة الفاشلة حتى الآن.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: