الرئيسية / ثقافة وفنون / أشرف الريس يكتب عن: ذكرى ميلاد مُنيرة المهدية

أشرف الريس يكتب عن: ذكرى ميلاد مُنيرة المهدية

يوافق اليوم الذكرى السنوية الـ 134 لميلاد ” سُلطانة الطرب ” و ” السُلطانة ” و ” الصوت الأبيض ” المُطربة الكبيرة ” و المُمثلة المُتميزة زكية حسن منصور ” الشهيرة بُمنيرة المهدية و التى تُعد من ألمع النجوم اللاتى سَطعن فى سماء الغناء فى بدايات القرن العشرين و أحد أبرز الفنانات فى تاريخ السينما و الطرب المصرى و احدى رائدات المسرح الغنائى فى عشرينيات القرن الماضى بعد أن انتقلت إلى القاهرة من مُحافظة الشرقية بدلتا مصر كى تحترف الغناء لتُضحى أول مُمثلة و مُطربة مصرية تثور على فكرة ” الحرملك ” و تغنى على المسرح بدلاً من الفنانات الشاميات و اليهوديات اللاتى كُنَ يُسيطِرن سيطرة كاملة على الساحة الفنية آنذاك و قد حمل مقهى ” نُزهة النفوس ” و ” عوامة الغندورة ” على نيل ” إمبابة ” و التى كانت تُغنى بهُما مُنيرة فى بداية القرن الماضى الكثير من أسرار الحياة السياسية و الفنية فى مصر حيثُ كان يُعقد فى حضرة صاحبتها مجلس وزراء مصر بالكامل ! و تغنى فيها السُلطانة أغذب الاغانى بصوت الكروانى الجميل .. ولدت منيرة فى 16 / 5 / 1885م فى قرية المهدية بمركز ههيا التابع لمُحافظة الشرقية و توفى والدها و هى صغيرة و تولت شقيقتها رعايتها و بدأت المهدية حياتها الفنية كمُطربة تُحيى الليالى و الحفلات فى مدينة الزقازيق و فى عام 1905م شاهدها أحد أصحاب المقاهى الصغيرة فى القاهرة فأعجب بجمال صوتها و استطاع إقناعها بالسفر إلى القاهرة و هُناك ذاع صيتها و لقبت بسُلطانة الطرب من خلال مسرح الشيخ ” سلامة حجازى ” حيثُ بدأت مُنيرة تغنى بحنجرتها الذهبية لتُسحر الجُمهور و بعد نجاحها المُذهل على مسرح سلامة حجازى انطلقت مُنيرة و أسست مقهى للغناء خاص بها و أسمته ” نُزهة النفوس ” الذى تحول إلى مُلتقى لرجال الفكر و السياسة و الصحافة بفضل ما كانت تتمتع به من شخصية قوية و قيادية ثُم كونت فرقة ” المُمثلة المصرية ” لتتربع بعدها على عَرشِ الأغنية المصرية فى العشرينيات بلا مُنازع و فى صيف 1915م وقفت منيرة المهدية على خشبة المسرح مع فرقة عزيز عيد، لتؤدى دور ” حسن ” ! فى رواية للشيخ سلامة حجازى فكانت بذلك أول سيدة مصرية تقف على خشبة المسرح لتؤدى دول رجُل حيثُ كُتب على الأفيشات ” المُمثلة الأولى” بالرغم من أنها كانت تقوم بدور رجل ! و هو ما زاد الإقبال على المسرحة بشكلٍ ملحوظ ثُم قدمت منيرة بعد ذلك العديد من كبار مُلحنى عصرها مثل ” سيد درويش ” و ” النجريدى ” و غيرهم و تغنت بأشهر أغنياتها مثل ” أسمر ملك روحى ” و” تعالى بالعجل ” و ” بعد العشا يحلى الهزار و الفرفشة ” و” يمامة حلوة ” و” ارخى الستارة ” و ” على دول ياما على دول ” و” الحُب دح دح ” و” أشكى لمين الهوى ” و” أنا هويت ” و” أنا عشقت ” و” عليه سلام الله ” و” يا محلا الفُسحة يا عينى ” و مع نهاية عام 1929م حدثت أزمة مالية عالمية سببت ركوداً فى المجال الفنى و لم تتغير الأحوال إلا فى مُنتصف الثلاثينيات و لكن بمقاييس مُختلفة لم تكن تُدركها ” السلطانة ” بعكس ما أدركتها ” كوكب الشرق ” السيدة أم كلثوم تلك الفتاة الريفية التى جاءت بتغيير جذرى للأغنية المصرية بشكل عام  علاوة على تقدم مُنيرة المهدية فى العُمر و تدخينها ” الشيشة ” بشراهة ما أثر سلباً على طبيعة صوتها و على أدائها الأدوار الموسيقية حتى قررت الإعتزال و الإبتعاد عن الأضواء بإرادتها الحُرة بعد أن قدمت فى عام 1935م للسينما فيلماً وحيداً بعنوان « الغندورة » و كان من إخراج المُخرج الإيطالى ” فولبى ” و لكنها عادت مُجدداً فى عام 1948م و نظمت حفلة غنائية غير أنها لم تلق النجاح ذاته فابتعدت تلك المرة بشكل نهائى حتى رحلت فى 11 / 3 / 1965م عن عُمرٍ ناهز على الـ 80 عاماً بعد حياة فنية حافلة امتدت إلى ما يزيد على الـ 30 عاماً و كانت مُنيرة قد أجرت فى أواخر أيامها حواراً تليفزيونياً مع المذيعة الكبيرة ” أمانى ناشد ” من خلال برنامجها ” سهرة مع فنان ” لاقى إستحساناً كبيراً من جُمهورها العريض الذى طالب بإذاعة الحلقة أكثر من مرة و كان له ما أراد .. كان الزعيم الوفدى ” سعد باشا زغلول ” من أشد المُعجبين بفن مُنيرة المهدية فبحسب كتاب ” سعديون أم عدليون ؟ ” للكاتب ” عمرو سميح ” أن سعد باشا كان يحلو له السهرة مع أصدقائه فى ” تياترو برينتانيا ” لحُضور تمثيل رواية ” كارمن ” التى كانت تُقدمها فرقة مُنيرة المهدية و التى بدأت فى تقديمها للمسرح بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1917م و قد ” فضفض ” سعد لأحد الباشاوات المُقربين لمُنيرة بأن التياترو على سعته و غاصاً بالمُتفرجين و الألواج مملوءة جداً و لكن أغلبهم من الطبقة الوسطى و الدنيا و هذا لا يليق أبداً بجمهور الست مُنيرة ” ! و حين علمت مُنيرة بما قاله زغلول ردت عليه بحدة فى إحدى الصُحف و قالت ” إللى مش عاجباه الطبقة الوسطى و الدنيا مايشرفنيش أبداً إنه يحضر حفلاتى بعد كدة أبداً و يبقى يخليه فى حفلات البشاوات إللى زيه .. و بعدين إيه حكاية وسطى و دُنيا دى ؟! هوه الفن راخر حانقسم السميعة بتوعه لطبقات ؟! ده وجع قلب إيه ده ؟! ” و حين علم سعد زغلول برد مُنيرة القاسى حاول أن يُصلح ما أفسده لسانه فزاد من الطين بلة ! حين رد عليها فى جريدة الأهرام و قال ” أنا ماقصدش كده أبداً أنا كان قصدى إن جُمهور الطبقة العُليا لازم يبقى مُتواجد مع الطبقتين الدُنيوتين إللى تحت منه ” ! .. قدمت المهدية الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب على خشبة المسرح بحسب كتاب ” صفحات من مُذكرات نجيب محفوظ ” للناقد الكبير رجاء النقاش فإن المهدية كان لها الفضل فى شهرة عبد الوهاب الأولى بعد وفاة الشيخ سيد درويش المُفاجئ دون أن يتم مسرحية كليوباترا حيثُ أسندت الألحان لعبد الوهاب كما أسندت له البطولة الرجولية أمامها و كان حينها الأخير فى سن أبنائها و كانت هذه الفرصة نقطة فاصلة فى حياته دفعته كثيراً إلى الأمام و وفرت عليه سنوات عديدة من المُعاناة بحسب وصف ” الأديب الكبير الراحل ” لكن مُنيرة قامت بطرده ! من عرض أوبريت كليوباترا لأنه لم يحفظ الجميل ( حسب كلام النقاش ” حينما سمعته بالصُدفة و هو يتهكم عليها مع أحد المُمثلين و يصفها بـ ” الولية المُتصابية ” ! و حينها واجهته مُنيرة و قالت له ” بقى دى أخرتها ؟! .. هوه كُنت غازلتك ولا طلبت منك ترافقنى عشان تقول عليا كده ؟! .. عموماً المُتصابية دى زى ما لمتك و سترتك بعد الشيخ سيد ما مات و عملت لك قيمة حاتطردك و حاترجعك تلف على كعوب رجليك و تدور على حد يلمك تانى ” أما الفنان العظيم نجيب الريحانى فقد ذكر أحد المواقف الطريفة التى جمعته بالمهدية و ذلك بعدما اقترح على المسئول عن الفرقة بتقديم منيرة المهدية دوراً فى الفصل الثالث من رواية صلاح الدين الأيوبى على أن يكون الإيراد مُناصفة بين المهدية و الفرقة و يحكى ” الريحانى” إن خلال زيارته لها لمُراجعة الدور الذى ستقوم بتقديمه وجدها تُداعب ” عِرسة ” ! و رغم جرائم ذلك الحيوان إلا أن تلك ” العِرسة ” كانت محبوبة للمهدية و جميع رواد منزلها ! مما جعل الريحانى يترُك المنزل على الفور لأنها تُفضل النظر للعِرسة على النظر له ! ( و ذلك بحسب تعبير الريحانى الساخر ) أما الشيخ سلامة حجازى فكان يصف مُنيرة دائماً بالمرحة خفيفة الظل و ينعت صوتها بـ ” الصوت الأبيض الخالى من أى أخطاء فى أوكتافاته أو نشاز فى مقاماته ” و نعت صوتها أيضاً بـ ” الصوت الذى لا يتكرر إلا كل مئة عام “.. رحم الله مُنيرة المهدية و تجاوز عن سيئاتها و أسكنها فسيح جناته .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: