الرئيسية / ثقافة وفنون / أشرف الريس يكتب عن: ذكرى ميلاد نجيب سرور

أشرف الريس يكتب عن: ذكرى ميلاد نجيب سرور

يوافق اليوم الذكرى السنوية الـ 87 لميلاد ” شاعر العقل ” و ” الثائر المُتمرد ” محمد نجيب محمد هجرس ” الشهير بنجيب سُرور .. ” قد آن ياكيخوت للقلب الجريح أن يستريح فاحفر هنا قبراً و نم و انقش على الصخر الأصم يانابشاً قبرى حنانك هاهُنا قلب ينام لا فرق من عام ينام و ألف عام هذى العظام حصاد أيامى فرفقاً بالعظام ! ” ربما تكون العِظام هى حصاد أيام نجيب سُرور الذى حمله معه إلى القبر لكن الأكيد أن حصاداً آخر رائعاً لزال و سيظل يحيا بيننا تقتات عليه أرواحنا فنا و إبداعاً محفوظاً فى ذلك المُجلد من التاريخ الذى يحمل على غُلافه عُنوان ” الفن الراقى ” فبهذه الكلمات التى تقطر رقة و عذوبة كمثل جميع كتاباته الشعرية و النثرية استشرف صاحبها الذى كان يقول ” أنا عارف أنى هموت فى عمر الورد ” نهايته و رغم أنها كانت شاهده الأخير الذى سُجل على لوحة قبره إلا أنها و الحقُ يُقال لم تكن أول و لا آخر إبداعاته الراقية التى طغت عليها شهرة قصيدته الصادمة لصاحبها الذى كان لكبرياؤه الفضل فى عصمته من الإنحناء و لم يبال مُطلقاً بأحد و هو يقتحم القاهرة بخياله الحالم الذى ظن أنه سيُغير به العالم فإذا به ينكسر ! .. ولد سُرور فى 1 / 6 / 1932م فى قرية إخطاب فى مركز أجا بمُحافظة الدقهلية و هى قرية فلاحيـة صغيرة تقتات بجنى ما يزرع أهلها و مـا يربون من الدواجن و المواشى بعيداً عن أية رعاية حُكومية ! و كانت تلك القرية تُرسل أبنـائها بقليلٍ من الحماس إلى المدارس الحكومية المجانية المُكتظة بالتلاميذ كى يتعلموا بشروط بائسة القليل من المعرفة و العِلم بعكس مدارس المُدن الكبيرة أو المدارس الخاصة المُكلفة و لكن ما تعلمه فتى مُرهف الإحساس و كبير القلب و إنسانى المواقف من أدب و شعر و لغة و تاريخ و فلسفة خلال المرحلة الثانوية مثل نجيب سرور كان كـاف لخلق الشاعر و الفنـان الذى يتحدى الظُلم و الإضطهاد و هو يراه بعينيه الواسعتين و قلبه الحار فكانت ولادة الشاعر المُناضل الذى سُرعـان مـا ظهرت مواهبه الفنية الأخرى المُتمثلة فى إدراكه لأهمية عالم المسرح بالنسبة لقضيته الأولى ” النضال ” من أجل كشف الحقيقة سعياً للحرية و العدالة ماجعله يترك دراسته الجامعية فى كلية الحقوق قبل التخرج بقليل و الإلتحاق بالمعهد العالى للفنون المسرحية الذى حصُل منه على الدبلوم فى عام 1956م و هو فى الرابعة و العشرين من العمر و قد كانت ” قصيدة الحذاء ” التى كتبها عام 1956م تُجسد قصة حياة طفل تعرض أبيه أمامه للمهانة و الضرب من عُمدة القرية الذى سماه نجيب ” الرب ” و كان جشعٌ و قاسى القلب يتحكم فى أرزاق الفلاحين و فى حياتهم و كى لا نُنكر الحقيقة كاملة فقد أخفى نجيب بداية إنتماءه إلى جماعة ” حدتو” الشيوعية قبل سفره فى بعثة حُكومية إلى الإتحاد السوفييتى لدراسة الإخراج المسرحى من عام 1958م و حتى عام 1973م حيث أعلن هُناك تدريجياً ميله للماركسية مما كان له الأثر السلبى على مجموعة الطلاب الموفدين الذين حرضوا السفارة المصرية و لفقوا التقارير ضده ! و فى ذات الوقت تحول تساؤل الشيوعيين العرب عن مدى الحقيقة من عدمها فى كون سُرور يحمل الفكر الماركسى فى حين أنه موفد ضمن بعثة حكومية ! إلى شكوك أقلقت سُرور و أثارت فى نفسه اكتئاباً و هى المُعاناة التى جعلته يبُالغ فى تأكيد صِدقه و نفوره من مجموعة الموفدين و عدم إرتباطه بأية جهة غير شيوعية عن طريق تشكيل مجموعة الديمقراطيين المصريين فى السنة الدراسية الثانية عام 1958م و تعمد على المُشاركة فى الحياة الطلابية و إلقاء الخُطب الحماسية و البيانات ضد النظام الديكتاتورى و سياسة القمع فى مصر و الأردن و التى إمتلأت بسببها سجون البلدين بالآلاف من أبناء الوطن الشُرفاء من عمال و فلاحين و مُثقفين و قد كان لولع سُرور بالأدب و الفلسفة و شغفه بالقراءة و كتابته للشعر بالعربية الفُصحى هو السبب الرئيسى لعدم كبت رغبته الدائمة بمُخاطبة الناس عبر المسرح حيث كان التمثيل فى نظره أداة التعبير الأكثر نجاحاً فكتب مسرحية ” يا بهية و خبرينى” عام 1967م من إخراج الأستاذ المسرحى القدير ( كرم مطاوع ) ثم ” آلو يا مصر” و هى مسرحية نثرية كُتبت فى القاهرة عام 1968م و ” ميرامار” و هى دراما نثرية مُقتبسة عن رواية نجيب محفوظ المعروفة من إخراجه عام 1968م  ثُم قدم سُرور فى عام 1969م من تأليفه و إخراجه المسرحية النثرية ” الكلمات المُتقاطعة ” التى تحولت فيما بعد إلى عمل تليفزيونى أخرجه جلال الشرقاوى و التى أعاد إخراجها للمسرح ( شاكر عبد اللطيف ) بعد عشر سنوات و إستمر تألق هذا العمل الفنى حتى عام 1996م و فى عام 1969م قدم سُرور المسرحية النثرية ” الحُكم قبل المُداولة ” و المسرحية النثرية ” البيرق الأبيض ” و قدم فى عام 1970م ” ملك الشحاتين ” و هى كوميديا غنائية مُقتبسة عن أوبرا القروش الثلاثة لبرشت و ” الشحاذ ” .. عندما عاد سرور إلى مصر عام 1964م كانت مُخابرات صلاح نصر فى أوج تألقها و سَطوتها و كان من الطبيعى ان يحل نجيب سرور ضيفاً على زنازين نصر فيُعذب و يُنفخ و يُصلب و تُمارس عليه كل أنواع التعذيب و مع ذلك لم يتوقف عن الشعر فألف قصيدته الشهيرة التى كان مطلعها  ” يا حارس السجن ليه خايف من المسجون هية الحيطان اللى بينا قش يا ملعون ؟ و لا السلاسل ورق و لا السجين شمشون ؟ ” فبهذه الكلمات لخص سُرور فلسفته ضد الظلم فأعطاه الظلم قوة استثنائية لا مثيل لها و أضحت بصمته على الحياة الثقافية فى مصر واضحة للعيان حتى يوم وفاته فى عام 1978م بعدما شارك فى الحياة الثقافية شاعراً و ناقداً و باحثاً و كاتباً مسرحياً و مُمثلاً و مُخرجاً حتى أصبح أحد اعلام المسرح المصرى و العربى .. لم يكن سُرور راضٍ عن صلاح جاهين أو زوجته ” سميرة مُحسن ” التى طلقها بسبب الخيانة و ألف فيها قصيدة هجاء ( حيثُ كان عمها ” مُنير مُحسن ” مُدير مكتب مُكافحة الشيوعية فى أمن الدولة و سبباً رئيسياً فى إضطهاده كما ذكر سرور إنها خانته جنسياً مع الأديب العالمى نجيب محفوظ ! و بأن الأخير قد صرح له بذلك ! ) ” و الله أعلم ” و لم يكن سُرور راضٍ أيضاً عن ألحان موسيقار الأجيال ” محمد عبد الوهاب ” لأنه كان يرى أنها مزيج من ألحان غربية و شرقية بكوكتيل ليس له طعماً أو لوناً أو رائحة ! و الحقُ يُقال أن هزيمة يونيو 1967م قد حفرت جرحاً غائراً فى شخصية سُرور لم تبرح حتى نالت من أعماله شعراً و أدباً ليصدق الشاعر بأن هناك مؤامرة عليه قد بداية من المُخابرات المصرية حتى مُنافسيه من الشعراء و الأدباء فحين قام سرور بكتابة و إخراج مسرحية بعنوان ” الذباب الأزرق ” سُرعان ما تدخلت المُخابرات الأردنية لدى السُلطات المصرية لإيقافها و قد كان لها ماسعت إليه و بدأت منذ ذلك التاريخ مواجهة جديدة بين الامن المصرى و بين سُرور إنتهت بعزله و طرده من عمله و مُحاصرته و منعه من النشر ثم اتهامه بالجُنون ! إلى أن توفى فى يوم 24 أكتوبر عام 1978م فى مُستشفى للامراض العقلية أودعته فيها المُخابرات المصرية عن ستة و أربعين عاماً ! بعد أن أصابه الخُذلان و اليأس و هناك بعض أقوال غير مؤكدة حول مقتله بداخل المُستشفى للتخلص من إزعاجه للسُلطات و لكنها للأمانة أقوال غير مؤكدة و الغريب و العجيب أن سُرور لم تكتف السُلطات المصرية بمُلاحقته حياً فقط بل ميتاً أيضاً ! بعدما أصدرت إحدى محاكم القاهرة فى سبتمبر 2002م حكماً بحبس ” شُهدى ” ابن الشاعر الراحل نجيب سرور لمدة عام بعد أن وجهت اليه تهمة بث “مواد مُنافية للآداب ” على موقع أنشأه لذلك خصيصاً على شبكة الإنترنت و تتمثل تلك ” المواد ” فى القصيدة الشهيرة التى كتبها الشاعر الأب و المعروفة باسم ” .. أميات ” و و التى كُتبت كتعبير عن إحباط جيل الستينات و يأسه اثر هزيمة 1967م و تضمنت ألفاظاً جارحة استهدفت رموز النظام الناصرى و لاقت رواجاً إستثنائياً فى مصر و ظلت لفترة إحدى علامات أدب الهجاء السياسى فى العالم العربى مع العلم أن هذه القصيدة لم يتم منعها من النشر أو التدوال و هى أيضاً غير مُصادرة بحكم قضائى و ظلت مُتداولة طيلة فترة السبعينيات و الثمانينات من القرن المُنصرم بنسخها خطياً و عبر شرائط الكاسيت ! و ظلت أيضاً مُتوافرة على عددٍ من مواقع الشعر و المسرح على شبكة الإنترنت حتى كتابة هذه السُطور … رحم الله نجيب سرور و تجاوز عن سيئاته و أسكنه فسيح جناته .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: