الرئيسية / تاريخ العرب / الحاكم غير المسلم يحكم بعد أن يتظاهر بالإسلام : 1- علي بك الكبير ( علي زلط )

الحاكم غير المسلم يحكم بعد أن يتظاهر بالإسلام : 1- علي بك الكبير ( علي زلط )

كتب :محمد الصباغ

لا تُعرف أصول علي بك الكبير على وجه الدقة واليقين ، فهو مثل غيره من آلاف المماليك الذي يُشترون صغارا ويُجلبون إلى عاصمة الخلافة الإسلامية في ” تركيا ” حيث يعتنقون الإسلام إجبارا ، ويخضعون لتربية عسكرية صارمة ، ويبدأون رحلتهم في الصعود إلى النفوذ والسيطرة من خلال إمتهان سلك الجندية .

يذكر المؤرخ الأوربي “ستافرو لانسبان” وكان معاصرا ل’‘‘علي بك الكبير’’’ وملاصقا له ، أنه ابن قسيس رومي أرثوذكسي من قرية ” أماسيا ” في الأناضول ، وأنه ولد في سنة (1140 هـ = 1728 م) ثم تم خطفه في الثالثة عشر من عمره ، وبيع في القاهرة للأمير “إبراهيم كتخدا ” ، وبدأ معه رحلة التعليم والتدريب التي يمر بها المماليك .

وفي تلك المرحلة ظهرت ملامح شخصيته وكفاءته العسكرية، فتفوق على أقرانه في ركوب الخيل ، والضرب بالسيف والطعن بالرمح ، واستخدام الأسلحة النارية ، وهو ما جعل سيده يعتقه وهو لم يتجاوز العشرين ، وولاه بعض المهام الإدارية ، وأصبح كاشفا (أميرا) سنة (1163 هـ == 1749 م) وله من العمر اثنان وعشرون عاما ، ولما توفي أستاذه إبراهيم كتخدا سنة (1167 هـ == 1754 م) خلفه في مناصبه : “شيخ البلد” .

” تطلع “علي بك الكبير” إلى منصب شيخ البلد ، وكان شاغله هو أن يكون صاحب الاحوال والقوة في مصر والحاكم الفعلي لها ، ولم يكن الوصول إلى هذا المنصب سهلا ميسورا ، بل كان دائما مفروشا بالصعاب والعقبات وممتلئا بالخصوم والمنافسين ، فبدأ “علي بك” بشراء المماليك والإكثار منهم وتدريبهم على فنون الحرب والقتال ، والاستعداد للساعة الحاسمة التي يفوز فيها بالمنصب الكبير ، وجاءت هذه الساعة في سنة (1177 هـ = 1763 م) ، حيث اعتلى كرسي مشيخة البلد بالقاهرة ، لكنه لم ينجح في الاحتفاظ بمنصبه وأجبره خصومه على الفرار من القاهرة إلى الصعيد تارة وإلى الحجاز تارة وإلى الشام تارة أخرى .

ولم يثنه ذلك عن التطلع إلى منصب ” شيخ البلد” مرة ثانية، فلم يقعد به اليأس عن العمل أو يشله عن التفكير ، حتى استطاع العودة إلى منصبه الأثير سنة (1181 هـ = 1767 م) وهو أعظم قوة وأكثر عددا ، ولما استتب له الأمر التفت إلى من بقي من خصومه فصادر أموالهم وقتل بعضهم أو نفاهم حتى خلا له الجو وبسط سيطرته على البلاد ، ولم يسلم من هذه الإجراءات من قدموا له العون والمساعدة فبطش ببعضهم ونفاهم إلى خارج البلاد .

اتسمت إجراءات ” علي بك الكبير” مع خصومه بالقسوة حتى وصفه ” الجبرتي” بأنه هو الذي ابتدع المصادرات وسلب الأموال من مبدأ ظهوره ، واقتدى به غيره ، وكان أداته في هذا الشأن عدد من أتباعه أشهرهم “محمد بك أبو الدهب” و
” أحمد الجزار ” و “مراد بك ” و” إبراهيم بك” .

وقد استغل “علي بك الكبير” فرصة انشغال الدولة العثمانية في حربها مع روسيا ، ولم تكن نتائجها في صالح العثمانيين الذين منوا بخسائر فادحة ، فاستصدر أمرا من الديوان بعزل الوالي العثماني ، وتولى هو منصب القائمقام بدلا من الوالي المخلوع ، وذلك في (غرة شعبان 1182 هـ = 11 من ديسمبر 1768 م ).

وأتبع ذلك بمنعه قدوم الولاة الأتراك إلى القاهرة ، فلم ترسل الدولة أحدا منهم على مدى أربع سنوات ، كما أوقف إرسال الأموال المقررة سنويا على مصر إلى الدولة العثمانية ابتداء من سنة (1182 هـ = 1768 م ) .

وفي أثناء ذلك نجح في أن يسيطر على أحوال مصر ، في الوجهين البحري والقبلي ، وأن يقضي على الفتن هناك ويضرب بيد من حديد على الخارجين عليه في الشرقية والقليوبية والبحيرة ، ثم قضى على نفوذ شيخ العرب همام بن يوسف الهواري زعيم الصعيد ، وكان يلجأ إليه كثير من منافسي ” علي بك الكبير” طالبين حمايته وإمدادهم بالمال والسلاح ، ولم يلبث أن توفي شيخ العرب همام وزالت دولته من بلاد الصعيد كأن لم تكن ، وخلصت مصر بوجهيها البحري والقبلي لعلي بك وأتباعه .

لم يكتف “علي بك الكبير” بأن بسط نفوذه وسلطانه على مصر ، فرنا ببصره إلى خارجها وتطلع إلى ضم الحجاز لتأمين الحج للمصريين والمغاربة والشوام ، وإحياء تجارة مصر مع الهند بالاستيلاء على ميناء جدة التجاري ذي الشهرة الواسعة ، وجعله مستودعا وسطا لتجارة الهند والشرق الأقصى ، فيعيد بذلك الثروة والغنى التي فقدتها مصر من جراء تحول تجارة الشرق إلى طريق الرجاء الصالح .

وانتهز علي بك فرصة النزاع الذي دار بين اثنين من أشراف الحجاز حول الحكم ، فتدخل لصالح أحدهما وأرسل حملة عسكرية يقودها محمد بك أبو الدهب في (صفر 1184 هـ = يونيو 1770 م ) إلى هناك فنجحت في مهمتها ، ونودي ب’‘‘علي بك الكبير’’’ في الحرمين الشريفين سلطان مصر وخاقان البحرين ، وذكر اسمه ولقبه على منابر المساجد في الحجاز كلها .

وقد شجع نجاح حملة الحجاز “علي بك الكبير ” على أن يتطلع إلى إرسال حملة إلى بلاد الشام منتهزا سوء أحوالها وتعدد طوائفها ، واستنجاد صديقه والي عكا “ظاهر العمر” به الذي نجح في أن يمد نفوذه في جنوب سوريا ، وكان هو الآخر يسعى إلى الاستقلال عن الدولة العثمانية .

وقبل أن يمضي علي بك في حملته على الشام اتصل بروسيا أعدى أعداء الدولة العثمانية، وعرض عليها أن يعقد معها معاهدة تحالف وصداقة ، وأن تزوده بالأسلحة والعسكريين المدربين ، وأن يكون الأسطول الروسي حاميا للشواطئ المصرية ضد أية محاولات هجومية من قبل الدولة العثمانية . وتمت هذه الاتصالات مع قائد الأسطول الروسي الذي كان مرابطا في البحر المتوسط ، وقد رد القائد الروسي على هذه الطلبات التي طرحها “علي بك” ردا جميلا ، ووعده بأنه سوف يرجع إلى حكومته وإلى الإمبراطورة كاترين بشأنها .

ولم يكد “محمد أبو الدهب” يعود بحملته الظافرة من الحجاز حتى سيره علي بك ، على رأس جيش كبير يتألف من أكثر من أربعين ألف جندي ليزحف على الشام ، وكان السبب الذي أعلنه “علي بك ” من وراء حملته على الشام هو إيواء “عثمان العظم ” والي الشام (دمشق) لخصوم “علي بك ” وأعدائه وإعدادهم للإغارة على مصر ، وأن هذا الوالي يسيء الحكم في دمشق مما جعل السوريين يتذمرون من حكمه .

وقد كلفت هذه الحملة الخزانة المصرية أعباء مالية ضخمة
، تحمل تكاليفها الشعب المصري الذي فرضت عليه ضرائب باهظة أثقلت كاهله ، وأطلقت صرخاته المكتومة وأناته الحبيسة لتحقيق رغبات جامحة لولاة طامحين في بناء مجد زائف .

وتمكن” محمد أبو الدهب” من تحقيق انتصارات هائلة ، فاستولى على غزة والرملة ، ولما اقتربت قواته من بيت المقدس خرج إليه حاكمها وقضاتها وأعيانها ورحبوا بقدوم الحملة المصرية فدخلتها دون قتال ، واستسلمت يافا بعد حصار دام شهرين ، ثم انضمت قوات “الشيخ ضاهر ” إلى القوات المصرية ففتحوا صيدا ، ولم يبق أمامهم سوى دمشق ، والتقى الجيشان الحليفان بالجيش العثماني الذي لم يستطع المواجهة والصمود ولقي هزيمة كبيرة ، ودخل “محمد أبو الدهب” دمشق في (22 من صفر 1185 هـ = 6 من يونيو 1771 م) .

وفي الوقت الذي كان فيه “علي بك الكبير ” يحتفل بهذا النصر الكبير ، وتزينت القاهرة لهذه المناسبة أحسن زينة ، كان” محمد أبو الدهب” يتوقف عن الزحف ويستعد للرجوع إلى القاهرة ، ولا يُعرف السبب المتيقن وراء هذا التحول المفاجئ، هل هو السأم من القتال أم الرغبة في السيطرة على ملك مصر باعتباره صاحب فضل في التمكين والسيطرة ل “علي بك الكبير”، أم هو نجاح الدولة العثمانية في استمالة أبي الدهب وإغرائه بحكم مصر إذا خرج على سيده ؟

و في هذه الأثناء استصدر السلطان العثماني فتوى من قاضي القضاة والمفتي الأعظم باعتبار علي بك ورجاله وحلفائه وأنصاره بغاة خارجين على الدولة يجب قتلهم أينما وجدوا ، وزاد من تأثير هذه الفتوى اتصال علي بك الكبير بروسيا ، وهي دولة مسيحية في حالة حرب مع دولة الخلافة العثمانية .
ولهذا فقد عاد أبو الدهب سريعا إلى مصر ، وسحب في طريق عودته جميع الحاميات التي كان قد أقامها في البلاد المفتوحة ، وبدأ يحارب سيده ، ولا يلتزم بقراراته ، وتأكد علي بك من عدم ولاء أبي الدهب له بعد رفضه عدم العودة إلى فلسطين ، وعجز عن اتخاذ قرار صارم ضد تابعه الذي خرج عليه، ولم يعد هناك مفر من الصدام بين الرجلين ، وانتهت الغلبة فيه لأبي الدهب ، واضطر علي بك الكبير إلى مغادرة القاهرة والالتجاء إلى صديقه “ظاهر العمر” ومعه ثروته الضخمة وسبعة آلاف من فرسانه ومشاته ، وبدأ في تنظيم قواته والاتصال بقائد الأسطول الروسي الذي راح يمنيه بقرب وصول المساعدات ، لكن هذه الوعود تمخضت عن ثلاثة مدافع وبضعة ضباط وعدد من البنادق فقط .

تعجل علي بك العودة إلى مصر على غير رغبة ضاهر العمر ، الذي نصحه بالتريث والتمهل، حتى إذا وصل إلى الصالحية بالشرقية ، التقى بجيش أبي الدهب في (15 من صفر 1187 هـ = 26 أبريل 1773 م) في معركة كان النصر فيها حليف الأخير ، وأصيب علي بك في هذه المعركة بجراح ، ونقل إلى القاهرة ، حيث قدم له مملوكه “أبو الدهب” الرعاية الطبية ، لكن ذلك لم يغن عن الأمر شيئا فلقي ربه في (25 صفر 1187 هـ == 8 من مايو 1773 م) ” .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: